العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :50
من الضيوف : 50
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31727301
عدد الزيارات اليوم : 2499
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


أبي منعم فرات

اسمه منعم بربوت وادي، ولد في  بغداد – كرخ – محلة الشيخ علي في عام 1900 وكان اهله كبار قبيلتهم الجبور  وله املاك كثيرة ولقبهم الخاص بيت السالم لأن جدهم محمد السالم شارك في دحر  الفرس.  دخل منعم المدرسة في طفولته وتركها لأنها تركية وتعلم القراءة  والكتابة وحفظ القرآن الكريم بواسطة الكتاتيب واول عمله مزارعاً في ارضه  وكان يفكر في النحت فذهب وجاء بصخرة و(ادواة)


 الى المزرعة وبدأ ينحت فحولها الى رأس إنسان فهنأ نفسه واستمر على النحت وكان عمره 18 سنة وظل يواصل العمل وينحت.
سرقت له حيوانات فذهب يفتش عنها حتى وصل الى هيت و"أظل" الطريق وجاء الليل ودخل "زور" "محيط" بالاشجار والاحطاب على حافة الفرات فجلس في حفرة عميقة ينتظر الصباح وفي منتصف الليل إذا بدراجة تأتي الى الحفرة "فكخت" وهربت وجاء الصباح وخرج من "الزور" فرآه اهل القرية فعجبوا من امره وقالوا اين كنت هذا "زور" "الذآب" قال لهم سلمني الله وكان يحمل خنجر صغير والمصحف الشريف فسأله كبيرهم فعرف اهله وكرمه وعاد الى بغداد الى المزرعة والنحت.
نظر يوما الى السماء فرأى سحبا بعيدة متجهة نحو بغداد فقال احذروا هذه السحب انها عاصفة ستخرب وسارع الى البيت وقبيل الوصول جاءت العاصفة وبدأت الرياح والرعد والزلزال والثلوج والامطار وقذفت به الرياح في بركة من المياه "اعمرته" الى عنقه وقلمت الرياح النخيل وتهاوت بجانبه وظل في البركة حتى ذهبت العاصفة وخرج الى الطريق فسمع انيناً فاتجه اليه فوجد رجلاً ودراجته فوقه والماء والثلوج فرفع الدراجة من فوقه واقعده فسأله لا يفهم العربية شخص اجنبي فساعده حتى وصل بغداد وجاءت اخبار تدمير العاصفة انها قلعت منارة جامع جسر الشهداء من جانب الرصافة وتدميرات اخرى.
وبعد سنتين جاء جماعة "فأحتالوا" على شقيق منعم لأنه الوكيل بحجة شركة في ماكنة للأرض فسلبوا الأرض منهم واضطر منعم للدفاع عن ارضه بعد ان لم تفيد الوساطات وحدثت معركة وسجن منعم على اثر ذلك سنتين وكان الحاكم قريب واحداً من هؤلاء المحتالين وتحول منعم من ملاك الى عامل فصار اول الامر يبيع ويشتري بالابقار والاغنام وهو مستمر في نحت اشكاله المبدعة وصار قصاب وصار عامل وفصله المدير لا عن ذنب ولكن رفض ان "يأخذ" له تحية. كان منعم لم يأخذ تحية لأحد مهما كان مركزه إلا لمن يستحق . واشتغل في وزارة الدفاع عامل و"لقيه" صخرة فوضعها في باب المعمل ونحتها أسد ومعه اشكالا اخرى فقصده يبقى تذكاراً له في الدفاع فنقل امر المعمل ونقل الشكل معه الى بيته وجاء امر جديد وراح يضغط على العمال فترك منعم العمل لأنه لا يحب الخضوع والذل وترك العمل ولم يملك درهماً واحدا. وقبل ذلك اشتغل مع مقاول في الطرقات وكانت اجور العمال لا تكفهم خبراً فجاء مقاول آخر ينقص على هذا المقاول وعلى العمال. جاء المقاول الأول ومنعم والعمال معه، وجاء المقاول المنقص عليهم وعماله معه الى مكان العمل فتقرب منعم اليه فمسك المقاور وقلبه في حفرة عميقه وصاح على عماله عاقبوه هذا ظالم وتوجه العمال عليه "فأستغاث" وصاح "اتوبه" اخرجوني فاخرجوه وهرب هو وعماله فاستدعت امانة العاصمة منعم والمقاول والعمال. حقق معهم في الامر فقال منعم للمهندس يومية العامل درهم لا يكفيه خبزاً و"جائكم" هذا المقاول الذي لا يملك ضميراً ينقص علينا من الدرهم الى الاربعين فلسا ماذا يشتري العامل بالاربعين فلسا ألم تفكرون في حال العمال.
وظل منعم ينحت ويعمل و"يأنف" الكتب فالف اكثر من ثلاثين كتابا لا تحفظ الا ثلاثة عناوين منها "ايهل الراقد" "العاجزون في الارض" "الؤلؤ والصراع العنيد".
وكان منعم مطارداً من الحكومة السابقة بسبب النحت نحت شخصيات وطنية ومن "ضمنهم" عبد المحسن السعدون فاستدعته السلطة وحبسته واخذت التمثال منه. وذات يوم كان منعم واقف يحمل تمثالا ليبيعه فارسل عليه مدير المتحف وكان المدير يهودي اسمه سليم أخذ التمثال منه وامر بحبسه وصلت القضية الى المحكمة واسم الحاكم عبد العزيز الخياط وحضر ممثل المتحف الى المحكمة والتمثال معه فوقفوا امام الحاكم فقال الحاكم للممثل بدلا من تشجعه تاتون به الى المحكمة؟ فطرد ممثل المتحف واعاد التمثال الى منعم و"طلق" سراحه. وظل منعم مضطهد فمنعوا عليه الوقوف في الشوارع العامة وهو يحمل منحوتاته ومنعه من زيارة المتحف نهائياً وكان صابرا ويقول سيأتي اليوم الذي يحاسبون فيه هؤلاء العملاء العبيد خدام الاستعمال ويقول سياتون الرجال الذين يشجعون هذا النحت ويعرفون قدره سيأتي اليوم الذي اكون فيه الفنان الوحيد ساكون لا منعم بل منعم فرات.
واستمر في النحت والكتابة في الليل والنهار وراح يبيع منحوتاته المريعة لأصحاب المحلات لتجلب اليهم الانظار وقسم يبيعونها للاجانب بمبالغ كبيرة.
وكان منعم يقف في منطقة ينحت يحاول بعض الشباب والصبية التعلم منه فيعطيهم مرمر و"ادواة" ولكن لم يتمكنوا . واذا لمرسل منعم مع اولاده تمثالا الى مكان "ماء" اخذ الاطفال والصبية يلتفون حولهم وينظرون الى المنحوتات ولقبوهم باولاد النحات. لو كانت "حالت" منعم المالية تساعده لم يبيع هذه المنحوتات المروعة فتدهورت حالته يوما بعد يوم فمزق كتبه وكسر كل شيء في بيته وراح يخاطب الله على ما هو به من حاجة وضيق لم يكشف سره لأحد لا يعلم بحاله حتى اخيه لا يترجى احد طول حياته. مرت الأيام وجاءت ثورة الرابع عشر من تموز واخذ منعم يبيع منحوتاته في الشوارع العامة والمحلات بكل حرية ويزور المتحف ومعجب بحمورابي وشريعته. وفي يوم من الايام كان منعم واقفا في شارع الرشيد يحمل تمثالا من الطيور "جاءه" رجل واشترى الطيور منه واستدعاه الى وزارة الارشاد سابقا وكان هذا الرجل هو الدكتور الفاضل اكرم فاضل وجاء منعم الى بيته فرحا يبشر اولاده لقد جاء اليوم الذي انتظره منذ خمسين سنة بدأ املي يتحقق و"احتضنته" الوزارة منذ ذلك الوقت عام 1959 وكان منعم فرحان ولكن حزين على منحوتاته التي ذهبت منه لو بقيت عنده لشكلت متحفا كاملا.
ارسلت الوزارة منعم الى طبيب العيون فبدا الطبيب يفحصه ويسأله فقال للطبيب انا لست طياراً ولا مدفعياً. انا نحات والحجر قرب مني "ألى" انت طبيب طيب نفسك وخرج، ولكنه تعين باجور مقطوعة.
صار منعم ومات وهو منعزل فريد ليس له صديق يقول غحذر اصدقاء السوء انه يغدرك او يسرقك او يخون عرضك. انه ينتقد القدر يقول الغدر "مو من" صفات الرجال، يحذر من خدع الاعداء ويقول يصافحك بيد ويضربك باليد الاخرى، كان منعم مؤمن بالله وبملائكته وكتبه ورسله وباليوم الاخر لا يحسد احداً يكره "التزيف" والحيلة والغش والفتنة قليل الكلام والضحك اذا كان عنده دينار كانما يملك كنزا واذا وصلت اليه قضية معقدة حلها وارضى الجميع لا يحب الهندام ويقول الشخص علمه وعمله لا هندامه، سالوه اقرباءه لماذا لقبت بالفرات ولم تلقب بجدك او عشيرتك فقال انا لست عنصريا.. اريد رفع اسم بلادي والفرات له فضل علينا لعذوبة مائه ولانه مهد الحضارات كان منعم فرات عصبي المزاج ابيض القلب صادف في طريقه رجلا مسنا يجر "عربة" محملة قرب جسر الشهداء يريد ان يصعدها الجسر فلم يستطع فتقدم اليه وساعده واصعدها الجسر معه. ويوصي بالحيوانات ووضع اناء في "سطح" منزله وفيه ماء لتشرب الطيور منه ويخاطب الله في كل وقت لماذا حللت ذبح هذه الحيوانات الاسيرة الضعيفة ولم تحلل ذبح الحيوانات المفترسة، يكره الحرب ويقول لماذا تزهق هذه الارواح لولا الطامعون.. كان منعم لا يشرب الخمر ولا يلعب القمار.
تعرض مرتين في حياته لحوادث الدهش وعفي عن الاولين وهم جنود يسوقون دراجة عسكرية وعفى عن الثاني وهو سائق ولكنه في المرة الثالثة لم يستطع العفو لأنه مات شهيداً وفر الجاني.
كان منعم لا يجلس بجوار احد في المقهى واذا جلس احد بجواره وتحدث معه بكلمات غير لايقه طرده او ترك المكان.
يحارب الخرافات ويطارد فتاحي الفال كلما وجدهم في المنطقة، وكان يحب الشعر ويحب من الشعراء معروف الرصافي وعنتر ابن شداد. قرأ القرآن الكريم وكتب الصوفية وكتب اخرى كتاب "الف ليلة وليلة" وليلة وكتاب كليلة ودمنه. يحب الشيخ سلامه حجازي و"ملا" عثمان الموصلي والموشحات الاندلسية والمقام العراقي والغناء البدوي والزي العربي يحمل "العصاء" منذ شبابه.
انتهت قصة حياة والدي منعم فرات
نقلت نصاً ودون اي تحريف من وثيقة خطية كتبتها ابنته.

عن الكتاب التذكاري الذي صدر عام 1974 عن الراحل منعم فرات



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية