العدد (4314) الاربعاء 21/11/2018 (رفعت السعيد)       رفعت السعيد..القامة المضيئة       فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد       غروب شمس اليسار المصري"..       د.رفعت السعيد: تعلمت في السجن كتابة الرواية       رفعت السعيد..أديبا!       رفعت السعيد وأزمة اليسار       رفعت السعيد و(الفجر الجديد)       رفعت السعيد.. خبرات نادرة في السياسة والتاريخ والثقافة       العدد(4313) الاثنين 19/11/2018    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :29
من الضيوف : 29
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22979583
عدد الزيارات اليوم : 8110
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


هكذا ادركت مقاهي بغداد في العشرينات

عباس بغدادي
مقاهي الكرخ

أولا : قهاوي عكيل:
كهاوي (لايقال مقاهي ) في سوق حماده ، وهي اربعة قهاوي متجاوره يرتادها افراد عشيرة العكيل في جانب الكرخ ، حيث يسكنون ابتداء من سوق حماده باتجاه (خانات الأباعر) الى (العنازيه) الى (الشيخ معروف) ، ثم من منطقة سوق الجديد ، التي تبدأ من دكان الحجي احمد العطار حتى قهاوي عكيل ، مرورا بجامع عطا وطرف باروده والدهدوانه ، والحصانه .


 وعكيل يمتهنون التجاره والنقل الى خارج العراق بواسطة الجمال . كما يلتقي في هذه  المقاهي قسم من تجار الخيول التي تصدر الى الهند لتركض في ساحة السباق في مدينة بونا الهنديه قرب بومابي . وقد اتخذ النجدي الخبير بالانساب عبد العزيز الصقير هذه المقهى مقرا له حين بدأ بأرسال العراقين الى نجد يوم كثرت أموال السعوديه واحتاجت الى شباب وموظفين من أصل نجدي ، وكان عبد العزيز يختارهم ويشجعهم . فذهب الكثير منهم الى السعوديه وتسلموا الوظائف الكبيره ، وكان منهم وزراء وسفراء وموظفين في أعلى الدرجات ، امثال ابن الرواف ، وابن الكحيمي ، وابن حجيلان ، وابن زين ، وابن اوبن الخليل ، وغيرهم . فلسنا في باب تعدادهم .
 
ثانيا: قهوة العكامه، او قهوة حسون:
 لأن حسون كان يديرها قبل انتقاله الى قهوة البيروتي التي تقع على الجهه الجنوبيه من الجسر . وكانت قهوة العكامه (مرافقي القوافل وأدلائها ) تنقسم قسمين ، الكبير منها في البدايه وهي العامه . والصغيره في النهايه . وكان فيها أربع نخلات ويضع اشجار من الدفلاء , وكانت غير مسقفه وتطل على نهر دجله مباشرة، وكان يرتادها الأدباء والفضلاء من اهالي الكرخ ، وأذكر منهم عبد الله القصاب ، ومحمود عزة عبد السلام ، وأحمد البغدادي , محمود مصطفى الخليل , وداود العجيل , ورشيد الهاشمي , وتوفيق الفكيكي , وملا نجم البصير , وسعيد جوجه ’ ويظهر ان كياسه ولطف القهوجي حسون هو الذي حلب الشهره الى المقهى .
 
 ثالثا : قهوة البيروتي:
هو ابراهيم البيروتي الكرخي . وهذا المقهى أكثر سعه من قهوة حسون أذ تمتد الى منتصف سوق خانات الصوف والجلود والدهن مثل خان حمودي الوادي , وخان بيت الهندي , وخان الفنهراوي , وكان مدخل قهوة البيروتي الكبير العريض ملتقى الضرفاء من الكرخ , مثل ملا عبود الكرخي ، الفهنراوي ، حمودي الوادي , , وتوفيق الخانجي , وغيرهم من التجار اصحاب الخانات التي لم تكن تسمى خانات بل كانت تسمى (أسياف ) لكبر مساحتها وتنوع البضائع فيها . وأشتهرت قهوة البيروتي كذالك بالنركيله التي يشرف على تحضيرها وتعميرها الأسطى علوان النركليجي. وكانت زوايا القهوه الخلفيه مخصصه الى لاعبي القمار وعلى رأسهم ابراهيم البيروتي نفسه , وهذا هو الذي اساء الى سمعة المقهى وانصرف الناس عنها ولم ينجح البيروتي في قهوه اخرى غيرها.
  أما في جانب الرصافة , فأشهر المقاهي هي
 أولا : قهوة الشط الفوقانيه والتحتانيه:
وهي ملتقى تجار المنطقه وأصحاب المصالح في كمرك بغداد على الرصيف بناية المستنصريه  ومراجعي البواخر النهريه والمسافرين والقادمين من والى البصره في مراكب بيت لنج ومراكب بيت الخضيري . هذا في التحتانيه .
 أما الفوقانيه , فيلتقي فيها القادمون من الكرخ ومن شارع البنك صباحا للتمتع بمنظر نهر دجله وبالهواء البارد المنعش الذي يهب عليها من الجهه الشماليه والغربيه , أذ تبقى مقبوله وبارده طيلة ايام الصيف .وفي ركن منعزل منها كان يلتقي جماعه من الادباء والفقهاء البغداديين صباحا , ومنهم : عبد الوهاب ملوكي وأخوه يحيى وابراهيم الدروبي , والملا رشيد فقيه جامع الباشيشي , والشاعر سيد موسى , وأحمد البغدادي , والشيخ عيسى البندنجي , والسيد محمود الأطرقجي , وعبد الجبار طبره , ولم يتركوا هذا المقهى الى اليوم الذي انفجرت فيه قنبله صغيره في ركنهم من القهوه أيام تسقيط اليهود في أواخر الاربعينات . وفي الشتاء ليلا وعلى الاخص في أيام رمضان كانت قهوة الشط الفوقانيه تستدعي للغناء فيها الجالغي البغدادي المكون من القارئ اليهودي يوسف حوريش وتختة الموسيقى المكون من عزوري وجماعته .
 
 ثانيا قهوة موشي:
وتقع في شارع السموأل (شارع البنك ) على مرتفع من الا رض يصعد أليها بسلم من خمس درجات , وكانت مجمعا للتجار اليهود وبعض المسلمين , ومركزا للبورصه وأسعار السوق المحليه والعالميه , ومركزا مهما للدلالين , يقابلها في الجانب الثاني من الشارع قهوة رضا , وقهوة السيد محمد , وهما مركز تجمع التجار المسلمين بزعامة كامل الخضيري , وعبد الودود , وشاكر الضاحي , وبقية تجار الحبوب والجلود . ويعبر اليها يوميا التاجر المعروف توفيق الخانجي لقضاء صباحية جميله مع اصدقائه من بيت الخضيري , والشيخلي , وأسكنر استيفان ورفاقه . والى الشمال من هذه القهاوي وبجوار خان (ألأورطمة ) (خان مرجان ) تقع قهوة القيصريه في سوق القيصريه الذي تباع فيه الكواني وخيوط السوتلي . وكانت مقرا للقصخون أيام رمضان , أو أحد قراء المقام الذين يجلبهم العزاوي والشيخلي مستأجر القهوه .
 
ثانيا : قهوة الفسلان:
وتقع في ساحة الكيلاني في بداية طريق محلة التسابيل , وكان فيها بعض النخلات . وسبب شهرتها ان أحسن انواع الدبس في بغداد كان يباع فيها , وأشهر البياعين كان حسين حوار ابو علي الذي كان مستأجرا  لقهوة المشهوره على نهر دجله في أول شارع أبي نواس , وكان رئيس عماله في المقهى أسمه حسين ابو علي ايضا , واشتهر هذا بأنه يحمل على يد واحده اثني عشر استكانا من الشاي للزبائن بدون ان  يقع استكان واحد .
 
 رابعا : قهوة هوبي:
 وكانت بالقرب من موقف سيارات جسر السنك حاليا , وهي واسعه جدا , وفيها جناح لبيع الاخشاب , وكان هوبي مستأجر القهوه يجلس في مدخلها لابسا طربوشه الاحمر , وكان يغني في المقهى في بعض الأحيان قارئ المقام المشهور رشيد القندرجي مع الجالغي البغدادي . وكان رشيد يرتدي الطربوش والزبون والجاكيت . ثم انتقل هوبي الى الصالحيه وأستأجر حديقه كبيره بالقرب من سوق النجارين بالصالحيه في الحال الحاضر وارسى قهوته بين اشجار البرتقال والنخيل والرمان , فكانت قهوة صيفيه تشبه مقاهي دمشق ودمر وزحله في أشجارها فقط, وليس في مياهها وبرودة هوائها .
 
خامسا قهوة ناصر طوبيا:
 وكانت في الصالحيه ايضا , بالقرب من جسر مود وكانت خاصه للطلاب فقط , فلا يرتادها غيرهم , عدا بعض اليهود والمسيحيين يوم الاحد والسبت , عند انتهاء نزهتهم على جسر مود , الذي كان منتزها في هذين اليومين غادين ورائحين الى وقت الغروب بأبهى وأحلى ملابسهم وزينتهم . وكانت قهوة الحسين حوار ابوعلي في شارع أبي نواس , وقهوة هوبي في الصالحيه وقهوة ناصر طوبيا مركزا وتحت احتكار (رزاقه) بائع الكبه , وجلوب بائع الصميط , ولا يجسر أحد من الباعة على ولوج هذه القهاوي والبيع فيها , وأظن انهم  كانو يدفعون ما قسم الله لصاحب المقهى لقاء هذا الاحتكار .
 
أما صالح الجابي , فقط فتح مقهاه على شاطئ دجله , تحت جسر مود (بناية دائرة الري), وجعلها لاول مره في تاريخ العراق مقهى لبيع اوراق الدنبله (البنكو) . وكان يفتح المقهى عصرا فقط . أما الجوائز فلم تكن نقدا , بل كانت عينيه , مثل الجوارب , والمناديل , والأمشاط , وحمالات البنطلون والجواريب (الآسقيات ) . وكان الاقبال على الدنبله كبيرا , فهو شئ جديد في عالم المقاهي .
وبعد المقهى فتح دكانا للحلاقه بجوار السينما الوطني في سيد سلطان علي . وفتح عدة فروع سماها صالون حلاقة الجابي . وصالح هذا رجل عصامي متشبث , وكان يجبي الاشتركات الشهريه والتبرعات لمدرسة التفيض الأهليه , فسمي صالح الجابي .
 
 سادسا: قهوة حسن صفو , وقهوة عزاوي:
وهما في  محلة الميدان بجوار سوق هرج الكبير , وسبب شهرتها هو احتوائها على مغنى ومرقص , وسميت اخيرا (تياترو) . وكنا ونحن شباب مراهق نعبر من جانب الكرخ الى الرصافه في شهر رمضان جماعات , لاتقل الجماعه عن سبعة أشخاص , ذلك أن دخول مراهق واحد الى التياترو يوجب الشك والريبه ولايقبله صاحب المحل . أما دخول الجماعه فكان مقبولا . وكان السهر في شهر رمضان مقبولا عند أهالينا . وحين نعبر الجسر فأننا نرى في جانب الرصافه أشياء لانراها في الكرخ ولم نسمع عنها او نتصورها , فكانت جوله أستطلاعيه وجوله معرفه أكثر مما هي جولة للأنس والطرب , فندرس فيها طرقات وأزقة ومعالم جانب الرصافه .
وهناك عامل اخر لذهابنا , هو خوفنا من الاعتداء علينا , لأن صبيان وشباب كل محله يحذرون من دخول شباب محلة اخرى ويعتبرونه اعتداء عليهم . لذا كنا نحتمي من هذا الاعتداء المنتظر .
ووصلنا يوما في أحدى جولاتنا اليليه الرمضانيه الى أوتيل الهلال بالميدان , حيث كانت بدريه السواس ترقص وتغني هي وبقية المغنياة العراقيات أمثال : سلطانه يوسف , وبدريه أم نور , ورحلوا , وسليمه باشا , ومديحه سعيد , وليلو بنت نومة . وفي الميدان قهوه  مشهورة , هي قهوة خليفه التي تحتل نصف ساحة الميدان في أيام الصيف , وخليفة هذا هو من أشقياء محلة الميدان . ولذلك لم يكن مراقبو البلدية يتحرشون به  او يمنعوه من احتلال الساحه. وقريب من قهوة خليفه كانت قهوة السيد بكر , وهي مركز تجمع صم بكم ومجمع هواة تربية البلابل.
 
 سابعا : قهوة عارف آغا :
وتقع على شارع الرشيد , وهي من جملة أملاك عائلة عارف آغا المشهوره .
وكان بيتهم كبير خلف المقهى تماما . وكان كبيرهم حياً , وهو آصف عارف آغا . وفي البيت هذا اسطبل كبير للخليل , وقد دعينا اليه مرات , ذلك ان ابنه كان تلميذا معنا في مدرسة التفيض الأهلية , وكان يدعنا بمناسبات كثيره , وحين اعترض السيد حسن العاني مدير المدرسه على كثرة هذا الولائم للتلاميذ , أوضح له الاب ان هذه الولائم لطلاب الصف نفسه والمدرسه نفسها , رغبة منهم ابعاد ابنه عن اللعب ومعاشرة اولاد السوء من المحله وتحاشيا لما ينتج من ذلك , ثم أولَم للمدير والمعلمين وقسم من التلاميذ وليمه كبرى في مزرعته القريبه من بغداد .
وصارت قهوة عارف آغا مقرا للصحفيين والمعلمين ، خصوصا في أول الثلاثينيات , حين صدر قانون الذيل لتطهير موظفي الدولة , وبموجبه  فصل عدد كبير من المعلمين . فأتخذ أكثرهم هذا المقهى مقرا لهم . ومن اهم روادها نوري ثابت صاحب جريدة (حبزبوز) , والصحفيون : يحيى عارف , وعادل عوني, ويونس بحري , والغلامي , والفكه المشهور ناصر عوني , وشفيق سلمان, وغيرهم من أفضل المعلمين والأدباء .
 
ثامنا : قهوة حسن عجمي :
وهي من أنظف المقاهي في بغداد , وتقع في الحيدر خانه بجوار مدرسة شماش اليهوديه من جهة الجنوب ودكان أزباله بائع الدوندرمه من جهة الشمال (ازبالة مشهور كشهرة حسن عجمي ) . وكانت أرض المقهى تغسل يوميا , والوجاغ محل عمل الشاي ممتلئ بأنواع السماورات الروسيه الأصليه (المسكوف) , أي الواردة من موسكو , حيث كل الناس يسمون الروس (مسكوف) . وعلى الوجاغ ذلك انواع القواري ال *** ون شكلا وحجما . اما أغطية القنفات في الصيف ’ والزوالي في الشتاء , فكانت تنظف يوميا , ولاعجب , فان حسن عجمي نفسه أنيقا في ملبسه ومحترما في تصرفاته , وكان يقتطع زاوية المقهى أيام الصيف للتلاميذ , ليذاكروا دروسهم ويمنع لعب الطاوله أو الصياح قرب التلاميذ , حتى ينتهوا من مذاكرتهم . ومن اسباب شهرة المقهى ايضا الشاي اللذيذ والذي تبين بعد التحقيق , ان حسن عجمي كان يضع قطعه صغيره جدا من الترياك تحت غطاء القوري أثناء التخدير , وذاللك هو الذي يعطي الشاي مذاقه المتميز  .
ومن الظواهر المتميزه في هذه المقهى وجود القزم الايراني (شفتالو) وطاسة الماء بيده والتظاهر بالغباء والضراط حسب الطلب .
 
 تاسعا : قهوة الشابندر:
بالقرب من المحاكم ومقابل القشلة , وكانت محطا لكافة مراجعي وحكام ودوائر الدوله , فهي مزدحمه بالزبائن الذين يشربون النركيله بانتظار فتح الدوائر الحكوميه , أو انتظار قرار المحاكم المختلفه , أو قول الموظفين للمراجعين (روح تعال بعد ساعه  ) . وبجوار قهوة الشابندر دكان لبيع القرطاسيه وورق العرائض والطوابع الماليه يعود لرجل من بيت الاحمدي . كما كان هناك دكان للطباعه يعود لرؤوف الأعمى , كما كان يسمى وهو من جانب الكرخ , وكان بصره كليلا ومن الصعوبه ان يقرأ , رغم العوينات , لذلك , فهو يقرأبعين واحدة , ثم يدير وجهه ليقرأ بالعين العين الثانيه , ريثما تستريح العين الاولى من العناء . وبجوار المقهى مصوران بالماكنة القديمه لتصوير من يحتاج الى صور في مراجعته للدوائر . وعلى الحائط في محل المصور قطعه من القماش الاسود فيها مختلف التصاوير لاظهار خلفية من يريد التصوير فأما غابه مليئه بالوحوش , او في زورق او مركب بخاري كبير . ولا بد ان يمسك بيده مسحبه كهرب ومسدس خشبي باليد الاخرى , لاضهار كونه من الاشقياء وكرسيين للجلوس , ريثما ينتهي المصور من غسل الصور بعد رؤية (العكس) , اي الصور السلبيه , والتأكد ان عملية التصوير كانت ناجحه . وفي المساء كانت قهوة الشابندر محلا لانتظار (المايخانة) المجاوره للمقهى والتي تفتح بعد أذان المغرب ,او بأنتظار (القصخون) , او قارئ المقام العراقي وجوقة الموسيقى في بعض ايام السنه .
 
 عاشراً :
 وفي الباب الشرقي والبتاوين , قهوتان مشهورتان , هما : قهوة كزار وقهوة العبد , قهوة كزار أقدم قهاوي الباب الشرقي , وكانت محلا للنزهة والراحة . أما قهوة العبد , فكانت مقابل بستان الخس , بمكان سينما سندباد حاليا , وهي موجوده من زمن الاتراك ومشهوره بأنها خارج منطقة نفوذ الجندرمة في العهد العثماني . وكانت ملجأ الأشقياء والفارين من القتله واللصوص . لذلك فان روادها كان يرجعون الى بغداد قبل غروب الشمس , بعد ان يشربوا عرقهم ويأكلون مزتهم من الخس من بستان الخس . وكانت قهوة مشجره تخترقها ساقيه بساتين البتاوين , لذلك اعتبرت هذه الاشجار حماية ضد طائرات القوه الجويه البريطانيه عند هجومها على بغداد في ثورة مايس 1941 . وهناك مقهى صغير في شرع أبي نواس , هو مقهى الحجي رشيد الذي يرتاده شاربو العرق فقط , لان الحجي رشيد صاحب  المقهى مدمن على العرق ليلا ونهارا .
 
 أحد عشــر:
 هناك مقاهٍ كثيرة في بغداد ليس لها شهره مدويه , بل هي مقاهي محلات , مثل قهاوي الفضل , التي كان يجري في بعضها مبارات النطاح بين الاكباش والمهارشه بين الديوك , وقهوة بكر في الميدان المختصة بهواة البلابل , وكذلك كل اخرس في بغداد حيث يجتمعون هناك للتسليه والحديث بالاشارات . وكان هواة تربية الاكباش يهيئون اكباشهم للنطاح على رهان معين يدفعه صاحب الكبش الخاسر , ومن هواة الاكباش علي الحبشي الاعظمي والد الاديب حسين علي الاعظمي.
اما قهوة عرب القريبه من محلة الطوب , فلم تكن مشهوره لذاتها و ولكن لشهرة صاحبها  عرب الذي كان اية في اختلاق الاحاديث والوقائع المهمه التي ينسبها الى نفسه . وكانت تبلغ به الحال ان يقول انه هو الذي يبدل وينقل المندوب السامي البريطاني من بلد الى آخر , وانه يتغذى اكثر ايام الاسبوع مع الملك فيصل الاول وان نقيب اشراف بغداد لايلذ له العشاء الا بصحبته , وغير ذلك من الملخيات لذا كان كثير من الناس يذهبون لاستماع هذه الاحاديث اللطيفه وتشجيعه على اختلاق غيرها . وقد فتح ابنه قوه في كمب الاعظميه وسماها قهوة عرب وهي قهوة اعتياديه لان عرب توفي ولم يخلف عربا آخر خلفه .
وفي الاعظميه عرفت قهوة حجازي ملتقى سكان محلة الحاره والشيوخ , وكذلك أدباء وظرفاء الاعظميه , مثل حسين علي الاعظمي , وكمال أبراهيم , وفؤاد عباس , ومحمود السماك والمختار سيد نعمة . وعلى رأس الجسر في الاعظميه قهوة قريبه من دكان السيد محمود السامرائي . وكان يبيع السجار والتبغ , وهو أيضا مختار محلة السفينه والعارف بسكانها . وكان يلجا اليه كل ذي عوز مادي او معنوي .
    وبجوار سينما غرناطه في الباب  الشرقي, قهوة شكر , وقد سميت بأسم المحله , أو ان المحله سميت بأسم المقهى . وهي كبيره يرتادها سكان المنطقه والعمال والارمن الساكنون بالكمب القريب منها , وكذلك الساكنون في كمب محلة الفناهره . ويقال ان شكر هذا كان جد الكاتب الكبير الأديب أبراهيم صالح شكر . وليس في هذا المقهى ما يميزها عن غيرها غير سعتها وانفتاحها واسمها . أما في القاطرخانه وما جوارها من محلات السويدان والهيتاويين , فأشهر مقهى هو مقهى الحجي كاظم المختار , ملتقى سكان هذه المحلات . وذلك المختار الحجي كاظم لم يكن مختارا فقط لهذه المحلات , بل كان يقوم بخدمه الناس جميعا وقضاء حاجاتهم . وكان يسمى قاضي الحاجات علاوة على كرمه . وقد خلف الحجي كاظم ولده حساني الذي كان زينة الشباب ومثلا طيبا للفتيان .
أما قهوة الملا حمادي في محلة المربعه على شارع الرشيد , ذات النصفين , الصيفي والشتوي , فكانت مقرا معروفا ومشهوره بروادها من هواة سباق الخيل , أذ كان صاحبها ابراهيم ملا حمادي ابو خليل من هواة سباق الخيل في بغداد . واكمالا لبحث المقاهي في بغداد , لابد من ذكر أشهر القهواتيه في العشرينات , والذين كانت أسمائهم تتردد على على كل لسان لمده طويله حتى بعد العشرينات ومنهم :
 1-   ابراهيم البيروتي , وقهوته  في جانب الكرخ على دجله مباشرة  , وهي الان قسم من بناية مديرية التقاعد العامه (سيف داود باشا) ومقتربات جسر الشهداء . ولم يخلف أحد من أولاده في المقهى , لان ابراهيم قد ترك القهوه والمهنه لانشغاله بلعب الورق خلال عمله بالقهوه , مما دعا الناس الى الانصراف عنه .
 2-   عزاوي وهو صاحب مقهى عزاوي المشهور. وكان محله في  الميدان في سوق جامع الأحمديه . وكان فيها فرقه للغناء والرقص , وهي التي قيل فيها (يا كهوتك عزاوي بيها المدلل سكران).
 3-   حسن الصفو , وتقع قهوته في الميدان ايضاً . وفيها فرقه للغناء ومجموعة من الراقصات.
 4-   خليفة , وهو صاحب مقهى خليفة في مستديرة ساحة ميدان . وكان شقيا في زمانه ونزيلا في السجون . وكان يحتل بتخوت المقهى نصف ساحة الميدان . ولكن المراقبين والمامورين يخشونه فلا يتحرشون به . ويجلس في قهوة عادة الشباب والرجال الذين يدعون الشقاوه والمرجله .
 5-   حسون , وكان يدير قهوة العكامة على رأس الجسر القديم . ثم انتقل الى قهوة البيروتي بعد ان تركها ابراهيم . والعكامة تعني رؤساء القوافل التجاريه والغير تجاريه . وكان شخصيه محترمه وقورا , لذلك كثر رواد المقهى من كهول والشيوخ.
 6-  هوبي , وكانت قهوتة أولا في محلة السنك , مجاور بيت مناحيم دانيال الكبير . وكان يغني في هذا المقهى القارئ المرحوم رشيد القندرجي . ثم انتقل هوبي الى الصالحيه في الكرخ . وفتح قهوته هناك بجوار القهوجي ناصر طوبية الذي جعل قهوته خاصه بالطلاب .
7-   كزار الكردي , وقهوته في اول البتاوين. واشتهر هو وقهوته شهره كبيره باعتبارها أول قهوه خارج نطاق مدينة بغداد , حيث كانت تعد البتاوين من بساتين الضاحيه .
 8-   حسين حوار . وهو المعروف بأسم ابو علي , وكانت قهوته في الباب الشرقي ( شارع أبي نواس ) هو واخوه الصغير محمد . وقد كانا قبل ذلك يديران قهوة (الفسلان) في مستديرة باب الشيخ مقابل الجامع تماما. وكانا يبيعان في القهوه احسن انواع الدبس . وبعد ان شاخ حسين حوار فتح محلا في شارع السموأل لبيع الكواني وخيوط الستلي .
 9-   الحجي رشيد , وكان على شارع ابي نواس , جوار قهوة ابو علي , وهو مدمن للمشروب ليلا ونهارا , ويحتفظ بمجموعه كامله من أغاني ام كلثوم القديمه وطقاطيق المغنيات السوريات . ويرتاد قهوة قليلا من الناس , عدا مجموعه من الادباء برئاسة المرحوم ابراهيم صالح شكر . ويرتادها أيضا مدمنون على شرب العرق .
 10- موشي , وقهوته في شارع السموأل بجوار بنك الايسترن . وهو أشهر قهوجي في الوسط التجاري البغدادي . وتكاد قهوته هي البورصة غير الرسميه لبغداد . ومقرا لأكثر تجارها . يقابله مقهى اخر أصغر من قهوته ويديرها رضا القهوجي بجوار خان الباشا الكبير .
 11- الحجي كاظم المختار , ابو حساني , وقهوته في القاطرخانه , هو وأخوه عباس في قهوته الصغيره المجاوره . وبرغم كون الحجي كاظم مختارا يقضي حاجات الناس, فقد اشتهر بكونه قهوجيا ايضاً .
 12- عرب , صاحب قهوة عرب  في باب المعظم . وقد تحدثنا عنه في باب (شخصيات بغداديه ) .
 13- أمين , واشتهرت قهوته بأنها مجمع لكل أخرس وأطرش . كما يرتادها مربوا البلابل.
 14-حسن عجمي , صاحب القهوه المشهورة في الحيدرخانه . واشتهر بأناقته ونظافة قهوته ومجموعته الثمينه من القوريات الفرفوري (ال *** ون) , وسماوراته المسكوفه الاصليه من كل حجم وطراز . وأخيرا بمعامله القزم الاقرع (شفتالو) وليس لي ان اذكر القهوجيه المشهورين ان انسى المرحوم القهوجي كريم الحجي شبو. وقهوته في الخشالات . ومن الوفاء له أن نذكر كرمه وعنايته بالرواد . وقد كانت ملجأً آمناً مريحا في منطقة باب الآغا , وقد قضينا فيها زهرة شبابنا , أنا وخالد الدرة , ولطفي بكر صدقي , وعبد الكريم محمود , وحسين الرحال , وكمال نصرت الشاعر , وياسين الراضي , ومحمد الهدبان وغيرهم من الشباب البغدادي الذي تفتح على الحياة في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات .
أما المرحوم الحجي خليل القهوجي , فله بحث خاص فيه ( انظر شخصيات بغدادية) .

من كتاب بغداد
في العشرينيات 



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية