العدد(81) الجمعة 2020/ 24/01 (انتفاضة تشرين 2019)       الاحتجاجات تتواصل وسقوط شهداء جراء القمع الأمني وهجمات مجهولين       متظاهرو البصرة تقدم لهم "وجبات قمع ليلية"       بلاسخارت: العراق يواجه أزمة جدية وهو بحاجة لدعم المجتمع الدولي       حكايات من ساحة التحرير ..الأجهزة الأمنية تطارد المسعفات وتعتقلهن       دخانيات       شهد تغييرات بالدول العربية..مؤشر الديمقراطية العالمي يضع العراق بمرتبة متأخرة!       7 قتلى في البصرة.. المتظاهرون يتهمون قوات "الصدمة" وعميدها       بعد اختفائه في ذي قار.. شقيق مخلد الشمري يروي تفاصيل اعتقاله وتعذيبه!       متظاهرون غاضبون يحاصرون مقر إقامة المحافظ.. وعناصر حمايته يردون بالرصاص    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30138129
عدد الزيارات اليوم : 15304
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


الماشطة وحركة انصار السلم

انبثقت  حركة السلم العالمي تعبيرا عن حاجة الانسانية للسلام، وادراكاً لاهميته في  تجنيب الشعوب كوارث الحروب، وهدر الطاقات والثروات والاموال، ففي أب 1948،  عقد في فرونسواف (بولونيا) مؤتمر عالمي للمثقفين للدفاع عن السلام حضره  عدد من كبار المثقفين في العالم مثل الفيلسوف البريطاني


 جوليان هكسلي وعالمة الفيزياء الفرنسية ايرنا كوري والرسام العالمي بيكاسو والشاعر الفرنسي بول ايلوار والكاتب السوفيتي ايليا اهرنبرغ والبرازيلي جورج اماندو. وكان العربي الوحيد الذي حضر المؤتمر ابن العراق الشاعر محمد مهدي الجواهري، وجرى في المؤتمر الحديث عن ضرورة تنظيم حركة للدفاع عن السلام وتحريم السلاح النووي،

وقد اعاد هؤلاء المثقفون وغيرهم عقد مؤتمرهم في العام التالي، ونشأ عن هذين المؤتمرين مجلس السلم العالمي الذي عقد مؤتمره الأول في اكتوبر 1950، واختير الجواهري ليكون عضواً فيه.
وفي حزيران 1950، لبى الشيخ الماشطة رسالة رئيس مجلس السلم العالمي متضمنة دعوة لمناصرة (نداء استوكهولم) الصادر من مؤتمر السلام العالمي في 19 اذار 1950، حول تحريم استخدام القنبلة الذرية، وكانت الدعوة موجهة ايضا الى عدد من الشخصيات الوطنية والدينية العراقية، وكان الشيخ الماشطة رجل الدين الاول في العراق الذي لبى نداء السلم الأول، ووقع على بنوده الخمسة الصادرة عن اجتماع استوكهولم.
وقد نشرت (صدى الاهالي) جريدة الحزب الوطني الديمقراطي في اواخر حزيران 1950 نداء السلام موقعا من الشاعر محمد مهدي الجواهري على صفحتها الاولى، ومن ثم نشرت الجريدة نفسها بتاريخ (9) تموز في صفحة المحليات (نداء استوكهولم للدفاع عن السلام) مع اسماء مؤيديه من مختلف انحاء العالم والبلاد العربية عدا العراق اذ لم يرد في النداء العالمي ذكر احد العراقيين، وفي اليوم التالي نشر اول تأييد للنداء بشكل مختصر من السليمانية، وخلال شهر تموز بدأت الجريدة بنشر ما يردها من تأييد من انصار السلام.
وجاءت استجابة الشيخ الماشطة سريعة لذلك النداء، لأنه وجد فيه انعكاسا لافكاره، وتطابقا مع مفاهيمه وانسانيته في نبذ الحروب، وخفض التسلحن وتحويل ثروات الشعوب نحو البناء، ومعالجة الفقر بصورة خاصة وللانسانية بصورة عامة، ولم تكن انشطته في دعم حركة انصار السلم مقصورة بحدود تلك الاستجابة، بل سعى مع الكثير من الوطنيين العراقيين لكسب الاصوات المناصرة الى (نداء استوكهولم).
وبذلك ارخ مطلع خمسينيات القرن الماضي بدايات تأسيس حركة انصار السلم بالعراق، وكانت باكورة نشاطها (نداء استوكهولم) الذي يعد بمثابة بيان تأسيسي للحركة، ومن ثم تشكلت في بغداد اللجنة التحضيرية لانصار السلم، ونتيجة لازدياد المد الجماهيري المعاضد لقضية السلم، والمقترن بتعاظم دور الحركة على الساحة السياسية، حظرت وزارة الداخلية انشطتها، وجراء ذلك تعرض انصار السلم لملاحقة الاجهزة الامنية، فاعتقل عدد منهم بحجة عدم اجازتها، ومن اولئك المعتقلين شاعر الشعب محمد صالح بحر العلوم، الذي جسد حقيقة مواكبة الشعر لاستيعاب قضايا الانسان العراقي وهمومه وهواجسه، ومنها قضية السلم، واسهم في اضاءة مسيرة السلم بالكلمة عددا من شعراء العراق في مقدمتهم الجواهري وعبد الله كوران، ومن اولى القصائد التي صدحت معاضدة هذا النشاط بالعراق، قصيدة (امي والسلام) للمناضل حسن عوينة التي صورت اقبال الجماهير على حملة توقيع نداء استوكهولم. واستهل الشهيد حسن عوينة قصيدته برسم صورة لبشاعة الحرب وما تسببه من نكبات لاقناع امه على توقيع النداء:
اماه رهط الظالمين تأمرا
ليشن حربا غادرا وتأزرا
تطوى الشباب على الشيوخ وللدم
الزاكي الطهور ترين بحرا زاخرا
والارض تزرع بالضحايا ان
ذكت ويبدل الروض الخصيب مقابرا
واللحن والانغام تبدل بالبكا
وبمدفع داو يعربد هادرا
هذا النداء قوقعيه لتسلمي
ما خاب من للسلم كان مناصراً
وفي اواخر كانون الاول 1953، تحدث رئيس الوزراء فاضل الجمالي في مجلس النواب فهاجم الحركة الوطنية ودافع عن سياسة العراق الخارجية وهاجم حركة انصار السلام واتحاد الطلبة العام ووصفهما بانهما جناحان للحزب الشيوعي السري وقال: «اكاد اجزم في كل متذمر إن كانت اصابته الشيوعية». وحينها سخرت جريدة (صوت الاهالي) من هذه الاتهامات ووصفتها بالديماغوغية والمكارثية، ومن ثم نشرت الجريدة المذكورة مذكرة انصار السلام التي نددت بتصريحات فاضل الجمالي ودعت الى انهاء الوجود الامريكي والبريطاني في العراق والغاء معاهدة 1930.
ونشرت جريدة (صوت الاهالي) على مدى اشهر شباط واذار ونيسان 1954، برقيات تحمل الاف التواقيع من انصار السلام والطلبة والعمال والشبيبة العربية والكردية التي هاجمت سياسة الاحلاف الاستعمارية التي كان يدعو لها رئيس الوزارة فاضل الجمالي.
اتسعت حركة انصار السلم وزاد مؤيديهان وكانت حركة لا تضم اعضاء بل مؤيدين لافكارها، وفي المحافظات تشكلت لجان اخذت على عاتقها مهمة المبادرة الى بث مفاهيم السلام وربطها بالكفاح اليومي من اجل التحرر الوطني والقومي ومن اجل الديمقراطية، واتصل نوزاد عزيز بقيادة حركة السلم، وعرض عليها استعداد الحركة القومية الكردية الانضمام الى حركة السلم.
وتتالت مواقف حركة انصار السلم العراقية المساندة للتطلعات الوطنية، ومنها وقفتها التي حشدت الجماهير بالضد من توجهات الحكومة الساعية لربط العراق بالحلف التركي الباكستاني، ولم تقتصر انشطتها للحؤول دون انضمام العراق لذلك الحلف على تحشيد وتعبئة القوى السياسية والاجتماعية بالداخل، بل اصدرت نداء نشرته جريدة «صوت الاهالي» في 19 نيسان 1954، موجها الى حركات السلم في بلدان الشرقين الادنى والاوسط وشمال افريقيا وجنوب شرق اسيا نددت فيه بالحلف التركي الباكستاني وكشفت لحركات السلم العالمية المساعي المحمومة التي تبذلها وزارة الجمالي لزج العراق في الحلف المذكور.
وفي خضم تلك الاحداث سعى الشيخ الماشطة جاهدا لتأسيس قاعدة شعبية لحركة انصار السلم بالحلة لتكون راقدا كفاحيا في تعبئة نضال الجماهير من اجل القضايا الوطنية، واستمر في نشاطه بالتنسيق مع اللجنة التحضيرية ببغداد، الى ان جاءت الظروف المناسبة، ونضجت ضرورة قيام تنظيم لها، فتواصل مع نخبة من خيرة الوطنيين المخلصين لقضية شعبهم ووطنهم، ولقضية السلام في العالم اجمع، من مختلف الاتجاهات السياسية والانتماءات القومية والدينية، تجمعهم غاية نبيلة هي الحفاظ على السلام لعقد المؤتمر التأسيس.
وعقد المؤتمر التأسيس في دار الطبيب احمد الجلبي الواقعة في منطقة ام العظام (كرادة مريم)، حيث التئم في مشتمل بجانب الدار كل من اعضاء اللجنة التحضيرية، ومندوبي المحافظات، وضم المؤتمر (103) مندوب من الشخصيات الوطنية المعروفة من مختلف الاتجاهات السياسية ، ومن سائر المحافظات العراقية، بينهم ستة اعضاء من مجلس النواب (من المعارضة)، وحوالي عشرين نصيرة سلام، وشخصيات اخرى، ومنهم الدكتور طلعت الشيباني والشيخ عبد الكريم الماشطة والمحامي توفيق منير وصفاء الحافظ والطبيب احمد الجلبي والدكتور فاروق عبد الجليل برنو والدكتور نزيهة الدليمي والشاعر عبد الله كوران وصلاح خالص والفنان يوسف العاني وكمال عمر نظمي وابراهيم احمد وعطشان ضيلول الازيرجاوي وعبد اللطيف الحاج محمد مطلب وحامد الحمداني واسماعيل رشيد ونظيمة عبد الباقي (ام غصوب) وعلى ياسين وعبد المجيد الونداوي ومحمد زياد الاغا وصلاح اسماعيل واسماعيل حقي شاويس وانعام العبايجي ومحمد الشبيبي وجلال الاوقاتي وشيخ لطيف شيخ محمود الحفيد ومظهر العزاوي وعواد علي النجم وخدوري خدوري ونائل سمحيري وعامر عبد الله وغضبان السعد وعبد الرزاق الشيخ علي.
وقد افتتح الشيخ الماشطة بصوته الدافئ الواثق اعمال المؤتمر الذي ترأسه المحامي توفيق منير، والقى اعضاء اللجنة التحضيرية تقاريرهم عن الوضع في العراق، وفي الوطن العربي، وفي العالم، وتقريراً عن الوضع التنظيمي، وتليت كلمات وفود المحافظات، واسهم كثير من المندوبين في مناقشة القضايا المطروحة بايجاز وهدوء، وانتهى الاجتماع في اليوم الاول الى تشكيل لجنتين، الاولى عقدت في دار كمال نظمي في العواضية، والثانية في دار الدكتور فاروق برتو في الوزيرية، وقامت اللجنتان بدراسة المسائل الموكلة لها في اليوم التالي، واتخذت القرارات والتوصيات اللازمة بشأنها، وتم رفعها الى اجتماع اليوم الثالث، حيث جرت صباحا مناقشة تقارير اللجان وتوصياتها، واجريت التعديلات على بعض التوصيات، وف المساء عقدت الجلسة الختامية في منزل الشخصية الوطنية الراحل (عبد الجليل برتو) والد الدكتور فاروق برتو برغم ان صاحب الدار كان خارج بغداد، وبعد الاستماع الى القرارات ومنها برنامج العمل لحركة انصار السلام ثم التصويت عليها، ثم القى الاستاذ توفيق منير بعد ذلك كلمة دعا فيها الجميع الى العمل باقصى جهد ونشاط، والقيام بكل الفعاليات الممكنة لقرض الحركة بشكل علني، ثم قام بتعليق شعار (حمامة السلام) على صدور المشاركين، واقيمت حفلة عشاء لمندوبي المؤتمر تخللتها لقاءات تعارف بين اعضاء المؤتمر وجرى تبادل الافكار والاراء، واختتم الشيخ الوقور عبد الكريم الماشطة المؤتمر بكلمة حث فيها الحاضرين على القيام بمهماتهم من اجل تحقيق اهداف المؤتمر بالدعوة الى افكار السلام، والكفاح من اجل الاستقلال الوطني، والغاء المعاهدة وطرد القوات البريطانية، والانسحاب من الكتلة الاسترلينية واحباط ضم العراق الى الاحلاف العسكرية وخلق جبهة عربية ضد الصهيونية والنضال من اجل التحرر الوطني والقومي، وعلى الصعيد العالمي من اجل نبذ الحروب، وتحريم استخدام القنبلة الذرية، والوقوف بوجه الاحلاف والتكتلات العسكرية التي تهدد السلم العالمي وأمن الشعوب، وتبقي سطوة الهيمنة الامبريالية.
ونشرت مجلة (الوادي) قرارات المؤتمر في اليوم التالي، مما ادى الى اغلاقها من قبل الحكومة بعد ان انتشرت اخبار المؤتمر بشكل واسع، وكان من بين ما نشر في الصحافة الكلمة الختامية للمؤتمر التي القاها الشيخ عبد الكريم الماشطة.
وقد انتخب المؤتمر اربعين شخصية لقيادته بينها عدد من النواب في مجلس الامة والمحامين والعمال والفلاحين ورجال الدين وضباط متقاعدين، وعكس المؤتمر مظاهر رائعة تجلت فيها لأول مرة وحدة الرأي والمسار بين العديد من فصائل الحركة الوطنية العراقية، مفصحة عن استجابة صادقة لضرورات التقارب الوطني والنضال المشترك.
وخصني الاستاذ حامد الحمداني الذي حضر المؤتمر التأسيسي لحركة انصار السلم العراقية الذي عقد ببغداد في 14 تموز 1954، مندوبا عن الموصل برسالة اشار فيها الى دور الشيخ الماشطة وحضوره الفاعل في ذلك المؤتمر قائلا: «لقد كان لي اول لقاء بالشيخ الماشطة بداية في الفندق الذي نزلنا فيه صدفة في شارع الرشيد، وكنت على اطلاع مسبق بشخصية الشيخ الجليل ونشاطاته الوطنية، وتم التعارف بيننا منذ اللحظات الاولى، وقضينا ثلاثة ايام في ذلك الفندق، وكنا نلتقي في اوقات الفراغ، وكان يسعدني ان اقضي مع هذه الشخصية الكبيرة اطول وقت ممكن، استمع الى احاديثه القيمة التي كانت تاخذ منا الوقت دون ان نشعر به، وحضرنا المؤتمر معا، وقد حظى الشيخ الماشطة باهتمام كبير من قبل كافة اعضاء المؤتمر، وذلك لما يتمتع فيه من احترام كبير ليس بين ابناء الحلة فحسب بل من كافة ابناء الشعب العراقي، وقد القى الشيخ الماشطة كلمة وفد الحلة في المؤتمر وحظي بتثمين كبير، وتتميز شخصية الماشطة بالتواضع الجم وسعة الاطلاع بالاضافة الى روحه الوطنية الوثابة وايمانه بالسلام والتعايش بين الشعوب الوديمقراطية.
واصدر المؤتمر الاول لانصار السلام العراقي بيانا تضمن المفاهيم والافكار المعبرة عن توجهات الحركة، وجاء في البيان الذي نشر في جريدة الحزب الشيوعي السرية (القاعدة) وجريدة (صوت الاهالي) في 18 تموز 1954 و27 تموز 1954: «ان انعقاد المؤتمر الوطني الاول لانصار السلم بالعراق في الظروف التي تمت فيها حركة السلم وتغلغلت بين جماهير الشعب، واصبحت قوة هائلة تهدد مؤامرات دعاة الحرب ومشاريعهم العداونية بالتداعي، وتبعث الامل في نفوس الملايين بمستقبل سعيد للانسانية لهو ثمرة لهذا النمو الكبير والتغلغل العميق والقوة الهائلة، وفاتحة لعهد جديد يأخذ فيه نضال الشعب العرقي من اجل السلم والحريات الديمقراطية والاستقلال الوطني شكلا اكثر قوة وعزما تتجدد فيه الثقة بمستقبل سعيد للانسانية.
وكان من بين المقررات التي اتخذها المؤتمر الدعوة لحل مشاكل العالم بالطرق السلمية، وانهاء التدخل الاجنبي بالهند الصينية، وقبول عضوية الصين في الامم المتحدة، ورفض المساعدات الامريكية، ومحاربة جر العراق الى الاحلاف العسكرية الاستعمارية.
وبعث المؤتمرون برقية الى انصار السلم السوريين، نشرتها جريدة الحزب الشيوعي السرية (القاعدة) اواخر تموز 1954، اكد مقررات المؤتمر الاول لانصار السلم في العراق وجاء فيها: «ان حركتنا مصممة تصميما قاطعا على احباط انضمام العراق الى الحلف التركي الباكستاني وفضح اتفاقية المساعدة العسكرية االامريكية والوقوف جنبا الى جنب مع القوى الناهضة في البلدان العربية والمجاورة من اجل منع تشكيل كتلة عسكرية مثلما اعتبرت المفاوضات حول اتفاقية الجلاء المصرية – البريطانية بانها تساعد في انجرار البلدان العربية الى الاحلاف.
وما ان اختتم المؤتمر وانقضت اعماله حتى شاعر خبر انعقاده بين الجماهير، وتسرب ايضا الى الحكومة، فاحدث الخبر وقعا ثقيلا عليها، وبادرت مسرعة مستنفرة اجهزتها الامنية باحثة عن المندوبين في كل مكان، وفعلا استطاعت في اليوم التالي اعتقال الشيخ عبد الكريم الماشطة في الكاظمية، واحالته الى محاكم الجزاء مع (24) من اعضاء المجلس الوطنب لحركة السلم في العراق ، ممن وقعوا على مقررات مؤتمر انصار السلم الاول، باعتبارهم متهمين بالعمل ضد نظامها المندثر.
وقامت لجنة معاونة العدالة بالدفاع عنهم، وهي لجنة من المحامين الشيوعيين وغير الشيوعيين وغير الشيوعيين من العناصر الديمقراطية والوطنية، وقد برأت المحكمة ساحتهم بالاستناد على مادة قانونية لا تعتبر ذلك الاجتماع الموسع مخالفة قانونية، وبحسب ما نقل لي السيد فخري مطلوب، وهو من الحليين الذين عملوا مع الشيخ الماشطة في حركة انصار السلم، انه سمع من الشيخ الماشطة شخصياً، بان الثغرة القانونية التي حالت دون مقاضاتهم ناجمة من كون قانون تنظيم الاجتماعات العامة المعمول به لغاية ذلك التاريخ هو قانون عثماني.
واثر توقيع جمال عبد الناصر لاتفاقية الجلاء المصرية – البريطانية، وزيارة صلاح سالم للعراق بدافع تنسيق المواقف، تفجرت شكوك حول جدية النظام المصري في التصدي للمشاريع الاستعمارية في ظرف عصيب مرت فيه الحركة الوطنية العراقية، وهي ترزخ تحت وطأة حكم متسلط بعد اللمسات الاخيرة لحلف بغداد، مما حدا بحركة السلم العراقية الى شجب الاتفاقية المذكورة، وتنظيم حملة تواقيع للتنديد بها، وبالفعل نشرت جريدة (صوت الاهالي) الاف التواقيع من انصار السلم.
ومن دلالات اتساع حركة السلم بين اوساط المجتمع سعة الانشطة الجماهيرية المختلفة والنشاط النسوي على وجه الخصوص، فقد عقد مؤتمر لنصيرات السلام في احد البيوت الضخمة في الكرادة الشرقية في شهر أب عام 1954، بحضور اكثر من مئة نصيرة من مختلف مناطق بغداد.
اثمرت جهود الشيخ الماشطة، منذ بداية عقد الخمسينات، تاسيس مقدمات افكار السلم، المقرونة بمساندة الوطنيين والتقدميين بالحلة، ومهدت الى تكوين قاعدة جماهيرية واسعة لحركة انصار السلم بالمدينة، اسهمت في مختلف مراحل النضال الوطني بنشاطات ملحوظة، وكانت جموع المتظاهرين بالحلة عند اندلاع الانتفاضة الجماهيرية في تشرين الثاني 1952، تردد شعار حركة انصار السلم (لا حرب ولا فاشية.. بل سلم وديمقراطية) الذي ما زال محفورا في ذاكرة البعض من انصار السلم الحليين.
وافادني الاستاذ فلاح امين الرهيمي من ذاكرة الحلة الحافلة بالمآثر النضالية، ببعض تفاصيل بداية نشوء حركة السلم فيها بقوله: «كانت مدينة الحلة سباقة لاحتضان حركة السلم، وقد ضمت بالاضافة الى الرائد الاول الشيخ عبد الكريم الماشطة وجهاد المجتمع الحلي، وشخصيات النخبة المثقفة ومنهم : الحاج عبد اللطيف مطلب، الشيخ يوسف كركوش، كاظم محمد جواد، وحميد الوهيب، ومحمد المعيدي، ومحمد حربة، محمد حاج عزيز، والحاج رضا، والسيد سالم شبر، والدكتور عبد الرحيم الماشطة، وهادي جاسم حمادي الحسن، وجعفر الماشطة، والسيد فخري مطلوب.
ونسقت عملها التنظيمي في الوسط الجماهيري من خلال تشكيل عدة لجان، ومنها لجنة الكسبة ومن شخصياتها: محمد علي بيعي، والشيخ جواد الخياط، وعباس مرزوق، وجبار ابو عبيس، وحسين ابو طبرة، وشناوة ناجي (الخطاط) وخضير عكيب، ورضا صالح شويلية، وجودي عبد الحسين، وحمد جويد، وعباس جويد، وصالح كمره، واستذكر بعض من شخصيات لجنة الطلبة ومنهم: سليم تقو، ووهاب شهيد، وفاضل ابراهيم النجار، وراهب الصافي، ورضا اللبان، ووهاب مطلب، ومحمد مبارك، وعباس مرعب، وجبار المعروف، وعباس بقلي، وضمت لجنة المحامين والمدرسين شخصيات مرموقة ومنهم: مصطفى النائب، وامين رؤوف الامين ومكي عزيز، وعبد اللطيف الماشطة، واشار ايضا الى بعض انشطة حركة السلم بالحلة ومنها عقد ثلاثة مؤتمرات جماهيرية، الاول: بالقرب من اثار بابل وقد ترأسه عزيز عبد اللطيف مطلب، والثاني: في بساتين قرية الطهمارية، وكان برئاسة كل من : عزيز عبد اللطيف مطلب وعامر الصافي، وعقد الثالث : بمناسبة ذكرى ثورة العشرين في بساتين قرب مقام الامام جعفر الصادق (ع) مساءا واستمر الى منتصف الليل، واستخدمت الفوانيس في انارة مكان الاجتماع الذي احتضن جمهورا كبيرا من اهالي الحلة».
واستكمالا لصورة رواد انصار السلم الحليين، اشار الاستاذ عبد الامير شمخي الشلاه الى اسماء بعض اخر من الشخصيات التي تبنت افكار السلم وساهمت بصورة فاعلة في انشطة الحركة بالمدينة ومنهم: مولى جليل، ومهدي النجار، ومفيد الجزائري، وعبد علي عبد الرضا، وشهيد محمد سعيد (استشهد في انقلاب 63 الاسود)، والمحامي جواد كاظم، وكريم شهيد، وصاحب جاسم حمادي الحسن، وحسن علي ابراهيم، والدكتور زهير عبد اللطيف، وجليل مبارك، وجاسم العكام، وعدنان البراك (استشهد في انقلاب 63 الاسود)، وموسى نادي علي، ومحمد علي حمزة الاسدي وعدنان ويس.
واسهم انصار السلم الحييين بدعم حملة الشيخ الماشطة مرشح الجبهة الوطنية للانتخابات البرلمانية عام 1954، وكانوا من طليعة المشاركين في التظاهرات الجماهيرية وحضور الاجتماعات المنعقدة في بيت الشيخ الماشطة انذاك، واستذكر الاستاذ الرهيمي تفاصيل احدى الاجتماعات، وحرارة الجو في ذلك اليوم الصيفي الذي حضر فيه ممثل الجبهة الوطنية الدكتور صفاء الحافظ الى الحلة، والقى خطابا حماسيا قاطعه الجمهور مرارا بالتصفيق والهتافات، حثهم على مواصلة العمل وبذل الجهود للظفر بكرسي البرلمان، واعقبه الاستاذ سليم حسن تقو بخطابه المعنون «لمن تعطي صوتك يا ناخب؟»، مؤججا الروح الوطنية والشعور بالمسؤولية لدعم الشيخ الماشطة كمرشح قريب من شجون الناس واحوال الكادحين، ومعبر عن الامال والاماني الوطنية.
ولايساورني شك بان السنين طوت احداثا فيها الكثير من الالق والفخر على درب النضال لمدينة الحلة، وكذلك على المنحى نفسه بالرغم من استكارات الاستاذ الرهيمي المتوقدة، واضافات الاستاذ الشلاه فان الذاكرة لا ريب قد اغفلت الكثير من الشخصيات الحلية التي قدمت تضحيات جمة في النضالات الوطنية، ولقضية السلم بالذات، كعنوان نبيل للضمير الانساني، ورافد من روافد الحركة الوطنية العراقية.
ويمكننا تسليط الضوء على تلك الفترة لمعرفة مديات تاثير انصار السلم، والتقاط بعض مؤشرات عن نشاطاتهم من خلال رصد انعكاساتها في ما ورد بكتاب (مع الشيوعيينف سجونهم) لعبد الجبار ايوب الذي شغل في بداية حزيران 1954، وظيفة مدير سجن الحلة، وبقى فيها اكثر من سنتين والمعروف عنه بحسب رأي جاسم الحلواني انه عدو الشيوعية رقم اثنين في العراق باعتبار ان نوري السعيد كان رقم واحد، وقد وصف مدير السجن الذي جاء منقولا من الموصل اجواء الحلة عند مباشرته بالوظيفة، قائلا: «واذا بالجو الصاخب فيها اشد ارزاما من في حدباء العراق، واذا بي اجدني فيبهرة انصار السلام، ولعل ما نعتهم به في مواضع متفرقة من صفات كالاوباش او العصابة او المفاليك، تحمل مدلولات واضحة عن احتدام الصراع بين السلطة الرجعية الحاكمة ممثلة بتوجهات مدير السجن، والقوى الوطنية التي كانت حركة انصار السلم جزءا منها.
ومن خلال ما كتبه مدير السجن يمكننا استقراء مجريات تلك الصراعات لانها بمثابة مراة عاكسة وما بين السطور ليس بخاف على احد، وقد ادرج في كتابه قائمة باسماء (76) معتقلا من الشيوعيين وانصار السلم من مناطق الفرات الاوسط، منهم من اهل الحلة (19) مناضلا هم: «رضا صالح الشويلية، شهيد محمد سعيد، عبيد جواد ابو غريبة، برهان سلمان، جواد كاظم، محسن نادي علي، عبد الوهاب شاكر، عباس كاظم علوش، محمد جاسم، فاضل محي الشلاه، شناوه ناجي، زهير عبداللطيف، علي عبد الرضا، جواد عبد الحسين، حميد سعيد (وهو الشيخ حميد سعيد الغاوي، ذكر عنه شيوعي خطر وهو تاجر)، مسلم مهدي (ذكر عنه صاحب معمل نسيج)، جهاد حسن ، وهاب عبد الامير ، الصائغ الياهو»، والاخير سرد عنه تفاصيل كثيرة ربما بسبب كونه يهوديا، وفي مفارقة تبدو لي ذات دلالة خاصة بحاجة الى تأمل، لم يذكر عبد الجبار ايوب ان حليا نبذ الشيوعية، في حين وضع تلك العبارة امام اسماء البعض من المعتقلين، مفصحا عن دوره في تحقيق ذلك (الانجاز) بقوله: «وقفت لهم بالمرصاد اناهضهم حتى ارغمت منهم الاناف (الانوف)، ومرغت جباههم في الوحل، وتركتهم صعيدا جزرا لكل من هب ودب، ونكالا لكل معتبر له عقل وبصيرة وادراك فهؤلاء هم الشيوعيون وعصابة انصار السلام، واشار ايضا: «الى ان المعتقلين قد اطلق سراح بعضهم وبقي الاخرون يرسفون في السلاسل والقيود جزاءا لما ارتكبوا من اوزار واثام في حق شعبهم ووطنهم ودينهم فقد اوغلوا في افساد الطلبة والكسية والعمال والفلاحين واقلقوا بال الحكومة، وقد عانيت في تقويم اعوادهم من العنت ما الله وحده به عليم».
ومن المفارقات المثيرة ان عبد الجبار ايوب لم يتطرق في كتابة المذكور باي كلمة الى الشيخ عبد الكريم الماشطة اطلاقا، وكان يعرف جيدا بانه من مؤسسي حركة انصار السلم في العراق، وقائدها ومحركها الرئيس والداعم لانشطتها في مدينة الحلة، ومعظم اجتماعاتها تعقد في داره، بل على العكس من ذلك اسرف في كتابه المذكور في كيل المديح الى ابناء شقيق الشيخ الماشطة، وهما ليسا ببعيدين عن الحركة الوطنية في الحلة ولا خارج انشطة حركة انصار السلم ، وما من تفسير شاف لذلك غير غرائبية المفارقة.
وفي الغالب انه حاذر المساس بالشيخ الماشطة لمكانته الاجتماعية ومنزلته في نفوس الحليين.
ومن الجدير بالذكر ان حركة انصار السلم العراقية بالاضافة الى دورها في معاضدة قضية السلام العالمي، شاركت القوى الوطنية نضالاتها في مقارعة السلطة الرجعية للنظام الملكي، ولنا ان نشير على وجه الخصوص الى المساهمة في المظاهرات الجماهيرية الصاخبة التي انطلقت في عدد من المدن العراقية للتنديد بقرار قطع العلاقات مع الاتحاد السوفيتي الذي صدر في اواسط كانون الثاني 1955، واعتقل بالحلة في تلك المظاهرات العديد من المواطنين بتهمة ضرب مدير الشرطة الذي تصدى بنفسه لقمع المظاهرة. فضلا «عن الاسهام الفاعل بتشكيل جبهة الاتحاد الوطني 1957، بارجاء المدن العراقية تقريبا، وذكرنا في فصل سابق انتداب عضو مجلس السلم العراقي الحاج عبد اللطيف الحاج محمد مطلب ممثلا عن المستقلين في فرعها بمدينة الحلة.
وبعد قيام ثورة 14 تموز 1958، اثر الشيخ الماشطة اعلان تاييده الثورة، وتهنئة قادتها ، فسافر الى بغداد، ولم يكن مضى عليها إلا بضعة ايام برغم مشقة الطريق وسوء حالته الصحية، وذهب معه عددا كبيرا من انصار السلم الحليين، وكانت وجهة الوفد الى وزارة الدفاع، وقد سمح حينها لسيارة الشيخ بدخول مبنى الوزارة وبعد ظهور قسم من الضباط الاحرار من الشرفة، واتمام مراسيم الترحيب بالجماهير الغفيرة، تحقق للشيخ الماشطة اجتماعا مع بعض من قادة الثورة على انفراد.
ومن اللافت للنظر ان الشيخ الماشطة قد استشف من ذلك اللقاء عن وجود خلافات عميقة بين الضباط الاحرار، واعلن بعد عودته الى الحلة الى المقربين منه عن مخاوفه من الصراعات الداخلية، وتضاربات القادة فيما بينهم. وما تنبأ به الشيخ حصل فعلا، ولعله من اهم الاسباب الرئيسة التي مكنت من واد الثورة.
ولايساورني شك بان الشيخ المثقل بثمانين سنة الذي استدعى لذلك الاجتماع لم يبق اسير زهو تلك اللحظات الاحتفائية، بل عبر في ذلك اللقاء القصير عما يختلج بدواخله من امال، وحاثا قادة العهد الجمهوري على تلبية حاجات الشعب الضرورية وتطلعاته نحو مستقبل افضل.
عن كتاب عبد الكريم الماشطة
احمد الناجي



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية