العدد(82) السبت 2020/ 25/01 (انتفاضة تشرين 2019)       تساؤلاتٍ حول مواقف التيار الصدري: قوى الأزمة والخراب، ومن يريد أن يكون طرفاً في الحل..!       إصابات فـي صفوف المتظاهرين.. ومحاولات لاغتيال ناشطين       العفو الدولية تتهم العراق بممارسة انتهاكات خطيرة: مقتل أكثر من 600 متظاهر       قتلى ومعتقلون وجرحى بسبب شعار "نريد وطن"       لن تُخمِد الاغتيالات والمطاردات بطولات تشرين       قائد شرطة ذي قار يناشد المتظاهرين: عودوا إلى "الحبوبي"       الاحتجاج تنشر نص رسالة الصدر في تظاهرة إخراج القوات الأميركية       «لا تَظنوا أنَّكُم سحَقتمونا.. ما زِلنا بجَمالٍ ونَقاء».. مَعنى أن تَرُد على اتهامات العَمالَة والخِ       يوميات ساحة التحرير..ساحة الاحتجاج.. أرض لالتقاط صور الأعراس    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :55
من الضيوف : 54
من الاعضاء : 1
عدد الزيارات : 30139055
عدد الزيارات اليوم : 16230
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


دور السينما في بغداد ايام زمان

غالب وشـاش/ كاتب وباحث
هذه المقالات ليسـت متكاملة عن دور السـينما في بغداد بقدر ما هي عرض سـريع لتاريخ هذه الدور وتأثير السـينما على الناس وخصوصاً في فترة ازدهارها (منذ منتصف الثلاثينيات إلى منتصف السـتينيات) وانطباعات وذكريات عن تلك الفترة سـمعتها وعشـتها.


 أنها محاولة لرسـم صورة لبغداد أرجو أن أوفق في تقديمها وليعذرني القارئ إذا أخفقت أحياناً أو شـدني الحنين إلى الاسـترسـال أحياناً أخرى.
تفتحت العيون على أعمدة شـارع الرشـيد كأنها الحرس الذي يدفع أذى الزمن عن قلب الحبيبة شـارع الرشـيد لا يزال هو الدواء عندما أشـعر بالضيق أقذف بنفسـي بين أحضان هذا الصديق القديم الوفي واقبل بعيني معالمه العزيزة الحيدرخانة و الشـورجة وبيت اللنج وحافظ القاضي والمربعة والسـنك ومدينة روكسـي وأتجاهل التغيير الذي حدث وأشـعر أن شـركة اسـطوانات كولومبيا ومخزن بايونير وسـينما الحمراء لا تزال في مكانها وأتخيل أن سـينما الرشـيد لم تهدمها يد قاسـية وأن المقهاة البرازيلية لا تزال ملتقى المثقفين ومحبي الأدب والفن والمعرفة وإن سـينما برودواي تعرض أفلامها مع اهتزاز الكراسـي كلما مرّ باص المصلحة واسـتمر في مسـيري وأشـم رائحة أشـهر بائع باسـطرمة على الرصيف المقابل وأتحسـس جيبي لأتأكد من وجود النقود التي سـأدفعها لأبكار مارتين مقابل إعداد (البكنشـرشـو والبكنشـركوار) أو أشـتري بها أدوات الرسـم من (مخزن النعمان).
وهذه مدينة روكسـي ترى ما هي الملصقات الجديدة التي أخذت مكانها على الجدران ومثل ماء النهر ينتهي بي المطاف إلى البحر بحر باب الشـرقي والسـاحة الصغيرة وبشـجرتها القديمة تشـير إلى سـينما الملك غازي وكأنها الملكة وحولها حاشـيتها.. سـينما التاج والنجوم وميامي وديانا ودار السـلام وأدخل شـارع الملك غازي بأجوائه الشـعبية الحلوة وهذه الوجوه العراقية الودود وأزقته التي تحمل تاريخ الحبيبة.. تاريخ بغداد من باب الشـيخ إلى محلة الفضل وما وراءها وأحاول الاسـتمرار في تخيلاتي وأوهامي ولكن أنقاض سـينما الشـرق تعيدني إلى الواقع.. الواقع الذي حول سـينما الفردوس الشـتوي إلى مطعم والصيفي إلى مخزن أخشـاب وجعل من سـينما مترو مخزناً كبيراً.
وأعود إلى الوراء إلى أيام الأربعينيات والخمسـينيات عندما كانت مدينتي تحتوي على أكثر من ثلاثين داراً للسـينما تعرض إنتاجاً عالمياً متنوعاً وكان ارتياد دور السـينما يشـكل حدثاً يومياً أو أسـبوعياً مهماً ومظهراً من مظاهر الحياة الاجتماعية عند الشـعب العراقي وخصوصاً جمهور العاصمة بغداد والمحافظات الرئيسـة (البصرة والموصل والحلة) بل أن السـينما كانت تشـكل عند كثير من أفراد الطبقتين العاملة والمتوسـطة المنفذ الرئيس للترفيه (والثقافة إلى حدٍ ما) وكان تأثيرها كبيراً في تشـكيل الذوق النسـائي من الملابس والإكسـسـوارات إلى تصفيفة الشـعر، وكان من الطبيعي أن تجد تفصيلة فسـتان ليلى مراد أو جوان كرونورد أو نوعية قماش تابير نور الهدى أو أمينة رزق منتشـرة بعد عرض الفلم، وكانت جولييت أشـهر عاملة تصفيف شـعر (كوافيرة) عند الجابي تتردد على السـينما باسـتمرار لتسـتطيع تلبية رغبات صاحبات الذوق الجميل.
ولكن ليس هناك داعٍ لأن نسـبق الزمن ولنعد أولاً إلى سـنوات الثلاثينيات والى أشـهر دور السـينما وقتذاك. سـينما رويال يذكرها الكبار دائماً وتكاد تلمس نبرة الحب والحنين في أصواتهم وهم يلفظون الاسـم. سـينما رويال الصيفي كانت مشـيدة على أرض الركن الأيمن من الشـارع المؤدي إلى الجسـر العتيق (جسـر الشـهداء الآن) وقد أصبحت فيما بعد سـينما الحمراء (الصيفي) ثم سـينما القاهرة (الصيفي) أيضاً قبل هدمها وإقامة عمارة كبيرة تحتوي على موقف سـيارات ومخازن ومكاتب تجارية. وأمامها يقف الآن تمثال الشـاعر الرصافي.
في ذلك الوقت كانت هناك سـينما الوطني التي لا تزال في مكانها حتى الآن في منطقة سـيد سـلطان علي أمام أورزديباك (شـركة المخازن العراقية) وكذلك سـينما (سـنترال) التي كانت تمثل البناية المقابلة لشـركة حافظ القاضي ويفصلها عن المصور أرشـاك زقاق يؤدي إلى شـارع النهر وقد بقيت السـنترال إلى سـنة 1935 حيث افتتحت بعد التجديد (سـينما الرافدين) في يوم السـبت الثالث من آب 1935 بفيلم (جزيرة الكنز) وقد اسـتمرت إلى الأربعينيات ولكن مسـتوى أفلامها هبط بعد افتتاح عدة دور حديثة وبدأت تعرض بعض الأفلام العربية وأفلام (جابك والي) و (عنتر والي) الهندية.
وأتذكر حادثة طريفة في سـينما الرافدين فقد زارنا بعض القرويين من قرية صغيرة اسـمها (أبو تمر) وكان معهم امرأة متوسـطة العمر وطلب منا الأهل أن نأخذها لمشـاهدة (السـينما).
وجلسـنا في (لوج) وأمامنا الشـاشـة الكبيرة وبدأ عرض الفيلم كنا نحن نراقب الضيفة ونرى انفعالاتها وهي تتبع ما يدور على الشـاشـة من مواقف إلى أن جاء مشـهد قطار سـريع وكان بعيداً ثم أخذ القطار يقترب بمشـهد (كلوز آب) وملأ الشـاشـة وسـمعنا صرخة مدوية وعويلاً وأضيئت الأنوار فإذا بالضيفة جالسـة على أرض اللوج خوفاً من القطار وهي تولول وضجت السـينما بالضحك بعد أن جاء الشـرطي وعرف الجميع أصل الحكاية وعادت المرأة إلى قريتها ورفضت أي دعوة لزيارة بغداد بعد ذلك. بعد هذه الحادثة بفترة قصيرة احترقت السـينما.
ومن دور السـينما في الثلاثينيات سـينما (ليالي الصفا) التي أصبحت بعد ذلك ملهى ليليا ومعظم كبار السـن يذكرون (سـينما رويال) وقد أجابتني إحدى العجائز بعد سـؤالها عن السـينما بأنها كانت تذهب للرويال مع أهلها وزميلاتها بالقباقيب.
أما سـينما الوطني فهي الدار الوحيدة التي بقيت حتى الآن ونرجو أن لا تطولها يد الجشـع المادي لتحولها إلى مخازن تجارية كما حدث مع إحدى أجمل دور السـينما في بغداد سـينما الرشـيد…
وتعتبر سـينما الوطني من أقدم الدور في بغداد وقد بدأت بعرض الأفلام الناطقة منذ بداية الثلاثينيات وكانت إعلاناتها تقول:
(السـينما الوطني الناطق)
هذه الدار لم تكن من الدور الكبيرة في البناء فعدد مقصوراتها لم يكن يتعدى الإثنتي عشـرة مقصورة مع الكاليري (70 فلسـاً) في الطابق الأعلى وفوقه يوجد صفان من الكراسـي نصل إليها بواسـطة سـلم جانبي وكانت هذه الكراسـي هي مقاعد (التسـعين فلسـاً) وفي الطابق الأسـفل يوجد الكاليري أيضاً وأمامه الركن المشـهور في جميع دور السـينما (أبو الأربعين) وجمهوره من الشـباب المراهق والأطفال وكثير من العمال والحرفيين.
داخل السـينما يرى المشـاهد بوضوح الزخارف الجميلة داخل قاعة العرض وخصوصاً أماكن الإضاءة على الجدران بشـكلها المخروطي الجميل وقد بقيت سـينما الوطني من دور الدرجة الأولى وتحولت في نهاية الأربعينيات إلى عرض الأفلام العربية ثم تدهورت أحوالها في بداية الخمسـينيات بعد أن أصبحت منطقة الباب الشـرقي والأورفهلي هما منطقة دور السـينما الجيدة والملاهي. وبدأت السـينما بعرض المسـلسـلات المشـهورة ب(15 فصلاً الأولى) (والأخيرة) قبل (مملكة تحت البحر) و (فلاش كوردون) و (ابن الحداد) وغيرها.
وفي منتصف الخمسـينيات وبعد هدم أغلب دور السـينما في الباب الشـرقي اشـترى الموزع السـينمائي المعروف المرحوم (حبيب الملاك) السـينما وأعاد تجديدها وافتتحها باسـم (سـينما القاهرة) لعرض الأفلام العربية.
وكان الملاك قد اسـتأجر أيضاً سـينما رويال (الحمراء الصيفي) وأسـماها (القاهرة الصيفي) وكان يعرض فيها نفس الأفلام التي تعرضها سـينما القاهرة واسـتمرت (الوطني) في هبوطها وصعودها وأعيد افتتاحها في السـتينيات وعرضت فيها شـركة فوكس مجموعة جيدة من أفلامها ولكن الزمن تغيير وأصبحت منطقة السـعدون هي المركز السـينمائي وعادت الوطني إلى الدرجة الثانية وهي الآن سـينما ومسـرح ومحال تجارية.
أما أرقى دار سـينما في الثلاثينيات فهي سـينما الرشـيد ببنايتها الضخمة الجميلة المزدانة بالزخارف والتماثيل خارج صالة العرض وداخلها والسـلم الذي يقودنا إلى ردهة صغيرة للاسـتراحة ثم إلى الكاليري وسـلالم جانبية طويلة تنتهي بنا إلى المقصورات الخلفية والى حجرة ماكينة العرض. أما الطابق الأسـفل فكان كالعادة يحتوي على الكاليري الأرضي (أبو الأربعين). وفي بداية الأربعينات افتتحت بجانب السـينما الشـتوي دار صيفية باسـم الرشـيد الصيفي.
وفي ذلك الوقت كانت كل سينما توزع الإعلانات الأسـبوعية التي تحمل صوراً للفيلم باللغتين الإنكليزية والعربية، وكان الإعلان ذا طباعة جميلة يطبع من قبل شـركة الأفلام نفسـها (مترو-فوكس …الخ) مع ترك فراغ لطبع الكلام العربي وكانت الإعلانات عبارة عن عرض كامل للفيلم وممثليه وقصته ومواعيد العرض وتنويه عن عرض أحدث أخبار العالم.
وكان البعض يعلن عن تخصيص أيام خاصة للطلاب وبأسـعار مخفضة. في تلك الأيام الجميلة كان ليوم الخميس مكانة خاصة في قلوب الصغار والكبار، فقد كان يوم السـينما بالنسـبة للعوائل. أما الجمعة فقد كان يوم عيد للصغار منذ الصباح حتى انتهاء (الماتينيه) (دور العصر) وكان تحت الأسـبوع وعذاب الدراسـة يهونان ونحن نفكر في السـينما (ولفة البيض والبيض والعنبة والصمون والنامليت).
ولم تكن هناك ترجمة على الفيلم كما هو الحال الآن. وقد دخلت الترجمة في النصف الثاني من الأربعينيات، وكانت تعرض في البداية على شـاشـة صغيرة جانبية ثم أصبحت على الفيلم نفسـه.
وشـهدت الثلاثينيات افتتاح دور سـينما جديدة قبل (سـينما الملك غازي) وكانت آية من الفن المعماري ودليلاً على موهبة (الاسـطوات العراقيين) هذه الموهبة التي بهرت الإنكليز عندما احتلوا العراق، الموهبة الفطرية التي كانت تحسـب حسـاب الحر والبرد بالخبرة. ولا تزال الدور القديمة شـاهداً على ذلك بدفئها شـتاءً وبرودتها صيفاً. إن القلم لا يسـتطيع وصف روعة بناية سـينما غازي التي أصبحت أشـهر وأرقى دار عرض في العراق.
وأيضاً كانت هناك سـينما الزوراء التي لا تزال موجودة في منطقة (المربعة) وتعرض الآن (فيلمين في آن واحد) وكأنها ملكة جمال فقدت معجبيها بمرور السـنين ولكنها احتفظت بآثار من ذلك الجمال الرائع بواجهتها الجميلة ذات التماثيل والزخارف البديعة. ولا نزال نمر من أمامها ونقف قليلاً وتمتلئ العيون بالدموع ويغمرنا الحنين وتشـدنا الذكريات إلى الوراء نرى ملكة الجمال في أحلى سـنين العمر وهي تقدم لنا الأفلام الرائعة طوال الثلاثينيات والأربعينيات.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية