العدد(76) الاحد 2020/ 19/01 (انتفاضة تشرين 2019)       ساحات الاحتجاج تعلن تأييدها الكامل لذي قار لتنفيذ المطالب المحقة       مركز حقوقي يوثق مقتل واختطاف 5 ناشطين في العراق خلال 24 ساعة       سينما الثورة: الانتفاضة العراقية وأفلامها في خيمة       لا أمريكا ولا إيران... الملعب بالتحرير الملعب!       فايننشال تايمز: محتجو العراق من الشباب لا يثنيهم عنف القمع       مهلة ذي قار مهلة وطن.. أهازيج وهتافات التحرير والحبوبي       الثورة العراقية       متظاهرو بغداد يرفعون أعلام الأمم المتحدة طلباً لتدخل أممي       حكاية شهيد..مصطفى الغراوي.. الثائر المقدام الذي أبت خطاه التراجع تحت أي ظرف    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :50
من الضيوف : 50
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30039935
عدد الزيارات اليوم : 14809
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


حين يتولى الخطاب الروائي دائرة المحظورات

زيد الشهيد
 شغلت إشكالية  دخول فضاء الحذر السياسي حيّزاً في مسارات الأدب ؛ وأنتقل الحكي من رصيف  القص الباعث على الضحك قصد التسلية والمتعة إلى حومة النقد المثير للبواعث  وتحديد منابت السلب. من الحياد إلى الفعل، من عدم الاقتراب من الخطوط الحمر  إلى تجاوز هذه الخطوط اعتماداً على رؤية


 أن لا يكون الحاكي مجرد فم ينطق، بل صوتاً يدعو. ولقد كانت الخشية عبر الأزمنة والحقب المنصرمة (البعيدة منها والقريبة) مهولة ومدمرة لو أن الصوت يدعو، ذلك أن بطش متلقي الصوت سيكون رادعاً ردعاً دموياً مميتاً، ما حتّم على أصحاب الصوت الرافض الناقد وهم يرون مَن سبقهم سحقوا بلا رحمة إلى أن يتخذوا مسالك أخرى لإيصال نقودهم دفينةً لكنها مليئة بالشفرات فجاءت تينك النصوص (Allegory)   محكيّة على ألسنة الحيوانات والطيور كما في “ حكايات بيدبا “، و” كليلة ودمنة “، و” منطق الطير “، نائية عن التأويل الذي يسبب لها سوء العواقب. وفي عصرنا الحديث صارت الاستعانة بالأسماء التاريخية القديمة قناعاً يتخفى وراءه الكاتب الناقد سياسياً موصلاً ما يريد مع حيازة صك الاحتفاظ بسلامته. لكن حين يضيق صدر الكاتب ويجد أن صمته أو تواريه خلف الرمز الذي يصنعه لا يفي غرضاً يبغيه، وأن عليه القفز على المألوف، وأنه كروائي (ونحن نعالج هنا هذا الجنس ومتعلقاته) أنيطت به تأرخة الواقع اجتماعياً واقتصادياً ونفسيا عبر منظور ثقافي بكل ما في هذا الواقع من محبطات، وتابوات، ومهشِّمات لا يجب أن يصمت. بل يدخل في حوار مع ذاته، يخاطب الذي في دواخله، قائلاً ((أن تكون بطلاً يعني أن تحاول بجرأة أكثر من الآخرين، وأن تعرض نفسك إلى أخطار أكثر جسامة. وبالتالي أن تواجه، بعظمة أكبر، احتمالات الهزيمة والموت.)) (1) فتقدم خطاباً سردياً متميزاً يكشف واقعاً من خلال إدراك  حيثياته ومعايشة تفاصيله، ذلك أن مثل هكذا خطاب يسعى إلى ((توثيق اتصالنا بالواقع ومعرفته بصورة عميقة)) (2). ولقد أوقف كتاب أمريكا  اللاتينية صمتهم وانطلقوا يؤرخون حياتهم السياسية ويرتقون في تعرية الواقع إلى رأس هرم السلطة، فكانت خطاب (السيد الرئيس) للروائي للغواتيمالي ميغيل انخل استورياس الذي يرسم حقبة الاستبداد والقمع اللذين مارسهما (كابريرا) حاكم غواتيمالا لفترة عشرين سنة، وخطاب (خريف البطريرك) الروائي للكولمبي غابريل غارسيا ماركيز الذي يؤرخ لحقبة زمنية كان فيها البطريرك قد عاش “ ما بين 107 و232 عاما (وهو) نموذج 14 جنرالا تعاقبوا على السلطة “ (3)  في كولومبيا.

العنوان: مدخل الخطاب

يشكل العنوان مدخلاً للفحوى، ويُحسَب مصباحاً يهتدي به المتلقي لفهم الحيثيات التي تقود إلى استنتاج. وعادة ما يختزلُ العنوانُ معنى العملِ المُدوَّن، فيغدو هو العمل، جامعاً داخل فضائه كينونة المعنى. من هنا يتطلب خلق العنوان فعلاً شاقاً ومحيراً في كثير من الأحيان. وقد يُستبدل عنوان نص عديد المرات من قبل خالقه الذي يضع في حسبانه أن المتلقي قد يتحكم بعد الانتهاء من قراءته في اختيار عنوان يتمنى لو يكون هو بديلاً لعنوان المؤلف. واستخدام الروائي لمفردة إسطرلاب في العنوان جاء من نسيج السرد كأحد شفرات المعاني واستخلاص الرؤى وصولاً إلى الهدف المنشود ؛ فقد وردت مفردة إسطرلاب كموجه يقوده نحو هدف يبغيه وهو يتدرب من اجل إدراكه ((سأتدرب على صور مأهولة. جلساتي وتأملاتي وتوسلاتي مثل إسطرلاب يوجهني إلى قبلتي للوصول إلى الاكتمال.)) ص62 مثلما استخدمت كإشارة لتحركات غيره ممن ورد لهم فعلٌ في الخطاب. 

التبئير في الخطاب

اعتمد صانع الخطاب على امتداد مساحة المنظومة السردية التي تحرك عليها تبئيراً (Focalization) يقضي بتحقيق أهداف بطله الذاتية في نيل ما يروم من رفعة خاصة تميزه عن باقي البشر بإتباع نصيحة مكيافيللي (الغاية تبرر الوسيلة) اعتماداً على ركوب مختلف الوسائل وسلك شتى الدروب حتى لو تطلب الارتماء في أحضان الغواية  وتكريس وجوده عبداً لها. وهو أدرى أن بوسع الغواية (سنجدها في مسار الخطاب هي السلطة العليا أو دلالة القوة الخارجية الراسمة تحركه خطوةً فخطوة من اجل بلوغ هدفه الذاتي. وهي التي توجهه، ويخضع لها بتوسل وذل) جعله يمسك بالريح ويخاطب الغيوم، وسط وقوعه في براثنها، حتى ((صار واهبَ الحياة.. طاردَ الموت)) ص161، هو الآتي من وضعٍ يائس وحياة في منتهى البؤس والرداءة ((باب البيت الصفيحي وباب الغرفة الخشبي وباب المطبخ المتهرئ. لم يكن للحمام باب وكذلك المرحاض. لقد وضِعت بطانيتين سميكتين بدلاً من البابين)) ص30... ويرى المرضى سايكلوجيا (لاسيما أولئك الذين يلاحقهم الماضي بهراوات فقره وحرمانه) في التعويض شفاءً لعلتهم الداخلية التي لا تشفيها القناعة بما حاصل والرضا بما موجود. وأيضاً يرى البعض منهم أنهم إنما يمتلكون كاريزما تميزهم عن الآخرين فينظرون لما حولهم بضِعةٍ فيما ينظرون إلى أنفسهم بعظمة.  ومن هنا تتحفز نوازعهم للقفز والتحرك إلى أجواء يسعون لتحقيق ما يصبون إليه (أريد أن أكون عظيماً. لأنني هنا كطيرٍ كُسرت جناحاه. فأنا أختلف عن الآخرين في كل شيء. حتى لكأني لا انتمي إلى عالمهم الخاص. لذلك قررت الرحيل والبحث عن خطواتي.) ص43.
بنية الخطاب.. ومسار الأحداث
يتحرك الخطاب الروائي لـ((مواسم الإسطرلاب)) بإتباع طريقة “ الاستباق “، وهي ((أن يروي الكاتب حدثاً قبل أن يقع من باب التنبؤ، أو التمهيد لوقوعه))(4) باستهلال تشي ابتداءات تراكيبه بصورة تقدِّم تأثيثاتها شفرة حذر يسود الشخوص الممتلئين صمتاً، والمتوجسين أمراً لن يمر باليسر الذي يشبه فورة عاصفة عابرة.. شخوص ترتبط أمزجتهم بمزاج الرمز المتكينن إسطرلاباً يرسم مصيرهم، وفيه يرون القادمات من أيامهم.. أيام مترجرجة، محكومة باللا أمان. فالاستهلال يوارب أبوابه على حالة توجس وتطيّر من حدث سيقع على حفنة من الحرس وسط قصر يضم متسلطاً دكتاتوراً سريعاً ما ترتسم صورة صدام حسين في ذاكرة المتلقي وهو يخطو على اسطر القراءة وتقليب الصفحات بكل مظاهر الرعب الذي يشيعه حين ينظر وسمات العنجهية عندما يمشي، ما شكَّل معضلة كبيرة للخبير الذي انيطت به مهمة قراءة هذا الخطاب (الذي قُدم قبيل سقوط نظام صدام)، فلم يلتجئ إلى التخفي والتمويه بغية الهرب من السقوط في شبكة التأويل السلبي مع إبقاء غيمة تذكير القارئ طافية في سماء تشكيل الصورة الأولى للذي يقع عليه فعل السرد. من هنا وجد الخبير نفسه في مفترقٍ تنذر جميع اتجاهاته  بخطر مريع وعاقبة مأساوية. ولو كان هذا الخبير ممَّن ينتهزون فرص الإيقاع بإخوانهم في الإنسانية لركض مهرولاً يعرض اكتشافاً لمناهِض سيده، ولقدَّمَ رقبةً ينتظرها حبلُ المشنقة أو صدراً ينتصبُ هدفاً لرصاصٍ ينتظرُ أرجوزةَ الدم. ((الرواية جريئة، ورموزها واضحة. والتأويل)) (5)، و ((أمامي أن ارفضها.. وأخاصم روحي.. أو أعلن الموافقة فاحتمل الأذى بكل نتائجه وممارساته))(6). ثم يضيف ((كانت محنة.. لم أكن فيها بطلاً.. خفت عليَّ، وخفت منّي على الروائي))(7). وهو في ساعة ربكة وموقف مترجرج: بين الرفض الذي يصاحبه إيثار وتضحية أو القبول الذي نتائجه مَحقاً للروائي ونفياً للرواية. ولقد اختار الاحتمال الأول. فحسناً فعل، وحقاً أنقذ. فمن يقرأ الرواية ستقوده مجسات التخيل من أول اسطرها إلى صدام حسين والكاريزما التي ساهمت في تشكيل شخصيته مثلما سترتسم أمامه ملامح (كابريرا)، و(ستالين)، و(هتلر)، و(البطريرك)،  ونماذج لا تحصى من الغارقين في بحر الوهم والجنون.
تطلعنا الصفحات السردية الأولى على قلق يعتري الرئيس. ولا يبدو القلق شيئاً بسيطا يمكن تجاوزه إنما يتجسد شبحاً ثقيلاً يتغلغل إلى أعماقه فيتركه حزيناً، متطيراً، مرعوباً حتى أنه ((أجهش بالبكاء، ربما تكون المرة الأولى التي يبكي فيها. لقد نسي شكل الدموع.. كان يراها في عيون الآخرين فقط. ومن خلف حزنه العميق راحت الصور الأولى تتسابق أمام عينيه الحمراوين. أطلق حسرةً أليمة ليقتلع آخر عشبة للصبر في مساحة عقله اليابس. إنه الوباء. هكذا قال. ما أمر به هو الوباء. أكثر من الطاعون. لو بقيت هكذا  فمعنى هذا أنني أعيش اللحظات الأخيرة قبل الانزلاق إلى مهاوي الرحيل الأبدي. وأنا لا أريد هذا السفر المخيف. سأحرق أي شيء، وكل شيء.)) ص18 إنه يستشرف نهايته ويقف عند مرفأ يقين أنه منته لا محال. فالوباء / التغيير قادم. وبحلول هذا التغيير (الوباء كما يتصوره) سيحل رحيله الأبدي.. سيموت جاهه، ويتمرغ كبرياؤه، ويخسر كل ما هو يسير بين يديه وما يمتلكه.. فهل ثمّة وباءٌ افتك من هكذا وباء؟!.. لذا سريعاً اتخذ قرار شمشون (عليَّ وعلى أعدائي)، وصمم على ارتكاب فعل نيرون وساديته في حرق روما.
لقد تنبأ بمصير قاتم  لا خلاص منه. وهو تنبؤ سترينا قادمات الأيام  حدس صانع الخطاب الثاقب عندما سقط النظام سقوطاً مريعاً، وآلت النهاية إلى هزيمة مخزية ؛ فليس ابلغ من هذا التداعي الذي يحصل للموهوم من استشراف نهايته على لسانه بتصوير من استشراف صانع الخطاب ((لن تكون أكثر من أضحوكة سيدرجها التاريخ عبرة للآخرين.)) ص46 

لعبة إيهام المؤوِّل

يتخذ كثير من صناع الخطابات حين يتناولون موضوعات قد يقود التأويل فيها إلى العقاب البدني الذي يصل حد الموت مسلكاً تمويهياً يجعل لهم قدرة النفاذ منه حين تحل المواجهة ويبدأ التساؤل الذي يجبرهم على الإتيان بجواب مقنع للمؤول يمنعه من إنزال العقاب المميت بهم... وفي هذا الخطاب، وبعد عدد من الصفحات التي ترسم للقارىء صورة دكتاتور دموي ومهيمن (لا يمكن أن نؤولها كقراء إلا هكذا) ينحرف صانع الخطاب  بمساره السردي فيجعل منه (كشخصية مركزية في الخطاب الروائي) رجلاً ريفياً لا يملك غير أوهام تتناسل في رأسه، وحمار ((صديقه الذي لا يعارض لأنه  ببساطة لا يفكر، ويُقاد إلى حيث يؤمَر)) ص108 يتخذ منه رفيق درب عند أرض ابتغى من خلال العمل فيها أن يجني زرعاً يدر عليه حين النضج والقطف أو الحصاد مردوداً كان له الهدف المبتغى.

ويراوغ صانع الخطاب في كشف الشخصية التي تقودنا إلى إعادة صورة الدكتاتور حين يقتنع  أنه مارس قدراً لا بأس به من التمويه. فيعود ليرمي عدداً من الأسطر التي تعري توجهاته في نيل الرفعة  والسمو عبر حالة وهم تتلبسه ورعشة عظمة تعتريه. يجعله يسعى لأن يكون طائراً لا يلامس الأرض، بل في حالة من التحليق، يردد كلما طلبت منه الزوجة التي ظلت بكراً أمام عجزه الفسيولوجي الآتي من انهياره السايكولوجي، والحائرة في كيفية إعادته إلى حياته الاعتيادية التي يحياها الناس العاديون في المجتمع ((أنا انتمي لعالم غير عالمكم هذا)) ص94 هذا اللا انتماء يفضي إلى نزوع يقرب من الجنون.
وتستمر مراوغة صانع الخطاب في الكشف والتمويه على امتداد الرحيل السردي الذي يأخذنا في دروبه. ففي الوقت الذي وردت أخبار عنه من أنه صار درويشاً يقرأ طالع الناس ويبرىء المرضى ويشفي المعلولين وله قدرة خارقة وفائقة في معرفة حوادث الزمن القادم ينقلنا إلى ما نسترعه دكتاتوراً ((يسير حيث حاجة الناس إليه. يستقبلونه بالهتافات. طالبين منه تلبية رجائهم وحلمهم بالدخول إلى بيوتهم.)) ص174 ((لقد تمكن من إدارة الرؤوس والحناجر لتهتف له بأشجع الكلمات وأعذبها، مضحين له بالروح والدم)) ص200 يزيد من ذلك ورود مناصب من مثل  وزير، ورئيس حرس، وسرايا الامن،.  واماكن كـ(بوابة قصر)

 الشخصية الضد في الرؤى

تشكل الزوجة التي تركها الكاتب وزوجها الرئيس بلا أسماء (وهي إحدى المفارقات التي احتواها هذا الخطاب) الشخصية المحورية الثانية التي تتوازى في تحركها مع حركته ومشغولة بهموم تترى جراء انشغاله هو بمساعيه وغاياته.. زوجة تشعر أنها ابتليت بشخصية معقدة تتناسل في رأسه أوهام وأفكار طابعها الأنانية وهدفها الوصول إلى مبتغاه. تجد نفسها واقعة في مستنقع حيرة لا تدري كيف تخرج منه لتنقذ كيانها وتحافظ على تاريخها وعفتها مثلما لا تريد لمن يتعاملون معه أن يقعوا في فخ حيله وشباك خداعه. لقد ظلت تدور في دوامة الأفكار المقلقة ومتاهة الحظ العاثر. ظلت تراوح في مكانها، لم تقفز على واقعها المر، ولم تفكر بما يمكنها من تتجاوز وجوداً لا يجب أن يبقى مُكرَّساً إلى ما لا نهاية.
. وحينما جاء الثرثار باخبار تعلق الكثيرين به وحاججته بأن الناس تلتف حوله صبّ لومه عليهم، مديناً صفةً اتَّصفوا بها منذ الأزل.. تلك هي تصديق القادم بما يقول، وتبجيل ما يفعل:
 (( - من أين لكم هذه المعلومات؟  تسأله.

-        أيُّ فعلٍ، حسناً كان أم سيئاً ينتشر مثل رائحة الشواء.

-        لكن المدن الأخرى فرحة به كما تقولون.

-        لأنهم سقطوا في  فخاخه. لا يعرفون ماضيه كما نعفه نحن.

-        لكنهم يصدقونه.

-        مثلما صدقنا الذين قبله بحيل وأوصاف ووعود مختلفة.

-        لكنهم يزدادون تعلقاً به.

-        مَن الذي يصنع الواهمين غيرنا. من الذي يستطيع أن يقف على الرقاب دون أن تنحني له القامات.)) ص170

نعم كان يوهمهم بعسل الكلام، ويفتح أمام مخيلاتهم فضاءات شاسعة لسعادة قادمة وأفراح لا تحد. كان يقول مظهراً  تواضعاً وبراءة: ((ما أنا إلا مخطط لطرق الوصول إلى مبتغاكم. أنا خادمكم وهذه رسالتي)) ص173. وهي عبارات تعيدنا إلى مشهد وقوف صدام من على شاشة التلفاز في العام 1979 يخاطب المشاهدين ((لن أكون السيف الأوحد بل سيفاً بين السيوف)). غير أن التواضع والبراءة اللتين بث رائحتهما في سماء حياتهم سرعان ما استحالت إلى عنجهية وشعور بالتميز وتوصيف اقرب ما يكون إلى صفات الباري مظهراً أن مصيرهم متعلق بإرادته، وأن تاريخهم يرسم بيده. ((أنا الشافي، والهادي، والمخلص من أوراق الماضي وما علق في العقول. أنا زارع الأشياء الجديدة في الحياة. أنا مبدل الأحوال ومغير الأفكار. وأنا الذي يقرر من يموت.. ومن يحيا. لأنني أملك مفاتيح كل الأقفال.)) ص174... كل هذا وغيره الكثير كانت تشهده الزوجة.. ترى وتسمع.. تتلقى وتكبت.. تعاتب وتغتاظ. وأخيراً تمزق شرنقة التحمل، وتنفض عنها غبار السلبية التي رافقتها على امتداد القص عندما اندفعت تقطع البراري من أجل الوصول إليه.. دخلت قصره، ووقفت عند سرير نومه، وأبصرته يلفظ الأنفاس، طالباً المغفرة. لكنها ومثل الجموع التي لا تعد ولا تحصى ممن ذاقوا تعذيبه وقسوته لم ترأف به ولم تحنو عليه، إنما تركته يتجرع الموت بائساً، حسيراً... ومع أنها كانت تحمل سكيناً بين طيات ملابسها وبإمكانها غرزه في قلبه لكنها لم تفعل: ((لا تخف، لن أقتلك. رغم أنها رغبة الناس جميعاً وليس رغبتي الوحيدة.))ص278
العرافة.. والثرثار
أحكم صانع الخطاب بموازاة وجود الرئيس وزوجته رسمَ شخصيتين لهما دلالتهما المهمة والكبيرة في مسار السرد ؛ تلكما شخصية العرافة والثرثار إذ جعلهما قطبين فاعلين يتلمَّس المتلقي حضورهما سواء من خلال الحوار أو التداعي. ولكل من هذين القطبين ضمير متفاوت في التحرك.. إذ شكلت العرافة شفرة امتلاك رؤية مستقبلية هي دلالة القوة الخارجية المهيمنة عليه من أجل الوصول إلى هدفه الذاتي  ولا يهمها سوى حصاد منفعتها منه وهي ترسم خطى تحركه وتكافئه على تطبيق رؤاها بينما مثلت شخصية الثرثار في مسار القص شفرة دالة على قوى الخير التي لا ترتضي رؤية الناس يتهافتون على حب مرائي ومخادع، وواقع ينحدر والناس في خطاياهم يعمهون.. كان يردد ((واجبي الآن أن اجمع الناس المثقفين الطيبين المؤمنين لنقول لأهالي مدينتنا أن الانزلاق خلفه يعني الوصول إلى الرذيلة، وما بعدها يكون الموت.)) ص164. وتسمية الثرثار جاءت من نظرة الزوجة في رفضها لما كان يأتي به من تصوير وتحذير وأخبار فعل كان يرتكبها الزوج.

حِبكةُ التقهقر.. حكمةُ الخطاب

ويختتم خطاب ((مواسم الإسطرلاب)) الروائي بحبكة الخاتمة السلبية أو (الحبكة النازلة)(8) حيث يكون ((التأكيد فيها على تحطم، أو تراجع الشخصية الرئيسة، واندحارها أمام الحوادث)) (9) على عكس حبكة الخاتمة الايجابية أو (الحبكة الصاعدة)، إذ تحقق ((الشخصية الرئيسة بعض ما كانت ترجوه من أهداف)) (10) مكاسب سامية حتى وإن كانت  ذاتية مثل تحقيق الهدف في زواج أو نيل شهادة عبر اجتياز العديد من المعوقات والمفاجآت تسلحاً بالصبر والجلد واعتماداً على نفس صادقة، حيية، مؤمنة. وتوصيف كهذا لا ينطبق على الشخصية الرئيسة في ((مواسم الاسطرلاب)) الذي كان على امتداد مساره الحياتي  مرائياً ومخادعاً ؛ دموياً ومنتقماً.. يبث الرعب والهلع، يصنع  الكوارث والمآسي. فكانت خاتمته موتاً لم يصدقه الناس ((لم تسمع حتى شائعة واحدة تتحدث عن موته. بل أن الأمر يرجعونه إلى واحدة من حيله الكثيرة التي درج عليها ليعود لهم بالكثير من السطوة والخوف)) ص282  يذكرنا ذلك بموت ستالين عندما وجِّهت الدعوة إلى المواطنين الروس لإلقاء النظرة الأخيرة عليه وهو في التابوت فظنوا بالدعوةِ الظنون وداهمتهم خشية أن تكون هذه إحدى ألاعيبه التي كان يلعبها عليهم لاكتشاف مدى حبهم له، وتعلقهم به..لا شك أن خطاب ((مواسم الاسطرلاب)) كتب تحت ضغط نفسي كان صانعه يعانيه في زمن الأزمات التي ظنها الشعب لا تنتهي: أولها تعاقب سنين الضيم والجور وآخرها الحصار الذي سحق ومحق كل شيء، وكادت الأنفاس التي بقيت تعلو وتهبط متناقصة في صدور عليلة أوشكت على الهلاك أن تتوقف لتحكي موت شعب جبل على عبادة الأشخاص، وخلق جزاريه بيده.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية