العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951542
عدد الزيارات اليوم : 3884
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


مشروع محمد اركون .. في دراسة الفكر الاسلامي

فائز الشرع
يستأثر مشروع المفكر محمد اركون باهتمام لايستهان بسعته في الاوساط الثقافية و الفكرية في العالمين العربي و الاسلامي فضلاً عن العالم الغربي لاسيما في فرنسا حيث يقيم هناك و الولايات المتحدة الامريكية، ولايركن هذا الاهتمام الى قاعات الدرس التي تمر بجهد هذا المفكر او المجلات المختصة او الكتب التي يؤلفها


 مفكرون ومترجمون ومهتمون بالفكر الاسلامي، وانما يفيض ليشمل فئات المثقفين من غير ذوي الانتاج الثقافي فضلاً عن الشباب الذين اخذت تسحرهم منطلقات هذا المشروع الحداثية الطامحة الى تجديد النظرة الى الفكر الاسلامي و العقل الديني، الذي خضع لتراكمات لاحد لاحصائها من جهود علماء الامة الاسلامية وغيرها ممن اهتموا بتراثها ولاسيما المستشرقين.
ويمكن الاستناد الى جدية هذا المشروع وفاعلىته في محاولته قراءة التراث الاسلامي وفحص معطياته واجالة النظر في عناصره، بعد ان تجاوزت الحاضنة الزمنية له ما يزيد على العقدين و النصف، واستطاع ضمان سيروره التأثير، على الرغم من التحولات الفكرية السريعة التي يمتاز بها عصرنا الحالى الذي شهد غروب قرن وشروق اخر معمداً بتطور التقانة وعوامل الرقي الحضاري و الرغبة العارمة في توسيع الهوة بين الماضي - حتى القريب - والحاضر المتمسك بعري المستقبل. فضلاً على صلاحيته كمشروع مازال يحتفظ بعناصر الاجادة في قراءة التراث الاسلامي. بشتي عصوره. يضاف الى كل ذلك معاصرة القائم عليه، واصراره على صلاحية مشروعه لمحاولة تجاوز معطيات الوضع الراهن لوجه الحضارة الاسلامية ومواكبة التحولات الحضارية، و الفكرية والعلمية ورغبته بان يتسلح باكثرها حداثة واشدها نجاعة في معالجة ما يتوجه اليه من قصد. وهو على اية حال، وضمن اية نظرة قد تكون لصالحه او على طرف نقيض لما يسطره من جهد يحتفظ، برؤية خاصة تضيف الى الرؤي المتعددة فضاء جديداً وطاقة تعزز القدرة على تحديد اهم الاسس التي يقوم عليها حاضر يستند الى الماضي في تشكيله. وذلك طلباً لحياة انسانية اكثر اشراقاً ترفدها النظرة الاسلامية، التي يراد لحملتها ان يتحولوا عما يحتلونه من موقع متأخر بأزاء الاخر الاكثر تقدماً. وبذلك نتفق مع على حرب في تأييده لتوجه اركون المنطلق من حرية الفكر، وان اتجه الى تحليل التراث الاسلامي او تفكيكة كما يرى اركون (فلا ينبغي لشيء ان يقف حائلاً دون حرية البحث الان اذا كان عائقاً نظرياً او منهجياً ). ولا نتجه في القراءة لتكريس رؤية موازية لرؤيته للتراث بقدر ما نحاول الاحاطة بجانب من هذا المشروع ولاسيما، ما يرتبط بالمنهج اهم مرتكزاته مع الاحتفاظ بحق التنبيه الى ما يمكن ان يكون خللاً في هذا المنهج على نحو ضيق، ارجاء لقراءة نقدية شاملة قد يضمن المستقبل قيامنا بها ما امكننا ذلك. ستركز القراءة على اهم معالم هذا المشروع من خلال عرض، مقصد المشروع ومنهجيته واجرائه التطبيقي. بالاعتماد في هذا المجال على المعطي المباشر لهذا المشروع وبالاستناد الى النص الاركوني المترجم طلباً للدقة وحفاظاً على روح البحث الواجب تحليها بالامانة.
مأزق الفكر العربي
لايخرج هذا المشروع عن الرغبة في تجاوز الراهن السلبي من الوضع الحضاري للوجود العربي والاسلامي المعاصر، والانطلاق الى حيز التوازي مع منطق الحضارة السائد على طريق التقدم و لاسيما في الغرب، وذلك بالخروج من محيط التأخر وعوامل الانشداد الى معطيات الماضي التي تظهر التأثير في توجيه الحاضر المنتمي اليها. وهي رغبة في ان يتقاسم الوجود العربي والاسلامي الوجود الحضاري مع غيره في الصعد كافة اقتصادياً كانت ام سياسية ام اجتماعية ويعد مشروع اركون محاولة اخذة بالنمو يحركها حافز ملح هو المقصد الذي ينويه هذا المفكر وهو دائب السعي لتطوير مشروعه، مع ان المتحقق منه يمنح هذه التجربة ملامح انجاز واضحة، ومن الممكن استحصال مقصده او معرفته من دون الاستناد الى ما يطرحه القائم بالمشروع نفسه، حيث يعد ما انجز من مشروعه (معالم على الطريق الطويل الصعب لتأسيس تاريخ منفتح تطبيقي للفكر الاسلامي) ويعني (انه منفتح على كل تجليات هذا المفكر وعلى منتجاته التي تتجاوز الحدود و الحواجز التي فرضتها الادبيات الهرطقية (البدعوية) والتيولوجية. ومنفتح بنفس الدرجة على علوم الانسان والمجتمع ومناهجها وتساؤلاتها كما هي ممارسة عليه اليوم في الغرب) ولا يخفي اركون ادراكه لصعوبة مهمته التي يهون من جسامتها تعويله على جدة مشروعه، وفعالىته في مواجهة ما يقصد فيؤكد (ان المشروع شديد الجدة وشديد التعقيد الى حد انه يتعذر انجازه تماماً منذ المحاولات الاولي).وهذا الاعتراف نابع من ادراك مخاطر هذا المشروع الذي يحرص صاحبه على الالتزام بمبادئ المعرفة العلمية و الاخلاص لفاعلية نتائجها مهما كان الثمن، الذي قد يكون شاملاً كشمولية مشروع اركون ذاته أي يكون الثمن باهظاً من النواحي السيكولوجية و الاجتماعية فضلاً عن الأيديولوجية ومع ذلك فانه يهدف الى (ادخال نوع من البحث الحي الذي يفكر ويتأمل بمشاكل الامس و اليوم، اما من اجل توحيد ساحة المعاني المتشظية و المبعثرة، واما من اجل مواجهة الاثار المدمرة للأيديولوجيات الرسمية) ويندرج هذا المشروع في محاولة للتجاوز كما اسلفنا القول على نحو اعم ولكنه جاء كما يوكد اركون نفسه، رد فعل على وضع البحث الفكري العربي الاسلامي: (اذا ما نظرنا الى ناحية الباحثين العرب المسلمين وجدنا تأخراً في البحث وبطئاً ونواقص اشد ايلاماً وحزناً. ان تفاقم المشاكل السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية منذ سني السبعينات يفسر لنا سبب الانخفاض الواضح للانتاج العلمي في المجال العربي و الاسلامي كماً ونوعاً). ان مقصد هذا المشروع نابع من ادراك المأزق الذي يمر به الفكر العربي الاسلامي وانعكاسه على الحياة العربية الاسلامية وذلك بمقايسة يكون المعيار فيها ما تحقق من مشاريع نهضوية في الحضارة الغربية، ويمكن الاحاطة اكثر باهمية هذا المشروع و الضرورة، الملحة لتحقيق اهدافة باتاحة الفرصة لراي الدكتور يوسف سلامة للحضور الى هذه الورقة فهو يرى انه (من الممكن عد الحضارة الغربية ابتداء من عصر النهضة الاوربية حتى يومنا الحاضر اكثر قرباً الى الرؤية التاريخية للحياة البشرية بصفة عامة بينما يمكن عد الحضارة العربية الاسلامية اقرب الى نموذج الحضارات اللاتاريخية التي تزعم انها تصلح لكل زمان ومكان ) أما (البحث في الجهود الفكرية الصادرة عن المفكرين العرب و المسلمين المعاصرين فان مهمتنا ستتمثل في اكتشاف ما ان كان طابع للاتاريخية الذي يسم بميسمه الحضارة العربية مايزال مستمراً).ولايغيب ادراك اللاتاريخية عن الحضور في حسابات المشروع الاركوني كخطورة قبلية لشروعه في اداء وظيفته الحضارية، اذ يركز على ضرورة الاتسام بالتاريخية الحقيقية وغير التقليدية في دراسة التراث لذا فانه ياخذ ببيان الفروق التي تميز الفكر الجديد الذي يعتمد عليه في الكشف التاريخي المبني على اسس معرفية متسلحة بادوات المعرفة الجديدة وكشوفات العلم في ميدان الدراسات الانسانية، وعن التاريخ التقليدي الذي يهتم بالافكار و الاحداث من دون زحزحتها عن مواقعها المتوضعة في مواقع معنوية فوق تاريخية.
وغير خاف بعد ذلك ان المشروع الذي يقيم دعائمه على اسس الفكر الجديد يتبني انجازات الحداثة ويمثلها ومع ذلك فان الاحساس بالانفصال التام بين الحداثة وما قبلها لم يحصل بدرجة قاطعة والى ذلك يشير اركون بالقول:( لم يعد وارداً اليوم ان نقيم التضاد القاطع بين حداثة ايجابية بشكل كلي ودائم، حداثة متموضعة في جهة التقدم المستمر، وبين التراث المرمي في ساحة العتيق البالى و الاكراهي السلبي. ولكن بالمقابل ولايمكننا ان نوافق تيولوجيا التراث التي تموضعه في جهة المطلق و المتعالى و المقدس و الموحي به. ولا ادل على وعي المشروع الاركوني بلاتاريخية النظرة الى الحضارة العربية الاسلامية وتراثها، من اعتماد المفهوم العلمي للتاريخ كالىة من آليات منهجه في دراسة التراث الاسلامي لبلورة مفهوم كلي لهذا التراث او للخروج بنظرة شاملة لسنة اسلامية كلية في مقارنة تاريخية وسوسيولوجية. الا ان ما يمكن ان يكون مأزقاً خانقاً يحول دون تحقيق النجاح في هذا المسعي كون البحث التاريخي السوسيولوجي، يتعامل مع تراكم هائل من المعلومات و المنجزات الفكرية على تشعب تصنيف المعلومات سواء اكانت حوادث ام نتاجات معرفية ام معالجات فكرية تنبني على اساسهما. وهذا التراكم مع تعدد مصادره وتعدد الوجوه التي يديرها كل مصدر نحو ما يعتمد صحته، وكون كل ذلك مغيبا عن الحضور كوثائق صارمة وفاصلة في نقل الحقيقة كما حصلت، يحد من نجاعة او ترسيخ قانون ثابت لابراز ما يقوم عليه من مرتكزات، وتفاعلها الزمني مع الاحداث المعاصرة وتجدد حضورها بكيفيات مختلفة مع الاخلاص للماهية الاصل.
المنهجية
يقترح اركون، في سبيل تقديم مفهوم ناضج على نحو حداثي للتراث الاسلامي بوصفه كلاً شاملاً غير مجزء آليات يعتقد بصلاحيتها التامة في دراسة هذا التراث و الخروج من هذه الدراسة بنتائج مهمة، وتقوم هذه الآليات على اسس معرفية افرزتها البيئة العلمية التي يحاول اركون الافادة منها ما استطاع للتسلح بآليات منهجية تحليلية تمكنه من النفاذ الى اعماق مادته المدروسة وهي الاسلام وبهذا فان ما يقترحه من منهج لا يعد من ابداعه كما وانه ليس حقلاً بكراً في التطبيق على دين من الاديان بعد نقله من حقل مدروس الى اخر، لذلك نجد انه يقيس التجربة الاسلامية بالتجربة المسيحية المدروسة على وفق مناهج حديثة تخرج من مستوى الايمان اليقيني بما يندرج تحت ما تاتي به هذه الاديان أي انه خروج عن الايمان التسليمي بكل ما ياتي به الدين، وابتعاد عن الوقوع في دوغمائية الاستقبال الذهني لشرائعه لذلك نجده، يصف الايمان المبني على نظرة مفردة تعتقد بصحة فهمها للدين في مواجهة نظرات اخرى في فهم مختلف (بالارثوذكسية): (هل ينبغي عندئذ و الحالة هذه مقاربة مفهوم التراث او درسه بالمعني المثالى المتعالى) استناداً الى مفهوم الاسلام بالمعني المتعالى ايضاً لانه (أي الاسلام) يمثل التعبير (المستقيم) (الارثوذكسي) الوحيد عن التراث المثالى الوحيد الذي تلقته الامة المثالىة ؟ ام انه ينبغي علينا اعادة تحديد الاسلام بصفته عملية (او سيرورة) اجتماعية وتاريخية من جملة عمليات وسيرورات اخرى ؟ ) ويؤكد هذه النظرة وهذا التأثر بمنهجيات غربية سابقة بالحديث عن الصفة المتعالية للتراث الاسلامي بمعزل عن التاريخية التي لا تنضوي احداث الدين وشرائعة لمقتضيات التغير و التبدل فيها: ( كما ولا يوجد الا اسلام واحد (الاسلام الذي اراده الله كدين وحيد لكل البشر ) فانه لايمكن ان يوجد الاتراث وحيد (او خط وحيد = سنة وحيدة ) يعبر بدقة واخلاص عن هذا الاسلام ويرسخه ابدياً. هذا هو الزعم الثابت والدائم للارثوذكسية السنية كما الشيعية كما الخارجية. كانت المسيحية و اليهودية قد فرضتا من قبل ايضاً سيادة التراث الكتابي المقدس وتفوقه وهمشتا او حذفتا التراثات المنافسة).
قراءة اخرى للتراث
ولم يكن له ان يحقق ذلك كما يعتقد. الا بـ (ازاحة مسلمات (الاسلاميات) ولايمكنه تحقيق قراءة دقيقة ناضجة للتراث الاسلامي، و الخروج بنتائج لها اثرها الفعال في توفير نظرة فاحصة لهذا التراث واعطائه الوصف المبني على ابرز ما يميزه من سمات، دون الاعتماد على منهج يكفل (ازاحة مسلمات (الاسلاميات الارثوذكسية ) التي اساسها: احادية الحقيقة المطلقة المنحصرة في الرسالة الدينية، والموقف المقدس للانبياء من منظور (الخلاص الاخروي) وعدم الشك في صحة (الحكايات) التي تنقل عجائب امورهم ) ويعتقد ان الآليات التي تسهل الخروج من دائرة النظرة القاصرة المبنية على اساس احادي لا يقوم الا على صحة ما يقدم على انه معرفة ثابته لازعزعة لمعطياتها على منطق الصواب هـــــي:
اولاً: اولوية المقارنة السيميائية او الدلالىة اللغوية:
ما دام التراث الاسلامي المنقول الىنا بعد ان استقر عبر سلسلة من النقل الشفاهي ومن ثم التدوين جاء بوسيلة اتصالىة معروفة هي اللغة وهي مجموعة من الدوال ذات الدلالات التي تشير الى مرجع مقصود مادياً كان ام معنوياً فان الاجدر ان يواجه هذا التراث بآلية تحلل معطياته وتكشف من مكنوناتها بعد الاطمئنان على توفير المادة المنقولة على نحو كامل مضمون الايصال من المصدر الى المصب وقد حدد اركون هذه الوساطة في النقل بين المصدر وما تراكم لدينا من هذا التراث برسم خطاطة على وفق نظرة كلية لاتخص تياراً دون اخر:
الله
(1) محمد ___ الصحابة ___ التابعون ___ رؤساء المدارس ___ الجامعون
(الخط السني)
(2) محمد ___ الائمة ___ الجامعون ___ مراجع التقالىد ___ او الاستاذية العقائدية
(الخط الشيعي)
ويدرك اركون في ظل هذه الآلية السيميائية انه سيقع اسير النظرة التي تصف هذا العمل الذي يعود الى الماضي ليقرأه على وفق ما هو متوافر في العصر الحالى بأنه يقصر الماضي على مفاهيم الحاضر واجراءاته لذلك فهو يخرج عن اطار العلمية في التناول او النظرة التي تصم مثل هذا العمل بأنه محاولة تحويل المادة المنقولة عن الماضي الى ذات حية ومحركة للتاريخ على وفق نظرة ناشطة تتجاوب مع معطيات هذه المادة بكل ما تحمله بطريقة تتبني هذه المعطيات وتحاول تطبيقها على الحاضر. ومع ادراك اركون الى ان هذه العودة الى الماضي (التراث) هي اللازمة التي تتكرر باستمرار عبر سني التفاعل مع التراث المنقول فأن ما يقترحه من العودة الى الاصل وما يقصده منها هو (العودة الى العصر الاسطوري المؤسس، أي العودة الى زمكان (زمان +مكان) كان قد حور وغير من قبل القراءات و التصرفات و الاعمال التقليدية المتعاقبة) ولايتسني له الاحاطة بمعطيات ذلك العصر الا بالاستخدام الامثل لعلم الدلالة او (السيمياء) الذي يطمح من خلاله الى (الاستعادة النقدية التي تتخذ مسافة بينها وبين المواد المقروءة الاولية ثم كل المواد الثانية او الثانوية التي انتجها التراث في ان معاً).
معطيات لغوية ناقلة
وينبه اركون الى انه باستخدام هذا المنهج ومحاولته توليد المعني من العلامات التي يكتنزها التراث لايقصد (نزع صفة الوحي عن النصوص ولا الى الغاء شحنتها التقديسية ولا الى ازالة اثار معانيها الروحية بالنسبة للمؤمنين. ان ما يقصده اركون بعيد عن المعتقدات و الافكار التي تعبر عنها الوسائل النقلية وعمادها اللغة أي انه يرىد التركيز على المعطيات اللغوية الناقلة بنزع صفة التقديس عنها بالذات لاعن معانيها الكبري الايمانية التي تضمرها دلالاتها وذلك بالاستناد الى الزحزحة في المناهج ووسائل الدراسة التي احدثتها البحوث السيميائية و الالسنية المعاصرة و( تتمثل هذه الزحزحة في القول التالى: ان دعامة التوصيل او وسيلة التوصيل ليست هي المعرفة (الصحيحة)التي نمتلكها عن المادة المدروسة (أي العائد المادي المحسوس) الذي تدل عليه كلمات (اللغة) وانما هي تكمن في المنظورات المتبادلة المقامة بين المتخاطبين - المتنافسين المرتبطين بنفس اطار التحسس والادراك والتصورات، او بالاحري نفس الصور العقلية التي تشير اليها العلامات اللغوية).ان ابرز ما تحظى به دراسة التراث الاسلامي على وفق هذه المقاربة- بحسب اركون - هو التفريق بين الوحدانية الحقيقية وطرق التعبير عنها ومعاني هذه الطرق في القرآن والانظمة المعرفية المشكلة فكرياً بواسطة المنطقية الفلسفية الارسطوطالىسية فهما في القرآن تعنيان الحنين المطلق و الواحد الاحد و النزعة التوحيدية و العدالة و الخلود بصفتها يوطوبيا محركة تعبوية ) اما داخل الانظمة الفكرية المشكلة فيما بعد ويعني بها الانظمة التيولوجية المستندة الى مبادئ المنطق الارسطي (فقد اصبحت توجه نظاماً صارماً من الايمان /واللاإيمان من العقائد / واللاعقائد. اصبحت ثابتة وساكنة).هذه هي الالية الايصالىة التي اصبحت نظاماً من الفكر يغلف الايمان الموجه الى الناس بوساطة معطيات تراث ساكنة لايقبل زعزعة قناعات الذهنية التي استندت الى معطياته في اعطاء صورة واحدة صحيحة عن الدين تحت ظل ارثوذكسية ثابتة لاتقبل بتعدد المعاني و الدلالات التي تبرزها مدارس ومذاهب اخرى لذلك تبدو المعالجة السيميائية، المبتعدة عن احادية المعني ضمن منهج يقرر المعطيات المتميزة لحداثة المناهج هي الطريقة المثلي لدراسة التراث الاسلامي.
المقاربة التاريخية و السوسيولوجية
وتعد هذه المقاربة آلية متممة لعمل المقاربة السيميائية الافتتاحية في عمل المنهج العلمي لقراءة تراث الاسلام بطريقة تضمن الشمولية في التناول، وتتضح الفاعلية المتممة لهذه الالية في كونها تركز على ما يرافق الفعالىة اللغوية الناقلة للتراث من سلوكيات واعمال واحداث توطر الاداء اللغوي المندرج تحت ما ترصده: (فنقل العبارات النصية للقرآن (آي الايات) ونقل الحديث و الشهادات الخاصة بسلوك النبي و الصحابة واعمالهم وانتقال الوقائع والاحداث الدالة والمهمة بالنسبة للذاكرة الدينية للامة، كل ذلك يشكل ممارسات عديدة تفترض مسبقاً استخداماً خاصاً للتاريخ ورؤيا خاصة للتاريخ) ويركز اركون في تحديد اهمية المعالجة التاريخية الواعية للتراث على اختلاف وتميز منهجيته في دراسة التراث على وفق مصطلح قد يشترك في التسمية مع فعالىة معروفة هي المتابعة المتسلسلة للسير و الاحداث وهو التاريخ والممارسة التاريخية التي يرى انها تنصرف - في المعتاد الى الاهتمام بالاحداث الزمنية المتسلسلة و السير الذاتية و الحكايات المروية للبرهنة على صحة المادة، المنقولة و الثقة بمعطياتها ومنها يتشكل التراث المهيأ لاستقراء الفقهاء واستنباط الاحكام واجراء المناقشات وقيام المدارس المستندة الى التاريخ على نحو تقليدي لاتاريخي بالمعني العلمي الحديث، لاثبات صحة طروحاتها.
يصلح هذا الفهم للتاريخ في الدراسة و التناول التقليدي للتراث للدفاع عن العقيدة الاسلامية تجاه الفهم المختلف لها من قبل المستشرقين. واذ يثمن اركون جهد الكتاب المحدثين مثل طه حسين وغيره في استفزاز مكامن الاختلاف عن التصور السائد للتراث فانه لايعترف لهم بزحزحة المناقشة عن ارضيتها السابقة الى نحو دراسة تمهيدية للاطر الاجتماعية - الثقافية السائدة في القرنين الاول و الثاني للهجرة.اما منهجه التاريخي فيعنى بالدراسة على نحو دقيق لايفصل المعطي اللغوي و الاجتماعي لجيل التبليغ وترسيخ الرسالة المحمدية عن المناطق الاكثر قداسة في الدين وهي الفصول التي يعمد التحريم الى اقصاء مهمة البحث فيها باشتراك مع الواقع الاجتماعي الذي يرى اركون ان له الاثر في تكوينها وهو ينطلق في هذه الدراسة من تجربة سابقة عليه مطبقة على التراث المسيحي (ضمن الحدود المقبولة التي تسمح بها السلطة العقائدية الكنيسية بمراجعة نقدية للروابط بين الكتب المقدسة والوحي و التراث. هكذا نجد انه عندما يحاول ستانيسلاس بريتون بلورة نظرته (للفضاء الكتابي الخاص بالنصوص المقدسة ) من اجل موضعة الكتاب المقدس داخل مناخ ما هو مكتوب فانه يذهب الى حد الاعتراف بانه لما كان (يسوع المسيح قد خرج الى الابد من ساحة الواقع المعاش. فانه لم يعد موجوداً بالنسبة لنا الا داخل جسد الكتابة وداخل الكنيسة التي تمثل ذاكرة له.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية