العدد(79) الاربعاء 2020/ 22/01 (انتفاضة تشرين 2019)       "لا سنّي ولا شيعي والروح تبقى عراقية" تصاعد وتيرة الاحتجاجات فـي بغداد ومدن الجنوب       بعد إنكار "خلف" وجود قتلى .. حقوق الإنسان تعلن مقتل 10 متظاهرين خلال يومين فقط!       يوميات ساحة التحرير..استشهاد مصور وانتشار فديوات لأصوات تعذيب المتظاهرين       الشهيـــد القــائـــد       تقدم المتظاهرين.. "عمر المختار" في ساحة التحرير       حفظت أسماءهم.. "أم عباس" خبّازة محتجي الناصرية ومحبوبتهم       ماذا تستخدم السلطة في قمع المتظاهرين؟.. خلية الخبراء تنشر صوراً ومعلومات       مَن هو الجوكر؟ ومَن هم الجوكرية..؟!       ما الرسالة من نشر صور "معتقلي التصعيد السلمي"؟    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :62
من الضيوف : 62
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30096553
عدد الزيارات اليوم : 8344
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


آفاق ..الشغف بالكتب

سعد محمد رحيم
بعض الكتب تغيّر حياتنا بشكل عميق، مثل الأحداث الاستثنائية والصادمة والكبيرة تماماً، أو ربما أكثر من ذلك. تفعل فعلها في عقولنا ونفوسنا، في قناعاتنا ومزاجنا. كما لو أننا بعد قراءتها نصحو على أنفسنا، ونُفاجأ بمنعطف غير متوقع، يستدرجنا إلى مسار مختلف. يغرينا بأرض غير أرضنا وعالم غير عالمنا، وأفق لم نألفه من قبل.


   كل كتاب نقرأه يُحدث في دواخلنا تغيراً بقدر ما وان كان لو ضئيلا، غير أن هناك كتباً لها فعل الزلزال فينا؛ يجعلنا نؤمن بشيء ما. أو يفتك بإيماننا بشيء ما اعتقدناه راسخاً إلى الأبد. يضعنا على عتبة مغايرة، ويحوِّل أقدارنا.
   نحن نقرأ بحثاً عن أجوبة على أسئلة تقلقنا، بحثاً عمّا يُسكن هواجسنا المضطربة؛ .. وقد ترانا ننشد المسرّة واللذة فيما نقرأ. وربما نروم من خلال القراءة خوض تجربة حياة لم تتح لنا الحياة الحقيقية خوضها. نسافر إلى بقاع لم نزرها، ونقابل أناساً من أمكنة وأزمنة أخرى، ونتورط بمغامرات لا نمتلك الشجاعة الكافية كي نمارسها في واقعنا اليومي الرتيب. وفي النهاية يخسر أولئك الذين لا يقرؤون، أو لا يعرفون كيف يقرؤون، فرص حيوات نادرة توفرها القراءة وحدها.
   القراءة حالة حب، أو قل أن كتباً بعينها تمنحنا ذلك الشعور الفاتن الذي ينتاب الواقع في الحب لتوِّه؛ الشعور بأن روحك راحت تعانق روحاً أخرى في بُحران من النشوة والعذوبة والنقاء والسمو. في النور المسحور حيث يكتسي العالم وأشياؤه بألوان فريدة باهرة. وحيث تتبدّل عندك مفاهيم الزمان والمكان والكينونة، أو قل معنى الحياة والموت. كأنك في أثناء القراءة، وبعد القراءة، في خلق جديد.
     نتلمس الشغف بالكتب عند أولئك الذين يمتلئون بالغبطة كلما حصلوا على كتاب جديد. يتحسسون، بوَلَه عاشق، جلده. يقلِّبون أوراقه برقة وحنان. ويشمّون، وأرواحهم ترتعش، رائحته المسكرة، الغامضة. ويفعمهم ملمسه ومرأى سطوره بوعود من المسرّات.. تلك هي الكتب؛ تنتهك براءتنا، وتفقدنا عذريتنا الوجودية وتلقينا في خضم هذا العالم.
   الولع بالقراءة يقودك إلى هوس اقتناء الكتب وامتلاكها. وهذا يبدأ عند معظمنا في وقت مبكر. يأخذ الفتى الصغير ( أو الفتاة الصغيرة ) بجمع مصروفه اليومي من أجل شراء كتاب أعجبه عنوانه أو صورة غلافه أو اسم مؤلفه. يذهب إلى المكتبة ويرجع بكتابه مباشرة إلى البيت ليحظى بخلوة هادئة معه. ثم يتحول الأمر إلى عادة. بعدئذ تتجمع الكتب؛ في صندوق أولاً، وصندوق ثانٍ، وتحت السرير، وفوق المناضد والكراسي، ثم على رفوف مكتبة بيتية. ويعلم كل مالك مكتبة في منزله معاناة الانتقال إلى منزل آخر مع جبل من الكتب. تُباغت بالحجم المهول لكل تلك الكائنات التي جمعتها. وتفكر بمقدار ما أنفقت، في سبيلها، من نقود تشكل ثروة صغيرة أو كبيرة. وكلنا يعلم أن شراء الكتب استثمار خاسر بالمعايير المادية، في معظم الأحوال. لكنه، في النهاية، يعدّ استثمار الحياة الأعظم لمن يعرف قيمة هذا الفردوس الصغير الذي خلقه في منزله. يلوذ به كلما ضاقت به السبل، ويأوي إليه كلما انشرحت نفسه وأحس بمذاق الحياة.
   تغدو العلاقة مع الكتب عضوية، كأنك إزاء مخلوقات من لحم ودم، مخلوقات تتنفس وتحس.. تعاني الإهمال، وتفرح كالطفل حين تجد الاهتمام، وتتحدث إليك.. " يبدو لي أن الكتب المكوّمة إلى جانب سريري تقرأ نفسها لي بصوت عال في أثناء نومي" يكتب البرتو مانغويل في؛ (يوميات القراءة/ ترجمة عباس المفرجي.. منشورات المدى 2008 ).. وفي مكان آخر من الكتاب ذاته يقول؛ "الكتب التي أقرأها ليلاً في فراشي هي غير الكتب التي صنفتها في النهار.. الأولى تتطفل عليّ، قبل أن يغلبني النعاس، بزمانها وبطولها وبإيقاع القص الخاص بها.. والأخرى خاضعة لمشيئتي الخاصة في الترتيب والفرز، ومنقادة لي بشكل شبه أعمى ( في بعض الأحيان يخطر لها أن تتمرد، فأبادر عندئذ إلى تغيير موقعها على الرف )".
   إذن أنا أتحدث عن الكتب الورقية، لا تلك المخزونة في حافظة الكومبيوتر. وأحسب أنه مع انتهاء عصر الكتاب الورقي في يوم ما، كما ينبئنا بعض المتشائمين، يكون الإنسان قد فقد شيئاً ثميناً، لا يعوّض على الإطلاق.



: المشاركة التالية


     القائمة البريدية