العدد (4069) الاربعاء 22/11/2017 (يانيس ريتسوس)       ريتسوس واللحظة الميتافيزيقية       يانيس ريتسوس... شاعر التفاصيل المهملة       هـل عـــــرف ريتسوس محمود البريكان؟       الشاعر اليوناني يانيس ريتسوس شاعر النضال والثورة       عشرون قصيدة ليانيس ريتسوس       طقوس في الليل ليانيس ريتسوس.. مع ترجمة هاشم شفيق لأشعاره       أشعار يانيس ريتسوس: من الأسطوري إلى اليومي وبالعكس       يانيس ريتسوس وثقافة الماضي المتجلية في الحاضر       قصائد يانيس ريتسوس براعــة الكلمــة    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :31
من الضيوف : 31
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 18471760
عدد الزيارات اليوم : 2449
أكثر عدد زيارات كان : 33537
في تاريخ : 15 /03 /2017
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


محمود أمين العالم..يروي تجربتة في الكتابة

في الكتابة يكتشف الانسان وعيه
ولهذا كان للمعني أو للدلالة أو للموقف او للرسالة، قيمة مركزية في مفهومي للأدب، من دون أن تقلل أو تضعف هذه المركزية الدلالية أو الموقفية للأدب، من قيمته الابداعية، باعتبار ان الأدب عندي هو جوهر انسانية الانسان بطبيعته الابداعية النقدية التجاوزية المتصلة للوا قع السائد. وأذكر أنني وقفت طويلا عند بداية قراءتي الشعرية الجادة عند شعراء أصحاب مواقف


 مثل الصعاليك وأبي العلاء المعري والمتنبي والبحتري والشريف الرضي وابن الرومي والحلاج باعتباره شاعرا متصوفا، متمردا على الرؤية الدينية الطقوسية المفارقة.
 وكانت أغلب قصائدي الشعرية تتعلق بقضايا فكرية اشكالية أذكر منها قصيدة طويلة بعنوان "الرمز والمعنى" وأخرى بعنوان Neither.. Nor   (لا.. ولا) معارض بها معارضة شعرية كتاب Either.. or  للفيلسوف الوجودي كيركجار. وفي هذه المرحلة المبكرة من حياتي ومن توجهي الثقافي كنت متعلقا فلسفيا بالتصوف الاسلامي من ناحية، وبفلسفة نيتشة وفرويد ويرجسون والفلسفة المثالية عامة، وكان هاجس التمرد على المألوف والسائد والمعقول عامة يغلب على كتاباتي بمنحى يبلغ حد الاطلاق والعدمية. وأذكر محاضرة ألقيتها عام 1945 في الجمعية الفلسفية بكلية الآداب - جامعة القاهرة (فؤاد الأول آنذاك) عنوانها "اللامعقول في الطبيعة والفن" دافعت فيها عن اللامعقول باعتباره ممثلا لكل من يرفض الخضوع والانصياع لقوانين العقل المنطقية. ولهذا اعتبرت اللامعقول هو حامل عبقرية الوجود والتحقق الخلاق الرافع دائما شعلة التحرر والانطلاق. ولهذا كانت رؤيتي للأدب وتذوقي له وابداعي لبعض الشعر، تعبيرا عن هذا المنطلق، ولهذا كان يغلب عليه التركيز على القيمة الجمالية الفنية الخالصة والدلالات المطلقة. وعبرت عن هذا في أول مقال نقدي لي نشرته في المقتطف بين عامي 45- 48 (لا أذكر بالدقة) بعنوان مستقبل الشعر العربي أكدت فيه على أن الصياغة الفنية المتجاوزة لما هو سائد هي حقيقة الشعر والمعبرة في الوقت نفسه عن انسانيته الكلية. وكانت رؤيتي وكتاباتي في هذه المرحلة أقرب الى كتابات بدر الديب ويوسف الشاروني، بمستوى أو بآخر. وكان بدر الديب رائدنا الابداعي والنقدي، وكنا نكون مع زملاء آخرين ما يشبه مدرسة أدبية. ثم اكتشفت بعد ذلك أن ادوار الخراط كان يتبنى نفس الرؤية ويكتب بذات التوجه. ومازلت أذكر حوارا حول الشعر بين الشاعر كمال عبدالحليم وبيني في مرحلة الاربعينيات التي كانت زاخرة محتدمة بالأنشطة الأدبية والفكرية والسياسية، التي كنت أشارك فيها من منطلق وطني ديمقراطي عام في هذا الحوار رحت اعارض دفاع كمال عبدالحليم عن الطابع الدعائي التحريضي للشعر الذي تغلب عليه المضامين الوطنية والاجتماعية التقدمية، فقد كنت متمسكا بالقيمة الفنية الخالصة للشعر. وكنت في هذه المرحلة من الاربعينات منشغلا في الجانب الفكري الخالص بدحض الأساس الموضوعي للطم، متبنيا رؤية مثالية ذاتية. وتمثل هذا في رسالة كنت أعدها آنذاك لنيل درجة الماجستير في الفلسفة حول مفهوم المصادفة في الفيزياء الحديثة، تأسيسا على قانون "عدم التحديد" في "نظرية الكم" عند هايزنبرج. على أي ما كدت انتهي من كتابة الفصول الأخيرة من الرسالة، حتى وقع في يدي كتاب "المادية والنقد التجريبي" لفلاديمير ايلتش لينين، الذي كان يعالج في فصل من فصول كتابه هذا بعض نظريات الفيزياء الحديثة مستندا الى المادية الجدلية. أفضت قراءتي لهذا الكتاب الى قلقلة رؤيتي الفلسفية المثالية، ووجدت نفسي اراجع أطروحتي المثالية حول المصادفة، وأخذت أتبنى رؤية موضوعية علمية لها، وأعيد بناء رسالتي الجامعية على أساس منهجي علمي مختلف، بل انتقلت فكريا وسياسيا من الرؤية الوطنية الليبرالية العامة الى الرؤية الاشتراكية العلمية أو الماركسية تحديدا، وانخرط في فصيل من فصائلها السياسية. وكان من الطبيعي ان تنعكس هذه النقلة الفكرية على مفهومي للأدب تذوقا وابداعا وفكريا نظريا ونقديا. ولعل كتاب "في الثقافة المصرية" الذي صدر عام 1955 في بيروت باسم عبدالعظيم أنيس واسمي مع مقدمة للشهيد حسين مروة، ان يكون ثمرة هذه النقلة الفكرية في مجال النقد الأدبي، ونتيجة حوارات نظرية بيننا وبين طه حسين والعقاد بوجه خاص وبعض تطبيقات نقدية في مجال الشعر والرواية.
وخلاصة مفهوم الأدب في هذا الكتاب - على تنوع حواراته ومقالاته - كما جاء في مقدمة الطبعة الثالثة في القاهرة عام 1988- هي "أن الأدب تعبير ابداعي ذاتي عن وقائع ومواقف اجتماعية موضوعية، ولكن أدبيته وابداعيته لا تصدر عن مجرد هذا التعبير الاجتماعي، وانما عن نوعية هذا التعبير، أي عن كونه تعبيرا مشكلا مصاغا، تشكيلا وصياغة جمالية خالصة هي التي تجعل منه أدبا". وبرغم حرصنا في هذا الكتاب على تأكيد العلاقة الجدلية الحميمة العضوية بين ما كنا نسميه بالصياغة والمضمون، ودفاعنا عن حركة الشعر الجديد الذي تمثل في شعر التفعيلة، وعن أن جث ته لا تتمثل أساسا في هذه الصفة التفعيلية، وانما في كونه يتسم بوحدته العضوية من ناحية، وببناء هذه الوحدة على التعبير بالصور من ناحية أخرى، أي حرصنا على تأكيد وابراز الجانب التشكيلي الفني لهذا الشعر الجديد، فان الممارسة النقدية نفسها في هذا الكتاب غلب عليها التركيز على المضمون الوطني الاجتماعي والموقف الايديولوجي.
وكان ذلك صدى لما كان يحتدم آنذاك - في عامي 54- 1955- من معارك وطنية وديمقراطية وايديولوجية، وعدم امتلاكنا لأدوات التحليل الداخلي.
وفي عام 1957، نشرت في مجلة الرسالة الجديدة مقالا بعنوان: "الخلق في الفن لا ينفي دلالته الاجتماعية"، ردا على مقال لزكي نجيب محمود بعنوان "الشعر لا ينبئ" يقول فيه "ان الفن لا معنى له ولا ينبغي له ان يكون" واختلفت مع اطروحة زكي نجيب محمود مؤكدا ان الأدب بما يتضمنه من أحداث وتراكيب لونية وصوتية الى غير ذلك انما يحمل رأيا في الحياة وحكما على الواقع وموقفا من حركة المجتمع، كما أكدت انه لا معنى للقول بالالتزام في الأدب. اذ ليس هناك أدب ملتزم وأدب غير ملتزم. فكل أدب وكل فن يتضمن رأيا وحكما وموقفا سواء كان رمزيا أم رومانطيقيا أم انطباعيا أم وحشيا ام مستقبليا ام سيرياليا ام واقعيا ام غير ذلك من مذاهب الأدب والفن ومدارسهما، وسواء أراد الفنان أم الأديب ذلك أم لم يرد. سواء كان واعيا ام غير واع. ولهذا يقوم الاختلاف بين هذه المدارس والمذاهب على الاختلاف في النظرة الى الواقع والحكم عليه والموقف منه، وليس معنى هذا بالطبع أن يكون الأدب والفن واقعيا لمجرد ان يجهر بالشقاء والحزن. وانما المهم أولا أن يكون فنانا أو اديبا خالقا، وان تنبع افكاره وأحكامه ومواقفه من صميم بنائه الفني والأدبي" (الثقافة والثورة: عام 1970) ولهذا كان التجديد في بنية التعبير الأدبي آنذاك سواء في مجال الرواية ام القصة ام الشعر موضع تذوق وترحيب واحتفاء ودفاع ومحاولة لكشف آلياته. الا أن التركيز كان ما يزال - مع ذلك - على الدلالة أو المضمون العام للعمل الأدبي وعلاقته بالواقع الحي وموقفه منه بمستوى أو بآخر.
وفي أواخر عام 1958 ذهبت الى نادي المعلمين لألقي محاضرة عن "الحرية والالتزام عند سارتر" فاذا بي أفاجأ بمحاصرة البوليس للمكان والغاء المحاضرة. وكان ذلك تمهيدا لاجراءات القبض على أغلبية الشيوعيين المصريين في أول يناير كانون الثاني عام 1959على أني في هذه المحاضرة التي نشرت بعد ذلك في كتاب "معارك فكرية" عام 1970، نقدت مفهوم سارتر للحرية والالتزام خاصة وللفلسفة الوجودية عامة - فالحرية عنده - كما عرضتها في هذه المحاضرة - تعني أنها عين الوجود، أنت حر لانك موجود. وأن وجودك هو عين حويتك، انها فعلك التلقائي المطلق بلا تعيين. انها ان تختار وان تختار يعني ان تعيش وأن توجد وان تتخذ لنفسك هذا الموقف أو ذاك. وفي فعلك هذا وفي اختيارك يتحدد وجودك وتتعين ذاتك وتحيل الامكان الى واقع. وعندما انتقلت الى مفهومه للالتزام تبينت ان هناك تناقضا بين قول سارتر بالحرية التلقائية المطلقة وقوله بالالتزام. ولهذا تساءلت: كيف يكون الأديب الوجودي ملتزما؟! الا يكون هذا الالتزام عند سارتر مجرد التزام بالدفاع عن الحرية؟! ولماذا كانت الحرية هي عين الوجود أي الفعل التلقائي المطلق، لم يكن للالتزام عند سارتر مضمون محدد. انه ليس التزاما بشيء، انه التزام بأي شيء، انه التزام بقضية اجتماعية ما، لتكن الوطنية، او الخيانة، او قضية الزنوج او القلق او الضياع أو الحزبية. انه اذن التزام بغير مضمون اجتماعي، التزام بغير دلالة محددة. ولهذا انتهى سارتر الى انه لا التزام في الشعر ولا التزام في الفنون الجميلة او الموسيقى أو الرسم والنحت الى غير ذلك. وتأسيسا على ذلك راح بعض أد بائنا يفرقون بين أدب ملتزم وأدب غير ملتزم. بل يطلقون على الأدب الملتزم بانه أدب الزام وليس أدب التزام، والحقيقة كما قلت آنذاك، انه لا يوجد أدب ملتزم وأدب غير ملتزم. فكل أدب وكل فن حتى الموسيقى والرسم والنحت، يحتوي على مضمون محدد له دلالة اجتماعية، حتى التعابير الأدبية والفنية المفرقة في أد بيتها الخالصة، والاختلاف في الأدب ليسر بين التزام وعدم التزام وانما هو اختلاف في المضمون الاجتماعي والدلالة الطبقية لكل أدب وفن. وهو الاختلاف الذي يميز ويفرق بين التيارات والمدارس الأدبية والفنية المختلفة. وكان هذا هو المفهوم السائد آنذاك عند نقاد اليسار عامة بدرجات متفاوتة.
على أن التركيز على المضمون الاجتماعي لم يكن يعني الغاء أو تجاهل البنية الفنية. وكانت الرؤية للعلاقة بين الشكل الفني والمضمون أقرب الى التجاور او التوازي منها الى التفاعل اللهم الا في المفاهيم وليس في التطبيق النقدي.
على انه بين أول يناير كانون الثاني  1959 الى منتصف 1964 كانت الغيبة الطويلة الشاقة وراء الأسرار وتحت آليات التعذيب. ولكنها رغم قسوتها كانت مساحة للا بداع الأدبي والفني والتأمل الفكري والنقدي. ولقد أتيح لنا- أثناء وجودنا في سجن بعيد عن السلطة، هوسجن الواحات الخارجة - أن نحصل على بعض الكتب سرا ومن بينها كتب أدبية. وأذكر اي تفرغت لقراءة واعادة قراءة بعض أعمال نجيب محفوظ، بين قراءات أخرى. وكانت ثمرة هذه القراءة كتاب "تأملات في عالم نجيب محفوظ" الذي أكملت صياغته بعد اطلاق سراح الشيوعيين جميعا في منتصف عام 1964ونشرته فصولا في مجلة الهلال في سبتمبر - ايلول 1965. وفي مقدمة هذا الكتاب بعنوان "المعمارالفني.. مدخل لدراسة الرواية العربية"، وفي أغلب فصول هذا الكتاب، غلب الاهتمام بالبنية التشكيلية الفنية مدخلا ومنهجا لكشف دلالة العمل الأدبي. فعنوان أحد الفصول الخاصة بـ "الثلاثية" هو "التعبير بالشكل الفني عن الجوهر الحي" ولعلي وضعت يدي في هذا الكتاب بشكل أعمق على التداخل البنائي الحميم بين ما كنت أسميه بالشكل او الصياغة وما أسميه بالمضمون.
على أنني بعد بضعة أسابيع من عودتنا الى الحرية، كتبت مقالا في المصور (10 يوليو- تموز 1964) بعنوان الفن والحرية قلت في مطلعه "عندما ندعوالأدباء الى الالتزام بقضايا عصرهم ومشكلات مجتمعهم فلسنا ندعو الى قسر أو افتعال. لسنا نحجرعلى حريتهم في التعبير ولسنا نطالبهم باثقال ضمائرهم بفيرها تنفعل به، ولسنا نقول لهم اجعلوا من أدبكم وفنكم شعارات ثورية، أو حلولا اجتماعية أو تقارير سياسية، ذلك ان الالتزام في الأدب والفن ليس نقيضا للحرية ولا يمكن ان يتم على حساب الأدب والفن. ان الحرية شرط الالتزام ولا التزام بغير حرية. (...) والأدب والفن خلق وابداع كله، ولا خلق ولا ابداع بغير حرية (...) وعندما ندعو مثلا الى التعبير عن تجربة السد العالي، شعرا او قصة او مسرحية، فلسنا ندعو الى تسجيل الاحداث التفصيلية وسردها، كدميات متناثرة، جزئية، وانما ندعو الى استخلاص الدلالة الانسانية العامة الكبيرة وراء هذا العمل العظيم، والتعبير عنها تعبيرا فنيا او أدبيا ناضجا بمختلف الاساليب والوسائل بل الموضوعات (...) وعندما ندعو الناس الى الالتزام بقضايا عصرهم ومشكلات مجتمعهم، فلسنا نقول لهم اضحكوا في غير بهجة، ودقوا طبول الأفراح الكاذبة وسط المأتم.. (...) لسنا نقول لهم كفوا عن التراجيديات والبكائيات والمراثي والاحزان ولا تكتبوا لغير المرح الكوميدي!! (...) وعندما ندعو مثلا الى التغني بانتصارات الانسان، فان هذا لا يعني أن نطمس هذا الوتر الحزين الذي يعبر عن المجاهدة والاستشهاد وعناء الطريق، كما يعبر عن الأخطاء والأخطار والنواقص. بل لعل أروع أغنية عن الانتصار هي التي يشربها النغم الحزين، حزن الطريق الصاعد المتصل، لا حزن التوقف والضياع واليأس. ان التغني بانتصار الانسان لا يعني أبدا أن لا أحزان ولا مراجع ولا فواجع" الخ... الخ. عذرا للاطالة في الاشارة الى هذا النص الذي تمنيت أن أذكره كاملا، لولا طوله، وذلك لأني منذ أن كتبت هذا الكلام راح بعض الأدباء والنقاد المختلفين معي فكريا، راحوا يشيعون ويكتبون أنني أقول "كيف تكتبون شعرا حزينا ونحن نبني السد العالي" ! ويصبح هذا القول قضية مقطوعا بصحتها يتداولها بعض كبار كتابنا؟! والمؤسف أن يردد هذا أديب في مقام ادوار الخراط في بعض كتاباته المنشورة مؤخرا!
ثم كانت رحلتي الأولى الى أوروبا، والى فرنسا خاصة في عام 1966، التي اطلعت فيها على بعض المذاهب النقدية الجديدة وبخاصة البنيوية. ولهذا عدت من هذه الرحلة الأولى لأكتب سلسلة من المقالات في مجلة المصور حول البنيوية التي اطلقت عليها آنذاك اسم "الهيكلية". ثم نشرتها مع مقالات أخرى عن رحلات أخرى الى أوروبا في كتاب "البحث عن أوروبا" الذي صدر عام 1974. وفي مقالاتي عن "الهيكلية" باتجاهاتها الثلاثة الانثروبولوجية والنفسية، والتكوينية، وخاصة عن تكوينية جولدمان، رأيت انها تسهم في اضاءة الأعمال الأدبية اضاءة اجتماعية ودلالية كبيرة الا انها اقرب الى علم الاجتماع منها الى النقد الأدبي. على أن هذه المدرسة التكوينية والبنيوية عامة، وان لم أكن اتبنا ها، منهجيا وفكريا- فقد سلحتني برؤية وبوسائل اجرائية جديدة في محاولة، كشف الرابطة العضوية الحميمة بين الصياغة والمضمون في بنية الاعمال الأدبية، وفي تقديري أن كتابي "ثلاثية الرفض والهزيمة، دراسة لثلاث روايات لصنع الله ابراهيم" الذي صدر عام 1985، يعبر في مقدمته النظرية وفي تطبيقاته، الى جانب الباب الأول من كتابي "اربعون عاما من النقد التطبيقي: البنية والدلالة في الرواية والقصة العربية" الذي صدر عام 1994عن أرقي ما وصل اليه فهمي النظري ومعالجتي النقدية للأدب، وبخاصة القصصي والروائي. حقا، لم تختلف رؤيتي للعسل الأدبي من حيث انه بنية جدلية موحدة ذات صياغة، ابداعية فنية محايدة لمضمون يعبر بشكل غير مباشر عن موقف اجتماعي او انساني عام، الا أنني اكتسبت مزيدا من القدرة على محاولة فك عناصر ومكونات هذه البنية اجرائيا، وبخاصة في جانبها اللغوي الاسلوبي السردي الذي لم أكن أعيره من قبل أهمية تحليلية خاصة. لقد اكتشفت أن اللغة لها ملكوتها الخاص المتميز، وانها ذات طبيعة فاعلة وقدرة مبدعة ذاتية وليست مجرد اناء أو شكل خارجي او اداة للابداع. كما ازداد ادراكي وتذوقي للفاعلية الجمالية او الفنية، للعمل الأدبي وليس فقط لفاعليته الدلالية. ولهذا فالأدب عندي- كما ذكرت في نهاية مقدمة ددالبنية والدلالة في القصة والرواية العربية المعاصرة"، الجدير بهذا الاسم، ددليس كينونة مجردة مطلقة خارج الحياة أو فوقها، أي ليس مجرد تشكيل جمالي في ذاته، وانما هو تشكيل ابداعي حي نابع من الحياة، وتحقق الحياة به استمرارها وتجاوزها لذاتها. انه اضافة خلاقة الى الحياة لا لمجرد وصفها او حتى نقدها، بل لتغييرها وتجديدها وتشويرها"، وقد أضيف الآن الى هذه الفقرة القديمة تحديدا خاصا بالأدب العربي الذي أراه، لا مجرد تعبير ابداعي نقدي عن الحياة في اطلاقها، أو مجرد محاولة لتجاوزها، وانما هو كذلك وأساسا تعبير ابداعي متنوع عن اشكالية، بل مأساوية هويتنا في تفريعاتها وتجليا تها وتناقضاتها، وماسيها المتنوعة السياسية والاجتماعية والقيمية والوطنية في اطار واقع انساني ملتبس معقد محلي وعالمي.
ولعل هذه الكلمات تعبر عن خلاصة خبرني التذوقية والنقدية للأدب في تجليه القصصي والروائي بوجه خاص في مدارس السر دية العربية المختلفة التقليدية منها والحداثية بل ما بعد الحداثية.
ولقد عبرت عن هذا بشكل تفصيلي في دراسة عن "هل هناك خصوصية للرواية العربية؟" بقولي في نهايتها "هناك خصوصيات متعددة للرواية العربية المعاصرة، سواء من حيث السرد الفني ام الدلالة. وتكاد هذه الخصوصيات على تنوعها ان تكون تعبيرا جماليا ونقديا عن تطلعها الى التحرر من التخلف والقهر والقمع والتسلط ومن المحاصرة والغربة والتغريب، ومن أجل تحقيق ذاتيتها الفردية والاجتماعية والقومية والانسانية، وتنميقها الى أقصى حد. وهكذا أكاد اقول ان المشترك بين هذه الخصوصيات المختلفة للرواية العربية هو البحث عن الخصوصية والهوية المنتقصة او المنتقدة والسعي الى استكمالها وتحقيقها وتأكيدها".
(مجلة فصول: المجلد السادس عشر العدد 3 شتاء 1997)
أما تذوقي ونقدي للشعر العربي وخاصة في تطوراته بعد مرحلة الستينات فلا يختلف عن تذوقي ونقدي للقمة والرواية بشكل عام كما سبق أن عرضت. ومع ذلك، فمازال للشعر مساحة خاصة اكثر تعقيدا والتباسا في تذوقي ونقدي له.
لقد أدركت منذ الاربعينات، القيمة التجديدية للشعر في شكله التفعيلي، وحاولت أن أتكشف أسراره السياغية والدلالية، وأسعي لابراز قيمته الابداعية المتجددة والمتنامية طوال الستينات، ثم في السبعينات التي كنت أتابع أثناء وجودي آنذاك في فرنسا، ما يتحقق في الشعر المصري والعربي عامة من مغامرات وتجديدات جمالية ودلالية، واكتب عن بعض نماذجها. إلا أني لم ألبث أن اصطدمت بتيار شعري عجزت عن الانفعال به لغموضه الذي بلغ أحيانا حد الانغلاق والابهام. ولم تكن العقبة هي الغموض، فالأدب بطبيعته بنية مختلفة عن بنية الكلام العادي المباشر، وهذا معنى ابداعها وتميزها الجمالي الفني. وكنت وما أزال  في الحقيقة من أشد المعجبين والمتذوقين لشعر ت.س. إليوت على غموضه الشديد وبنيته الشعرية المغايرة والمتميزة، وبرغم اختلافي مع رؤيته الحضارية. وكنت أتبين تأثيره العميق في كثير من الشعراء العرب مثل ادونيس وصلاح عبدالصبور. ولهذا لم يكن عجزي عن تذوق العديد من التعابير الشعرية منذ أواخر السبعينات حتى اليوم، لا يرجع الى غموضها، بل الى تجريدها الشديد الى حد الانغلاق، والابهام الجمالي والدلالي الذي لا يكاد يوحي لي بشيء الا الاحساس بالعجز عن التذوق أو الانفعال الذوقي أو حتى الاستبصار برؤية عامة أو ذات خصوصية غير عادية. ولهذا شاركت عام 1981 في ندوة بتونس بدراسة حول "الشعر الحديث وقدرته على التوصيل". وقامت بين أدونيس وبيني اختلافات في هذه الندوة حول مفهوم الشعر؟ فأدونيس يرى (كما جاء في فاتحة لنهاية القرن ص 252"، انه "اذا كانت الثورة تغييرا شاملا لبنية المجتمع، فان الشعر الثوري هو بالضرورة الصورة العليا لهذا التغيير. ويعني ذلك أننا كما نتخلص في الثورة السياسية والاقتصادية والاجتماعية من البنى القديمة، فان علينا في الشعر والثقافة أن نتخلص من أشكال التعبير القديمة" ويرى "ان الذين يطالبون اليوم بالوضوح في الشعر باسم الجماهيرية أو الثورية او الواقعية انما يطالبون في الواقع بنظم الأفكار ورصف المواقف ويطلبون من الشاعر- عمليا- أن يبقى ضمن المعاني العقلية"، وفي بحثي في هذه الندوة رددت على ذلك بقولي "ان الأمر على خلاف ما يقول أدونيس. فالذين يطالبون بالوضوح في الشعر، لا يطالبون بالخروج من شعرية الشعر، ولا بتنظيم الافكار والوقوف عند المعاي الفعلية. وأدونيس يصور الأمر كأنما هناك ما هو شعر وهناك ما ليس بشعر. حقا، هناك ما هو شعر، وهناك ما ليس بشعر، ولكن داخل ما نعده جميعا شعرا هناك شعر وهناك شعر. هناك شعر التجريد الميتافيزقي والشطح الصوفي والغربة عن هموم الحياة وقضاياها الحية، وهناك شعر الواقع والحياة النابع من همومنا وقضايانا والتطلع الى تجاوزها تجاوزا خلاقا حقيقيا لا تجاوزا موهوما زائفا".
والحق أن شعر أدونيس، رغم غموضه الشديد أحيانا، فهو يمتلئ بتجريدات عقلية، الا انه يشف كذلك عن احالات تخييلية الى هموم الواقع وقضاياه العليا، بل يكاد يكون تعبيرا عن التزام جهير أحيانا أو خلق غلالة رقيقة من التخييل الرمزي. ولهذا أكاد أقول ان القضية لم تكن قضية وضوح وفموض أو قضية تشكيل معين دون تشكيل آخر، فلست أقصر الشعر على بنيته التقليدية، أو أقف عند حدود شعر التفعيلات، أو أرفض أي تجربة من تجارب التشكيلات والأبنية الشعرية الجديدة مثل ما يسمى بقصيدة النثر مثلا، وانما القضية هي دلالة الشعر عبر بنيته التخييلية ومدى قدرة هذه البنية على التوصيل، لا التوصيل العقلاني، وانما التوصيل الفني، الذي تختلف مستوياته بفير شك باختلاف مستويات ثقافة المتلقين له. ولعلي بإثارة قضية التوصيل قد فجرت - هنا- ضمنا قضية الفاعلية الجمالية والدلالية بل قضية الالتزام بشكل غير مباشر.
وأعترف أنني ما زلت أبذل جهدا كبيرا في التذوق الجمالي والدلالي لكثير من الشعر المعاصر، أستثني من ذلك بعض الأسماء ذات الخبرات الابداعية الرفيعة. واذا كنت أستطيع القول في غير تردد أن القصة والرواية العربية، على تنوع اجتهاداتها الابداعية، قد اصبح لها اسكانتها الابداعية الرفيعة التي تتنامى وتتعمق ويتسع أفق تذوقها وتأثيرها باستمرار، دون أن أخوض هنا في قضية زمن الرواية، فاني أكاد أرى أن الشعر العربي المعاصر، منذ أواخر السبعينات وحتى اليوم رغم تنوع اجتهاداته الابداعية التي يبلغ بعضها شأوا رفيعا، فانه لم تستقر له بعد ملامح محددة، حقا هناك محاولات جادة تتجاوز البنية التقليدية أو شعر التفعيلة والنمط التراتبي أو العقلاي، وتتسم بتداخل اللحظات الشعورية، وتفجير المفارقات الدلالية وتعدد الايقاعات والأصوات وتوفر رؤية شاملة متسقة دون أن يعنى هذا انفلاقها واستواءها، وهي سمات نراها كذلك - بمستوى أو بآخر في بعض شعر ما قبل السبعينيات، بل ما قبل الستينيات، بل في بعض الاجتهادات الشعرية القديمة، الا أنني مازلت أرى انه باستثناء قلة من شعراء المرحلة الشعرية الواهنة، وبخاصة في مجال الشعر الشعبي- ولا أقول العامي في مقابل الفصيح - فان الشعر العربي المعاصر منذ أواخر السبعينات وحتى اليوم، سواء المسمى منه بشعر الحداثة أو الحساسية الجديدة، لم تستقر معالمه الابداعية بعد، وليس له في الواقع الأدبي العربي أثر كبير واضح شأن الرواية. وبمناسبة ما ذكرت من شعر الحداثة.

مجلة نزوى العدد 25 تموز 2009



المشاركة السابقة : المشاركة التالية
الكاتب: top3rab
 مراسلة موقع رسالة خاصة
[بتاريخ : الثلاثاء 05-02-2013 01:18 مساء ]



     القائمة البريدية