العدد(4067) الاثنين 20/11/2017       كيف صدر قانون الأحوال الشخصية سنة 1959؟ دور فاعل لرابطة المرأة العراقية في صدوره..       الجواهري يتذكر.. كنت نائبا في الاربعينيات       عفيفة إسكندر في مصر الثلاثينيات       عندما قاطعت بغداد شركة الكهرباء       13 تشرين الثاني 1929 انتحار رئيس الوزراء عبد المحســن الســعدون       من يوميات كتبي في لندن : جون كيتو ومارك سايكس في بغداد       يوم بغدادي مثير في مثل هذه الايام من عام 1935 .. عباس الديك يصارع الالماني الهر كريمر       ساسون حسقيل وابعاده عن المجلس التأسيسي       العدد (4064) الخميس 16/11/2017 (عبد الجبار عباس)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18422253
عدد الزيارات اليوم : 11586
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


وقائع انقلاب 8 شباط واعدام الزعيم عبد الكريم قاسم

ترجمة: د. حسين الهنداوي
في الذكرى الخمسين لانقلاب 8 شباط 1963 ننشر وقائع آخر لقاء صحفي مع الزعيم عبد الكريم قاسم في 4 شباط، مع أول تقرير صحفي عن وقائع الانقلاب ووقائع مقتل الزعيم على يد الانقلابيين ، الموضوعان نشرا في صحيفة اللوموند الفرنسية


+++
العاصمة العراقية هادئة تماماً. ونلاحظ اعداداً كبيرة من المسلحين المدنيين يمخرون الشوارع. انهم اعضاء «الحرس القومي»، الذين يحملون اشرطة نسيجية خضر على سواعدهم وينسقون مع رجال الشرطة. وهم يتحركون تحت اشراف من الجيش بشكل واسع، الا ان مهمتهم الاساسية هي قنص الشيوعيين، وهي عملية بوشرت حال توقف المقاومة في وزارة الدفاع. هناك عدد من الشيوعيين ظل حتى يوم الثلاثاء 12 شباط، يواصل خوض معارك صغيرة في عدد من الاحياء ضد الحرس القومي. لكن هذه المعارك تبدو بمثابة النزع الاخير في مقاومة توشك على الانطفاء. اما الاعتقالات فهي من الضخامة الى درجة يستحيل علينا الآن اعطاء رقم محدد عنها. الكثير من عمليات الاعتقال تتم لمجرد الشبهة او الوشاية. ولقد جرى انشاء معسكرات اعتقال جماعية كبيرة في وسط الثكنات العسكرية واينما امكن، لالقاء كافة المدنيين الذين اعتقلوا في غضون ايام الانقلاب المنصرمة ولم يعدموا بعد. لكن الاعدامات التي جرت لغيرهم هي باعداد لا تحصى وبدون محاكمة.
ان عدد الذين قتلوا لحد الآن لم يتم الكشف عنه بعد. ففي وزارة الخارجية يقولون عن احتمال ان العدد هو «اربعون ضحية»، ثم يضيفون مستدركين: «ان الرقم لم يتحدد بعد على وجه الدقة». لكن التقديرات الحقيقية الاكثر تواضعاً واتزاناً وتتحدث عن سقوط الف قتيل على اقل تقدير في العاصمة بغداد وحدها حتى الآن.
في اللحظة الحالية تستعيد بغداد حركة شبه عادية، والاجواء بدأت تتجه نحو الهدوء. اذ يبدو ان يوم السبت 9 شباط كان، بإقرار الجميع، اليوم الاكثر رعباً. لذا فقد حبس الناس انفسهم في المنازل، حيث حصل قطع في الكهرباء، كما ان اصوات رشقات الرشاشات كانت تسمع في اركان الشوارع. وبينما كانت الاوامر والاوامر المضادة تذاع من الراديو، كان شبان من حملة الاشرطة الخضراء على السواعد يمارسون ما يشبه لعبة الحروب الصغيرة مقيمين دكتاتورياتهم في كل حيّ. التجول لا يتم الا بتصريح خاص يرخص به، الا ان اولئك الذين بحاجة ماسة له لا يعرفون لمن يتوجهون بالطلب لاستحصاله. وحتى عندما ينجحون في الحصول على مثل تلك التصريحات فانهم لا يجدون من يعترف لهم بصفتها الرسمية.
وكمثال على حملات «التطهير» الواسعة ما حصل في وزارة مهمة كوزارة النفط، حيث لم يسلم فيها سوى اثنين من الموظفين بينما القي القبض على كافة العاملين في الوزارة حتى صغار السن منهم وارسلوا الى المعتقلات. ففي الاوساط الرسمية للنظام الجديد نسمعهم يقولون بشكل دائم: “لدينا قوائم باسماء جميع الشيوعيين ولن نترك أحداً منهم يفلت من يدنا”. والقلق كبير جداً في اوساط المسيحيين الكلدان الذين، كما يقال، اصطفوا مع الشيوعيين.
ان الاضرار المادية اقل مما تم تخيله، اذ كانت وزارة الدفاع مركز الهجمات الجوية، ومن الواضح بداهة انها تعرضت للقصف بكثير من القذائف والتي بمعظمها لم تكن صواريخ انما قنابل صغيرة العيار، وان كان كلام راديو بغداد خلال الساعات الاولى بعد انقلاب يوم الجمعة المصادف 8 شباط، الذي أكّد قائلاً «لقد سحقت الدكتاتورية الخائنة كالجرذ تحت انقاض وزارة الدفاع»، اوحى بالاعتقاد بان الوزارة تعرضت لتدمير شبه كلّي. عموماً، ورغم آثار المعارك فيها، ليس لبغداد هيئة مدينة مهدمة تحت القصف بما في ذلك احياؤها الاكثر تعرضاً للاصابات.

قتل قائد القوة الجوية برشقة من رصاص رشاش
اما عن كيفية حصول الانقلاب الذي قامت به مجموعة من العسكريين المتمردين في يوم الجمعة الذي يصادف اليوم الرابع عشر من شهر رمضان، فان التفاصيل اصبحت معروفة الآن لدينا.
لم يكن الزعيم عبد الكريم قاسم موجوداً في وزارة الدفاع، التي هي مقر اقامته الاعتيادي، في اللحظة التي قامت فيها طائرات قاعدة الحبانية بمباشرة هجماتها صبيحة يوم8 شباط. فيوم الجمعة هذا كان كغيره يوم التعطيل الاسبوعي للمؤسسات الرسمية والخاصة. فقد كان السكان قد سهروا حتى وقت متأخر عشيته، وكانت الشوارع خالية الا من عدد قليل من المارة. كما ذكرت الاذاعة العراقية ان الزعيم عبد الكريم قاسم قام في ليلة الخميس على الجمعة بواحدة من جولاته التفقدية التي اعتاد القيام بعا الى عدد من احياء العاصمة. وفي الساعة الثامنة والنصف توقف البث الاذاعي فجأة. ثم تبين ان فريقاً صغيراً من العسكريين استطاع الاستيلاء على محطة الارسال الاذاعي الواقعة في منطقة تبعد حوالي خمسة كيلومترات شمال شرقي بغداد. وقد تكوّن الفريق من بعض الضباط الشباب شأن معظم الذين شاركوا في تنفيذ هذا الانقلاب العسكري.
في نفس الوقت، بوغت قائد الجوية العراقية (الزعيم جلال الاوقاتي) بجماعة اخرى من صغار الضباط نجحت باقتحام منزله وسارع افرادها الى غرس بنادقهم الرشاشة في صدره طالبين منه ان يضع توقيعه على أمر يقضي بشن عملية جوية ضد وزارة الدفاع الوطني مقر اقامة الزعيم قاسم. ولما رفض ان يفعل ذلك، ازداد الضباط الشباب حدة في عدوانيتهم. عندئذ وضع الزعيم (الاوقاتي) احد اطفاله في احضانه معتقداً ان ذلك كفيل بردعهم قليلاً، الا انهم على العكس صاروا اشدّ شراسة وخطراً في تهديدهم. وهنا، وتحت فوهات البنادق الرشاشة المتحفزة نحو رأسه وافق على توقيع أمر القيام بالعملية. بيد انهم وحال انتهائه من وضع توقيعه اطلقوا عليه رشقات رصاص عدة اردته قتيلاً في الحال.
هذه هي البداية الفعلية الاولى لعملية تنفيذ الانقلاب العسكري. وفي تلك اللحظة كانت عدة طائرات قادمة من قاعدة الحبانية قد ظهرت فجأة فوق قاعدة عسكرية اخرى كائنة في موقع جنوب غربي بغداد تسمى بـ «معسكر الرشيد» يرابط فيها عادة قسم مهم من القوة الجوية والدبابات. فالجماعة المتمردة كانت تعرف مسبقاً بانها لا تمتلك أي حظ في كسب ضباط الجو العاملين في معسكر الرشيد الى جانبها. لذلك سارعت، عبر عمليات قصف نُفذت جيداً، الى تدمير جميع اسراب الطائرات الرابضة هناك خلال بضعة دقائق فقط.
وبفضل الفوضى التي نتجت عن ذلك، بوشرت الهجمات الجوية على مقر وزارة الدفاع الوطني. حيث كانت الطائرات القادمة من معسكر الحبانية تحلق على ارتفاع منخفض، مقتفية مسار مياه دجلة المتاخم للجانب الشمالي من وزارة الدفاع، قبل ان تنطلق لتلقي قذائفها فوقها ثم تصعد محلقة عالياً في سماء مدينة بغداد نفسها. هذه الفعاليات الجوية التي ايقظت جميع سكان بغداد من نومهم، اعطت الانطباع خلال بعض الوقت بان ما يجري هو مجرد مناورة جوية. غير ان راديو بغداد سرعان ما باشر باذاعة البيان رقم واحد الصادر من «المجلس الوطني لقيادة الثورة» الذي اعلن «ان زمن الدكتاتورية الخائنة وزمرتها انتهى بعد ان سحقت كالجرذ تحت انقاض وزارة الدفاع».
لكن وحتى تلك اللحظة لم يكن الأمر كذلك في الواقع. بل ان الزعيم عبد الكريم قاسم لم يكن آنئذ في أي من المباني التي كانت الطائرات تهاجمها.
الشعب يحيي قاسم تحية الوداع
ففي فجر ذلك اليوم، وبعد اختتام جولته التفقدية المعتادة في شوارع بغداد النائمة، ذهب الزعيم قاسم الى منزل والدته التي كانت تسكن في منطقة «الكرادة». ولهذا فانه فوجئ، شأنه شأن باقي سكان بغداد، بحصول الهجمات الجوية. ولقد ظل على اتصال تلفوني مع الوزارة لحوالي الساعتين قبل ان يذهب بنفسه الى مقر قيادته العامة في حوالي ما بين العاشرة والعاشرة والنصف صباحاً ليتولى بنفسه قيادة المقاومة ضد الانقلاب العسكري.
فقبل ان يدخل مباني الوزارة المقصوفة، تجول في عدد من احياء بغداد، ظاهراً بنفسه امام السكان بهدف تبديد آثار الاعلان عن موته عبر اذاعة بغداد. ولقد بدا قاسم مطمئناً جداً بينما كانت الاوساط الشعبية البغدادية تعبر له عن حبها بشكل صادق وهي تودعه في لقائها الاخير معه في تلك اللحظة.
في وزارة الدفاع كانت هناك كتيبة معززة بحوالي سبعمائه رجل، هي بمثابة الحرس الاعتيادي للحكومة ولقائد الثورة. لكنها في تلك الجمعة من رمضان، لم تكن قط في حالة اعداد مسبق لمقاومة هجمة جوية، بينما لم يكن هناك شيء خلال الساعات الاولى من الانقلاب العسكري سوى الهجمات الجوية. والطائرات المستخدمة هي من طراز «ميغ» و«هوكر هنتر»، وكانت تطير على انفراد او زوجياً قبل ان تلقي قنابلها الصغيرة وصواريخها الموجهة بدقة كبيرة.
وكان السكان في تلك الساعة يتابعون معركة اذاعية بين محطتي الراديو والتلفزيون. حيث كان الراديو الذي سقط بأيدي المتمردين يعلن موت قاسم، بينما كانت محطة التلفزيون، التي يبدو ان «المجلس الوطني لقيادة الثورة» نسيها في حساباته، تعلن من جانبها ان «الزعيم المخلص» لا يزال على قيد الحياة وهو الذي يقود المقاومة، كما راحت تبث اشرطة يظهر فيها وهو يخطب في الجماهير. عندئذ، وبعد ان فشلت محاولاته العديدة لقطع البث التلفزيوني عبر الاوامر الهاتفية، اصدر «المجلس الوطني للثورة» اوامره للطائرات بقصف مبنى التلفزيون. وبانقطاع البث التلفزيوني فجأة هكذا، خسر قاسم الوسيلة الوحيدة التي ظلت بيده للحفاظ على قناة اتصال مع جماهير الشعب في بغداد.
مدرعات معسكر الرشيد رفضت التحرك
حتى نهاية صباح يوم الجمعة ذاك، كان قاسم لا يزال صامداً، حيث استطاع العسكريون السبعمائة الموجودون في وزارة الدفاع ان ينظموا مقاومة كفيلة بتعريض الطائرات التي تحاول مهاجمتها الى الخطر. وهنا جاء تدخل المدرعات بمثابة المرحلة الثانية في عملية التمرد، اذ انه هو الذي سيقلب كفة الوضع لصالح الضباط الشباب الذين كانوا قد حضروا للانقلاب بجرأة لكن بشكل عجول جداً في ذات الوقت. ففي بغداد معسكران كبيران احدهما يعرف باسم «معسكر الرشيد» والآخر باسم «الوشاش»، تتواجد في كل منهما اعداد مهمة من القوات المدرعة. ورغم ان قوات الوشاش اعلنت تأييدها للانقلاب العسكري منذ الدقائق الاولى للتمرد، فانه كان ينبغي الانتظار حتى بداية ما بعد الظهيرة، لكي نرى الدبابات تظهر في شوارع بغداد لتقوم بتطويق وزارة الدفاع من بعيد، وذلك لأن العمليات الجوية للطائرات منعتها من الاقتراب جداً من مباني الوزارة المحاصرة.
وهنا، ومن داخل الوزارة، راح قاسم يحاول التمكن من استقدام القوات المدرعة المرابطة في معسكر الرشيد لتجيء في نجدته، غير انه كان يواجه رفضاً مبطناً من لدن المسؤولين فيها. حيث كان قائد القوات المدرعة في معسكر الرشيد يراوغ زاعماً بانه عاجز عن القيام بشء. لكنهم يقولون اليوم في بغداد ان ضباط المدرعات كانوا يعتقدون منذ 18 كانون الاول 1962، بان قاسم يشك في ولائهم، حيث قام في احد الاجتماعات العسكرية معهم بابراز ورقة مطوية في يده وهو يقول لهم “انني اعرف ان بينكم من يحضر لمؤامرة ولديّ في هذه الورقة اسماؤهم وبعضهم من كبار الضباط..”.
وهكذا، فمنذ ذلك التاريخ، وضباط المدرعات لا يضمرون الا ثقة متأرجحة بقائد الثورة العراقية. اما الضباط الذين لم يتهمهم بشيء فانهم هم ايضاً خذلوه ولم يتحركوا للدفاع عنه في ذلك اليوم حيث كان قاسم بأمس الحاجة لهم.
إسقاط طائرة
ابتداءً من الساعة الخامسة مساءً، اصبحت الطائرات أقل عدداً نتيجة نجاح الدفاعات الجوية الموجودة في وزارة الدفاع باسقاط واحدة منها. فالمقاومة فيها كانت متواصلة بعد، غير ان التعزيزات العسكرية التي اخذت تصل الى المتمردين تزايدت باستمرار. وفي حوالي الساعة السادسة والنصف مساء كانت العاصمة قد شهدت وصول وحدات قادمة من معسكر ثالث اكثر بعداً عن العاصمة. كانت الدبابات المسبوقة بسيارات جيب يجلس فيها عدد من الضباط، تأخُذ مواقعها بشكل بطيء وحذر أول الأمر، ثم بعد برهة تبدأ بدورها بإمطار قذائفها على مباني وزارة الدفاع. ابتداء من هذه اللحظة فقط، اصبح مؤكداً ان قاسم خسر المعركة.
واليوم، بعد عودة الهدوء، فان كل من يحلل عملية الانقلاب مقتنع بأنها اعدت بشكل سيئ وان المتمردين ما كانوا يستطيعون الاطاحة بقاسم لولا الحظ الكبير الذي حالفهم.

الساعات الاخيرة من حياة الزعيم قاسم
اعدم الزعيم عبد الكريم قاسم في قاعة الموسيقى العربية في دار الاذاعة ببغداد، والتي استخدمت كمقر لقادة التمرد ضد نظامه في 8 شباط.
لقد مات قاسم بشجاعة، فقد رفض ان تعصب عينيه، الا انه كان الوحيد، بين الرجال الذين اعدموا معه، الذي كبلت يديه الى بعضهما خلف الظهر. وكانت الكلمات الاخيرة التي اطلقها قبل اعدامه: «انكم تستطيعون قتلي، غير ان اسمي سيظل خالداً في تاريخ الشعب العراقي».
وفي فيلم الاعدام الذي بثه تلفزيون بغداد مساء يوم السبت، التاسع من شباط، (بين فيلمي كارتون امريكيين) نشاهد بالقرب من اجساد قاسم والرجال الثلاثة الآخرين، بعضاً من الآلات الموسيقية الخاصة بفرقة الاذاعة.
لقد سلم قاسم نفسه في الساعة السادسة صباح يوم السبت. لكن اعدامه لم يتم الا في الواحدة والنصف من بعد ظهر ذلك اليوم. وقبل ايقاف القتال، كما طوال كل نهار وليل يوم الجمعة 8 شباط، اشتبك في مواجهات هاتفية عديدة مع قادة «المجلس الوطني للثورة» ولا سيما مع عبد السلام عارف الذي اصبح رئيساً للجمهورية في حكومة الانقلاب العسكري. «بمَ تستطيعون اتهامي؟» كان قاسم يسأله بالحاح، وعارف يكتفي بالجواب «نريد منك ان تستسلم...».
ولقد عرض قاسم ان يسمحوا له بمغادرة العراق طالباً ضمان انتقاله. لكنه، وبمواجهة الرفض الذي قوبل به طلبه، كان يخطط للتسلل الى نهر دجلة، الذي يمر على مقربة من وزارة الدفاع، بأمل التمكن من الوثوب الى قارب سريع يمكنّه من الانتقال الى خارج بغداد. الا ان الوزارة كانت تحت القصف من كل جانب كما ان قوة من الشرطة كانت قد استولت على قاربه أصلاً. وامام استمرار القصف على وزارة الدفاع عادت المجادلات الهاتفية بين قاسم وعارف. فالزعيم قاسم يطلب ان تضمن له حياته وعارف يجيب «وهل ضمنّا حياة فيصل؟» (ويقصد فيصل الثاني ملك العراق الذي قتل في 14 تموز 1958).
وعندما توقف القتال وبدأ المظليون يتوغلون باحتراس داخل وزارة الدفاع بغرض اعتقال قاسم والمجموعة الاخيرة من الاوفياء له، كان قاسم موجوداً في المسجد داخل وزارة الدفاع. غير ان العسكريين المتوغلين لم يقدموا على اعدامه في الحال انما اقتادوه الى دار الاذاعة في بغداد ومعه العقيد فاضل عباس المهداوي (الرئيس السابق لمحكمة الشعب) والعقيد طه الشيخ احمد والرئيس الاول خليل كنعان.
استجواب مأساوي وخاطف
في الاذاعة، بدأ عبد السلام عارف بنفسه استجواب الزعيم قاسم، وكان استجواباً، حسب رواية العديد من الشهود، خاطفاً ومأساوياً في ذات الوقت. فكل ما كان يهم عارف في الاستجواب هو ان ينطق قاسم امامه انه، اي قاسم، «لم يكن القائد الحقيقي لثورة 14 تموز 1958»، وانه «خان الثورة».. وبينما كان المجلس العسكري المجموع على عجل، في احدى قاعات الاذاعة يجهد لتلبيس اعدام قاسم ورفاقه الثلاثة لباساً قانونياً، كان الضباط الصغار يتشاجرون فيما بينهم لنيل “شرف” رئاسة المجموعة التي تتولّى قتل عبد الكريم قاسم. وقد انتهى الامر باختيار عبد المنعم حميد على اساس انه “تعرض الى الاعتقال بأمر من قاسم”.
وفور انطلاق رشقات الرصاص التي اودت بحياة عبد الكريم قاسم والمهداوي وطه الشيخ احمد وخليل كنعان (وكان الأولان جالسان على كرسيين والأخيران واقفان) سارع راديو بغداد الى اعلان نبأ الاعدام حتى قبل ان يذيع نبأ اعتقالهم.. وهنا ايضاً جرى البحث عن شخص يستحق شرف اعلان “موت الطاغية” على الشعب العراقي. وقد جرى في النهاية اختيار بنت الزعيم الطبقجلي. لأن ابيها كان بين الذين حكم عليهم بالاعدام من قبل محكمة الشعب برئاسة العقيد المهداوي، وصادق قاسم آنذاك على قرار الحكم.

جريدة «لوموند»- في 14 شباط 1963/ من جورج هربوز، العوث الخاص لوكالة الانباء الفرنسية في بغداد
بغداد/ 13-2-1963



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية