العدد (4314) الاربعاء 21/11/2018 (رفعت السعيد)       رفعت السعيد..القامة المضيئة       فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد       غروب شمس اليسار المصري"..       د.رفعت السعيد: تعلمت في السجن كتابة الرواية       رفعت السعيد..أديبا!       رفعت السعيد وأزمة اليسار       رفعت السعيد و(الفجر الجديد)       رفعت السعيد.. خبرات نادرة في السياسة والتاريخ والثقافة       العدد(4313) الاثنين 19/11/2018    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 22979510
عدد الزيارات اليوم : 8037
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


من اصدارات المدى.. البصــرة جنة البستان

جاسم العايف
بعد منتصف عام  1978 أستوطن الشاعر(مهدي محمد علي)، هروباً  من تعسف النظام المنهار وبرفقة  الشاعر عبد الكريم كاصد، عبر بادية العراق الجنوبية. عاش مهدي في مناف لا  حصر أوعد لها. لكنه بقي يعيش حياته في "البصرة" و يستذكرها، فكتب عنها  كتابه (البصرة جنة البستانْ)*.


وقد استغرق العمل فيه ثلاث سنوات بدأ  فيها من عام 1982 حين استشرف المستقبل، ورأى انه ربما قد لا يعود لمدينته، وفعلاً تحقق ذلك، إذ توفي في إحد مستشفيات مدينة (حلب) بتاريخ 30 /11 /2011، وكما ذكر في المقدمة: فانه حتى وإن عاد، فهو لن يعود مطلقاً، إلى بصرة الطفولة والصِبا،لأنها بدأت تتثلم منذ إزالة (الطاق) في (العشار) ومبنى (البنك العربي) وساعة (سورين)، وتغير ملامح  (كورنيش) شط العرب،وساحة(أم البروم)،واختفاء أكثر من(17) داراً للعروض السينمائية، الصيفية والشتوية، واختفاء كافتيريا(علي بابا)، وهدم مقهى (الدكة) والتي كان يرتادهما كثير من مثقفي وكتاب وشعراء المدينة في العقد السبعيني، ومع تتابع وتواصل تدمير ومحو أهم شواخص وملامح مدينته (البصرة) بتعمد ولؤم من قبل حكام السلطة المنهارة. وجلهم غرباء عن المدينة وتاريخها، وقد لفظتهم البراري الجرداء والقحط، ليكونوا مصدر القرار الأول، في مدينة التاريخ و الفكر والخضرة والبساتين والماء.وقد عملوا على فرض ذائقتهم وتوجهاتهم القروية المتخلفة عليها وعلى شواخصها التاريخية. يذكر مهدي في مقدمة كتابه(البصرة جنة البستان) : "قررت أن احمل بصرتي معي مهما تتبدل المنافي والبلدان، بكل أحوالها  وتحولاتها، ورأيت إن ذلك يستلزم أن أحفظ مدينتي تلك في صفحات كتاب، وعليه باشرت برسمه بالكلمات..وقد رسمت المدينة كما رأيتها وعشتها".عن كتاب(البصرة جنة البستان) يذكر الشاعر عبد الكريم كاصد "حين كنا،هاربَين من النظام،ونعيش، في دمشق، متجاورين،مهدي وأنا، كان هو مشغولاً بمشروعه الرائع (البصرة جنة البستان) وهذا الكتاب من أجمل الكتب التي صدرت في المنفى. قرأه الكثيرون: مهندسون، أطباء، عمال، طلاب، وتم تهريبه إلى العراق.. ولكنه للأسف لم يجد أي صدىً، في الجو الثقافي العراقي والعربي الصدئ"(عبد الكريم كاصد/ الشاعر.. خارج النص/ ص 73). " وفعلاً وصلنا الكتاب سراً عن طرق احد الأصدقاء لكن خلال حقبة منتصف التسعينات المنصرمة. بعد سقوط النظام تم الكتابة عن(البصرة جنة البستان) وقد حاول بعض الباحثين على إيجاد (تناص أو تواصل) بين كتاب "بصرياثا..صورة مدينة" للأستاذ للقاص "محمد خضير" والذي صدر زمنياً بعد السنوات على صدور كتاب (البصرة جنة البستان).وكتاب"بصريثا..صورة مدينة" الصادر عن دار الأمد - بغداد عام 1993،  هو مقالات سبق ان نشرها الأستاذ "محمد خضير" بين الأعوام 1987 - 1990، في صحف ومجلات عراقية. إلا أن ذلك لم يكن موفقاً أو صائباً إذ أن كتاب"بصرياثا..صورة مدينة " عمل فيه القاص"محمد خضير"،على طبقات عدة من أنواع السرد والرؤى متعددة الأشكال والمضامين،موظفاً قدراته السردية - الفنية المتميزة والمتفردة للحفر في تاريخ المدينة، ومتابعة اندثارها وانبعاثها مجدداً،والميثلوجيا التي اتسمت بها،وحاضرها خلال الحرب الثمانينية، والذي تحولت فيه إلى مسرحٍ قاسٍ وضارٍ للحرب العبثية تلك.و(بصرياثا) "كتاب محير في طبيعة تصنيفه،فهو ليس من جنس القص، أو السرد المحض، ولا هو بكتاب مذكرات،أو سيرة..انه كما أراد القاص(محمد خضير) صورة مدينة،فيها مما ورد، ومما لم يرد في التوصيفات السابقة شيء كثير وتمنح الاستعارة، بما تملك من قوة المجاز لغة الأستاذ (خضير) شعرية لا يمكن تجاهلها،وهي تجسم النثر، وتجسده، ومن الجماليات المؤثرة في (بصرياثا)، التضاد الذي يأخذ بعداً دلالياً يمنح التشكيل النثري متسعاً من المطابقة التي تبرز الشيء ونقيضه،مما يجعله يؤشر على: خرائط مواقع،آبار،وغدران وبرك ووديان واكمات وجبال،ومراع، ومواطن قبائل تعوزها قدرة تخيل البرق عند بدوي يفرز السحابة الممطرة(المزنة) عن شبيهتها الكاذبة")د. فاضل عبود التميمي). كما عدَ بعض الكتاب (البصرة جنة البستان) من أدب السيرة التي تغدو مدينة الكاتب جزءاً من حياة كاتبها، وفي حالات كثيرة تصير المدينة هي الهدف من كتابة السيرة، وتجيء من خلالها سيرة الكاتب كفرد من الأفراد الذين عاشوا في تلك المدينة، ذلك ما عرفناه في سيرة الشاعر الداغستاني رسول حمزاتوف في كتابه" داغستان بلدي" و" الطريق إلى غريكو" لنيكوس كازنتزاكي". كتاب (البصرة جنة البستان) ذكر كاتبه الراحل مهدي محمد علي في مقدمته أنه:" رؤيا طفل، لواقع مدينة البصرة في بداية العقد الخمسيني". وبالتالي فهو لا هذا ولا ذلك انه المزج بين الاستذكارات النثرية المطعمة بشيء من الشعر للكشف عن تصورات وأخيلة ذلك الطفل الذي يجلس في أعلى شجرة (التكي) ليتذوقها ويمسك بيديه صغار (البلابل) ولحمها الطري، ليستحوذ عليها، ثم وفي حالة من تجلي الطفولة الرقيقة، يرق لصراخ أمها، التي تحوم حوله، فيتركها دون أذى، كما انه وعي الطفل وذاكرته الحادة جداً والتي تحتفظ بسمات مدينته. ومع بعده عن (بصرته) مجبراً لأكثر من أربعة عقود، إلا انه يتفحص قصص مَنْ عايشهم فيها ومنهم أمه و إخوته وأخواته وجيرانه وأصحاب طفولته، وحتى أصوات بائعي (الصمون الحار والقيمر صباحاً)، وكذلك يؤرخ لصوت (البلبل) الذي عادة ما كانت تبدأ (دار الإذاعة العراقية) بثها الصباحي بإشارته، والذي يختفي صباح 14 تموز 1958ليذاع  بدلاً عنه،البيان الأول لثورة14 تموز، التي فتحت أبواباً متعددة لمختلف أنواع التحولات والحراكات الاجتماعية والنشاطات، والتي كانت مقموعة، ولا عهد أو تراث للعراقيين بها، ولكنها بالترافق مع الأزمان القادمة،ارتبطت بالجحيم والدمار والعذاب والخراب والموت الذي طال العراق وشعبه..ومازال مُشرعاً حتى اللحظة.

*مهدي محمد علي/ البصرة جنة البستان/ دار المدى- ط1/ 1986- دمشق/ الغلاف للفنان
محمد سعيد الصكار.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية