العدد(81) الجمعة 2020/ 24/01 (انتفاضة تشرين 2019)       الاحتجاجات تتواصل وسقوط شهداء جراء القمع الأمني وهجمات مجهولين       متظاهرو البصرة تقدم لهم "وجبات قمع ليلية"       بلاسخارت: العراق يواجه أزمة جدية وهو بحاجة لدعم المجتمع الدولي       حكايات من ساحة التحرير ..الأجهزة الأمنية تطارد المسعفات وتعتقلهن       دخانيات       شهد تغييرات بالدول العربية..مؤشر الديمقراطية العالمي يضع العراق بمرتبة متأخرة!       7 قتلى في البصرة.. المتظاهرون يتهمون قوات "الصدمة" وعميدها       بعد اختفائه في ذي قار.. شقيق مخلد الشمري يروي تفاصيل اعتقاله وتعذيبه!       متظاهرون غاضبون يحاصرون مقر إقامة المحافظ.. وعناصر حمايته يردون بالرصاص    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :53
من الضيوف : 53
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30136797
عدد الزيارات اليوم : 13972
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق اوراق


ما يتبــــدى مـــن الشعــــر..قصائـــد (طبعــة ثانيــة للتاريخ) أنموذجـــاً

جاسم عاصي
لعل عنوان كهذا  يشتغل حصرا ً على شعرية قصيدة الشاعر (الأب يوسف سعيد) ذلك لأنه ينتمي إلى  التنوع في الرؤى، والإفاضة في مكوّناتها  إلى حد تشكيل نمط من أسطورية  جديدة، بمعنى ــ أسطرة ــ الواقع أو الواقعة. فالكثافة التي تنطوي عليها  قصيدته تومئ بذلك،


محاولة أن لا تترك نوعا ً من الزوائد في التعبير ولا فراغات سوى ما يُعين المتلقي الدارس على أن يبحث في ما وراء العبارة الشعرية من خزين معرفي له علاقة بالماضي والحاضر، وحصرا ً ما يتعلق بالتاريخ، لاسيّما بخصوص المفاهيم والرؤى، مكتفيا ً بخلق بؤرة للكلام الشعري ينحدر بكل تلقائية باتجاه تجميع تفرعات الرؤى وتكثيفها في بؤرة واحدة، أي في وحدة القصيدة وترابط أجزاءها مع بعض.
ولعل ما يقودنا إلى تصور معرفي كهذا، أننا أمام شاعر أولا ً وأب في الفكر الديني ثانيا ً. وهاتان الصفتان تجمعهما الخاصية الإنسانية في بؤرة واحدة كما القصيدة. فالشاعر ــ الأب يجمع في تصوراته الكوني والدنيوي في صورة واحدة يمثلها الإنسان. وأرى أن هذه الخاصية هي التي ولـّـدت لنا شعرا ً لإنسان يمارس مفاهيمه  المختلفة ببعد واحد كبير ومكثــّف في  إنسانية الإنسان، التي تسعى المبادئ بعامة، سواء كانت سماوية أو وضعية، في التركيز على الإنسان. هذه الصورة في مفهوم (الإنسان ــ الأب ــ الشاعر) هي التي دفعت بالأب الشاعر إلى أن يكون إحساسه الشعري بالوجود تلقائيا ً منطلقا ً من مستقر مبدأي. وهو سبب، يُضاف إليه الثقافة التي تحلى بها الشاعر ــ كما نرى ــ والتي رشحتها رؤاه في الشعر، في كونها كونية منفتحة ودنيوية شاملة ومستقرة ومتوازنة مفهوميا ً. فالكوني حين يتبدى أمام الإنسان يدفع إلى تساؤلات، وهذه التساؤلات هي التي تقود إلى الأسطورة. والأسطورة بشموليتها ونسقها المنفتح على الكون والوجود، لا تضع محددات للنص، بقدر ما ترمي إلى نوع من الحراك داخل منظومته الشكلية والموضوعية، عبر تبادل الأوجه في التعبير من أجل الإغناء، سواء في المعنى أو المبنى. وكل هذا محكوم بجدلية في خلق النص المحدد في موقف.. يكون أو لا يكون. وأرى إنها ما يحقق الجلي لكشف مكوّنات النص، بحيث يصل به الى الصورة الأكثر إبهارا ً وسطوعا ً. فاللغة في النص لا تحقق وجودها النامي والمتحرك والمتحول، إلا إذا نـُظِرَ إليها على أنها ليست تقنية وحرفة وأداء ميكانيكية، بقدر ما هي خاضعة لدوافع سايكولوجية. تهتم بما ينعكس فعلا ً من صور الوجود ضمن داخل المنتج، وبالتالي يخضعها إلى مجموعة رؤى تـُسهم في بلورة النص. فالشاعر غير ملزم بما ينطوي عليه الواقع من حراك يؤدي إلى خلق الانفعال الوجداني فقط، وإنما يخضع ذلك إلى الانتباه والإحساس بما تعكسه الأنساق التي عليها الواقع، ثم بما يفرزه من رموز وعلامات تكون الدليل الأكثر توفيقا ً في رؤية هذا الواقع. من هذا يتم التعامل مع  طبيعة محركاتها الداخلية ــ الذاتية ــ وعدم الاكتفاء بصورتها الخارجية، أي حراكها المرئي، لأن ذلك مدعاة إلى الاكتفاء بالانطباع السريع لها، بينما يكون تأملها  يقود إلى التبصر في تشكيلاتها الذاتية  لكي يخلق نوع من التعادل بين الموضوعي والذاتي. فعلى الرغم  من وجود صلة بين الشعر وتصوير المشهد، إلا أنه تصوير يخضع للذات، أي بما تراه هي وليس كما تخلقه ذاتية المشهد، فالعين الرائية تستطلع، والعين المبصرة تتوغل. وهذا أيضا ً يخص الشعر باعتباره تصوير لما هو غير مرئي في نص مرئي.
إن قصيدة (الأب يوسف سعيد) تنحو إلى النزول بالكوني إلى مصاف الفعل اليومي، من خلال خلق صلة بين ما هو كوني، وما هو ذاتي موضوعي، يشكـّل مركز الصراع وجدل فرز الصور التي عليها الواقع. فما يراه بعينين باصرتين بجهد ؛ هما عين الأب الذي يحمل رؤى دينية فلسفية، وبين رؤى شاعر يميل أيضا ً إلى مستويين من النظر هما ؛ رؤى واقعية محكومة بالعلاقات الإنسانية مع الموجودات، ورؤى محكومة بتصور ديني ولا أقول لاهوتي. والثاني فيها كبير الشيء من الانفتاح على الأشياء والأفكار والمفاهيم والحالات الصغيرة والكبيرة  وجمعها في بؤرة التأثير المباشر وغير المباشر. من هذا أرى أن شعر (سعيد) ينحو إلى إنزال الكوني إلى الأرضي، لعقد زواج شرعي بين مكوّنين لا تفصل بينهما سوى حالات التحجر المذهبي والعنصري، مما يخلق نوعا ً من ارجاع الصدى. بينما نجد أن في شعره محاولة لخلق منطقة مهمة وحساسة اختارت أن تؤسس لها مبنى ومعنى متنوعا ً على طول شعرية الشاعر في ديوان (طبعة ثانية للتاريخ). والعنوان ينطوي على نوع من التنبيه  إلى اعتراض على مستوى المدونة التاريخية. أي، لمّا كانت هذه طبعة ثانية، فلابد من وجود طبعة أولى. وما وجود الطبعة الثانية، إلا نوع من الاعتراض على المحتوى والنسق المدوّن سلبا ً كان أو إيجابا ً. فالطبعة الثانية تعني وجود اجتراح آخر لنفس البنية المراد تدوين تاريخها إلى جانب الرؤى المتفحصة لتلك التفاصيل التاريخية،  فالعنوان ينطوي على نوع من العلاقة بالمتن الشعري، أي  أن في هذه الطبعة انطواء على الرؤى الجديدة. وهي دعوة من قبل الشعر لإعادة النظر في التاريخ المدوّن من جهة، وإعطاء دور للنص الإبداعي في أرخنة وقائع التاريخ، ولكن برؤى فنية رفيعة. وهذا يذكرنا حصرا ً بعلاقة الرواية بالتاريخ، ومستوى هذه العلاقة التي تـُلغي المكوّن الأساس عبر الانفتاح على التاريخ وفهمه فهما ً شاملا ً بعيدا ً عن وقائعه ورموزه وما ترتب عليه من رؤى وتصورات ذاتية وموضوعية. فمنتج النص الإبداعي يصوغ التاريخ برؤى فنية خالصة، تفرز الصورة الأكثر نقاء، بعيدا ًعن رؤى المؤرخ المنحازة إلى هذا أو ذاك وفق أزمنة وأمكنة متغيرة.
من هذا نجد أن شعر (الأب يوسف سعيد)  ينطلق من الـتأسيس الرؤيوي المنطلق من التاريخ الإنساني، وهذا معلن من خلال العنوان الرئيسي كما ذكرنا، باعتبار أن ما يحتويه الديوان من قصائد، هي بمثابة إعادة تدوين التاريخ بطبعة ثانية.
الرؤية الثانية في الشعر/
لعل النظرة الفاحصة لقصائد الديوان تستوقفنا العديد من المحاور التي عالجتها القصائد. وهذه المحاور تـُبأر في مركز واحد ؛ هو إعادة النظر في الظواهر من خلال الانعكاسات الحسّية التي تركتها على الذات الإنسانية، متمثلة في ذات الشاعر. كانت اللغة الوسيط ذات خاصية إيحائية، تبدو مباشرة في سياقها الخطي، غير أنها في تشكـّل بنيتها على صعيد المعلن والمضمر، أكثر تركيزا ً وأعقد بناء وأكثر كثافة. فاللغة الشعرية تحقق ذاتها كوسيط عال النبرة، يستعين بالذاكرة أولا ً، ثم الصياغة المتولدة من كثافة الرؤى ثانيا ً، محققة توازنا ًفي إعطاء المعنى وبين إضماره ثالثا ً. وفي جملة هذه المستويات نقف على قصائد مولدة للبنيات، مستخدمة الحفر والتشييد على ظواهر تبدو مألوفة، إلا أن الفضيلة في الشعر هنا، هو جعلها أكثر إبهارا ً. لقد راوحت القصائد بين قصائد قصار وأخرى طويلة نسبيا ً. وفي كلا الحالتين، ثمة تحقيق لرؤى جديدة.

الرموز ودلالاتها.. الانفتاح ووظيفته /
يحاول الشاعر أن يُحقق موازنة في تناوله لرموز المطلق مثل (النهر، الصحراء بدلالة الصبيّر، الفضاء)  من أجل أن يُحقق بعدا ً دلاليا في ما هو  يزمع التعبير عنه. كذلك يـُعين هذا برموز الخصب والنماء. كل هذا ينعكس بشكل متوالي كاشف لرؤى منفتحة على الرغبة في التغيير:
 انعكافات نهرية، داخل أزمنة مهرولة
        فوق جسر الذهول
        صبّير يفتح دربا ً
        في صدر الفضاء
        ليحلب أثداء متدلية 
فالعلاقة بين أن تكون الأنهر منعكفة في سيرها، وهي رمز الانفتاح والعطاء وحصرها في ــ الانعكاف ــ وبين الأزمنة المهرولة. إذ نلحظ ثمة نوع من التوازي بين رمزين من الدلالة على حركة الزمن، لعل الصبّير رمز مطلق كاشف لبيئة الصحراء يؤدي إلى انفتاح أمام مفردة ــ الفضاء ــ. في هذا مفارقة بنيوية. ولعل ما يعمق هذا هو فعل حلب الأثداء. وبهذا نرى أن مجموع هذه المفارقات في الرموز، يكشف عن وجهة نظر لها علاقة بما ينوي الشاعر ممارسته في تدوين صور الواقع. إن المفارقة تخلق نوع من شكل الموقف الرؤيوي لما هو جار في الواقع.
في مقطع آخر نرى تأكيد على ما سبق، ولكن على صورة أخرى. أي أن مجريات الواقع الذي هو جزء من ارشيف المدونة التاريخية المزمع انجازها تدور في فلك دائري يكرر نفسه:
        كل ما هنالك
          ضفاف من جبل مرمد
          يلولب بأصابعه الحجرية 
          محارّة خضراء.
          لا محالة آتية تلك المسافة /الأنوثة
إذ نجد هنا اجتماع  عناصر المفارقة (مرمد، الحجرية) مثلا ً. غير أن ذلك مرتبط برؤى كاشفة عن انفتاح على المستقبل، وذلك متحقق من خلال (خضراء، الأنوثة) وهما دالان على الخصب والعطاء. بهذا الأسلوب يتعامل الشاعر مع اللغة. أي أنه لا يتركها مسايرة لسطح ثابت، بقدر ما يترك للمفردة فيها أن تـُعطي دلالاتها. فالتضاد في نظر الشاعر لا يعني الالغاء الذي يقود إلى العجز عن التحقيق. بل أنه يفتح الكوى من خلال المفردة الدالـّة. ولتأكيد هذه الصورة المتفائلة، يتواصل النص الشعري بدلالات مباشرة وغير مباشرة في مقطع آخر:
         ثمة إيماءات
          تصنع قفـّاز
          البهجة
          لكلمة خضراء ساقطة في حذر تام
          تعانق وجه تفاحة الأفق
          ونحتسي الحياة من
          وجنة الشمس 
في هذا المقطع، نرى أن الشاعر يؤكد بإصرار على الصورة المنفتحة على الوجه الأبيض من الحياة. إذ تنعدم إزاء ذلك الصورة السوداوية التي قد تحجب رؤية الإنسان عن متحققات الرؤية النافذة. فالشاعر إنما يؤكد على ذلك بتواصل الإيماءات مع البهجة مثلا ً في حين يكشف عن متحقق آخر في احتساء نبض الحياة من وجه الشمس، يُضاف إلى ذلك ما يضمره رمز التفاحة  من دلالة في تكوين الوجود. هذه الرموز والعلامات تعمل في الشعر من خلال حركتها البنيوية المكوّنة للموقف والحس الإنساني. 
إن التعامل مع اللغة في قصائد (يوسف سعيد) تلتزم الحذر من الزيادة في التعبير الذي يذهب بالشعرية إلى منحى يطيل العبارة ولا يوجزها، وبهذا على حد قول (النفـّري) في اتساع الرؤيا وضيق العبارة. فالإيجاز سمة ايجابية تقود إلى التكثيف في طرح المعاني، لذا نجد الشاعر يحاول أن يوحي من خلال عبارته الشعرية، من باب ايجاد سند دلالي للمفردة وهي ترتصف مع مثيلاتها في الدلالة وليس الخطية الحروفية. فما يريد التعبير عنه يأتي بصيغة الالتفاف عليه دون الإعلان عنه مباشرة. وبذلك يضعنا أمام صيغة ونسق يتطلب فهم المعنى عبر مكوّن لغوي بدلالة المفردة عن معنى مضمر، سواء في العبارة أو المفردة، كما نلحظ في هذا المقطع الشعري:
 منوعات جد ثمينة
           متروكة في شرفة الذهن
           حيث مياه مالحة
           تبحث عن
           وطن المسيح
           القادم
            فوق صقيع العبارة 
في هذا المنحى من التعبير الشعري، تستوقفنا جملة مؤشرات تـُحيل إلى مفاهيم ومعتقدات. فعبارة (منوعات جد ثمينة) تـُسفر عن تعددها، وتؤشر قيمتها. وهذا واضح من العبارة مباشرة. وهو افتتاح يقود إلى عبارة أخرى لمعرفة تلك القيمة، وبماذا ترتبط. وهو سؤال قراءة بنية النص، إذا ما نـُظر إليه على أنه يُسهم في كشف بنية الواقع، أو على نمط العنوان للديوان حصرا ً في الرؤى الجديدة. وتأتي مفردة (متروكة) لتعطي حالة جديدة، وربما ظاهرة، إذا ما نـُظر إليها من خلال ربطها بالمهمل والمتروك في الفكر والمعنى. لذا من خلال ملاحقة العبارة، تستوقفنا الشرفة التي تـُركت في ذاكرتها تلك الأشياء الثمينة، حيث تـُحيلنا إلى الذهن. وهذا بدوره يؤشر لنا ؛ على أن ما تؤشره العبارة الأولى، ما هو إلا إشارة إلى بنية فكرية مغيبة ومقموعة، لاسيّما ارتباطها بالمياه المالحة التي لها علاقة بـ (آبسو) في أساطير النشأ التكوين. ولكي تكتمل دلالة العبارات الشعرية  لتشكل كيانا ً تعبيريا ً عن ظواهر تاريخية ذات متن عقائدي، كشفت العبارة عن بحث بصيغة انتظار  المخلـّص. وهنا حصرا ً يكون المسيح القادم، حيث تكشف العبارة اللاحقة عن الكيفية والسبب الذي أضمرته العبارة اللاحقة في (فوق صقيع العبارة)  وهو معتقد انطوت عليه الأديان ومذاهبها في انتظار مخلـّص، كما هو الإمام المنتظر عند المسلمين الشيعة، والمسيح في الديانة المسيحية. ما نريد أن نقوله على عبارة الشاعر، كونها تـُضمر ولا تـُعلن، وبهذا تحقق مستوا ً من الاختزال والتكثيف في العبارة، وهو من مستلزمات الشعرية في الشعر.

التناص صورة تعبير /
ومن باب التناص مع التاريخ  والعمل على اتخاذ صورته المشرقة دالا ً ايجابيا ً، نراه يتخذ من ثورة الزنج، صورة دالـّة على مستوى الإشراق في التاريخ. وكأنه يُشير إلى المسكوت عنه. غير أنه كشاعر يتحاشى الخوض بمثل هذا الاتساع الذي قد يخلق جفافا ً في التعبير. وكما اعتاد يكتفي بالإشارة التي تعمق المتن التاريخي، بما يورده من أثر وتأثير:
           يا ألله
            كم خشخش الزمهرير في جعبتي
            ورقـّصَ دعاء عبيد البصرة في ساحات  
            مخيلتي
            أتوقف
            أحس بأصوات الرعشة
             صعود ملتو
ضمائر تتأرجح على حبال المحبة
             وتفتح أكثر من شراع فوق رأس التنين 
ولندقق في دلالات مفردات وجمل هذا المقطع الشعري، فـ (يا الله) دعاء فيه استجارة وليس تمني،  حيث يُلحقه بعبارة تكشف المعاناة الذاتية الدالة على ثقل مالا تحمله ذات الإنسان من ثقل المعنى المتركز في (الزمهرير) الذي أيقظ الذاكرة المعرفية في (رقـّصَ). وهي عبارة تـُشير إلى  الطبيعة التي عليها دعاءات العبيد أي بنية حركتهم. ولأنها تعتمل في ذاكرة الشاعر ــ الإنساني المنهج يـُحيل الحركة إلى الذهن ليعمق دلالتها الفكرية في المنهج والمعتقد الثوري في مفردة (مخيلتي) التي تتسع خارج دلالتها الخطية، باتجاه دلالتها التاريخية. ولكي يلاحق الأثر والتأثير، نراه يُشدد على ما تركته تلك الذكرى من أثر في (أتوقف، أصوات، الرعشة) لكي يُحيلها إلى واقع معاش في (صعود وملتو) يلحقها بـ (ضمائر، تتأرجح، حبال) غير أن بنية هذا التأرجح يمنحنا صورة مشرقة. فهو تأرجح لا يدل على العزلة والنكوص، بقدر ما يكشف عن الإقدام لأنه ارتبط بـ (المحبة) ثم ساهم في اتخاذ الموقف في (تفتح أكثر، شراع، التنين) وعبارة (فوق التنين) دال على موقف فيه تحد واصرار.
الانتماء إلى المكان.. صورة المغادِر /
ولا ينفك بأن يضع الخاص بموازاة العام من حيث مفهوم الانتماء إلى المكان، الذي يتجسد على شكل انتماء حسي ــ صوفي:
 العراق في بؤبؤي اقحوانة
               يدي ترسم توهجات عنيفة
       أحسها في تاريخ مبصوم على جسدي 
وعبارة (مبصوم على جسدي) دالة على العلاقة التي أشرنا إليها في ما يخص الانتماء للمكان ومن ثم للوطن. إن المسافة التي يجدها الشاعر وهي الجامعة للحس الشعري الكاشف عن المواطنة، لا يسعفه سوى التعبير بقدر من الإحساس. وهو يقدم صورة لما كان يرى ويحس، في عكس ما يتوارد من خواطر متنها الأساس المعايشة والحس الإنساني الذي عاشه الشاعر مع بقية أبناء شعبه:
  في هذه المسافة فقط             
            دوائر لها حفائر
           عميقة
            لكنها معبأة بطين أحمر وأحذية
            الجنود القتلى 
وبهذا يحاول أن يـُكمل رؤيته للتاريخ، كما يرى أحداثه، لا كما رويت له. وهنا تتوضح دلالة العنوان للديوان في ما يخص الطبعة الثانية للتاريخ، حيث نجده يتعمق في الحسي الدال على الإنساني، والذي يلخص رؤية المدون أو المعيد للطبعة الثانية هذه:
 آه، تتسلق أزمنة البحار القديمة
             ساكبه دمها في اسفنجة مستطيلة
             مصنوعة من تخثر المياه المعدنية
             تمطر في هذه الأجواء أسئلة حارّة
            تـُبعدني عن المسافة التي تشدني
            بموانئ السفر
            بعيدا ً، بعيدا ً، حيث أخشاب واقفة يصلب
           فوقها الرجال
           وعوا أوصاف مجازر التاريخ
          أدركوا، كيف تنبت في فم القنافذ أسنانها
          الصغيرة 
في هذا المقطع تتجسد مدركات الواقع الذي شكلته مدونة التاريخ على نحو آخر، غير أن ملكة الشاعر تـُعيد تدوينه على نحو آخر أيضا ً. فإزاء تشكلات رؤيوية عما مضى، تبرز الأسئلة  كما ذكر النص. وهذه الأسئلة تحاول أن تـُبعد الذات عما ألفته من صور. ولكي يُعبّر عن غربته عن الوطن، والذي له علاقة بتاريخه عبر ما تفرزه الذاكرة من إشارات مثل (موانئ السفر) و(أخشاب واقفة يصلب فوقها الرجال). من كل هذا أكد على ما حققته  الذات لكي تنتهي مجازر التاريخ كما يصفها،  لكنها خلقت وعيا ً جديدا ً عما يجري. لذا كان واضحا ً إن عرفوا (كيف تنبت في فم القنافذ أسنانها / الصغيرة). إن العالم وهو يُقلـّب صور الحياة على هذا النحو أو ذاك بصيغة المتسلط  وقوة أداته، أثـّرت على أن يكون للتاريخ صناعة، يدركها الواعون وذوي القدرة على فهم الحياة. لذا فهذه الجدلية في الوجود تخضع إلى علة ومعلول، الأمر الذي يتطلب موقفا ً. والموقف الذي يقفه الشاعر باعتباره من صفوة الواعين، ينظر إلى مثل هذا التاريخ الذي أظهر للمتسلط وجها ً دون كل الوجوه النظيفة، التي لم تخدش وجه الحياة.
ويكون ذلك ممكنا ً وحاضرا ً في مقطع شعري آخر، ولكن بروح ونَفَسْ كوني فلسفي، يحاول  من خلاله  جلي وجه الوجود، ليظهر وجه الحياة الصافي:
       تـرى، ليست اللقمة تنتظر وجه الله
        لتمخر القوة في امتلاك جديدة،
        تعبر في ميازيب تشق خاصرة الكواكب المعزولة
        حيث نماذج الدهور تنتشل أسابيعها
        من مخالب الغمر 
هذه الصورة ترفدها صورة أخرى تـُظهر البراءة  إزاء القسوة، حيث تضيع صورة الحياة أمام منطق غير معقول، يحاول محو انسانية الإنسان. وهي دورة تستكمل صيرورتها في القهر والتسلط الذي هو جزء من مدونة التاريخ. فإعداد طبعة للتاريخ هنا، يعني إعادة  تركيبة الوجود بما يوافق منطق إعطاء وجود الإنسان باعتباره أثمن رأس مال:
              لكن حيوان البرية يحمل شهوة الصخور
                وإنسان وحيد
                 يحمل قيثارة الله وينشد 
هنا تبرز المفارقة بين وجود الإنسان أعزلا ً إلا من إنسانيته وإيمانه متمثلا ً في القيثارة التي تنشد للوجود ديمومته وزهوه، لا محقه وزواله. فالشاعر يُرفد مشهده الشعري بمثل هذه الانعكاسات التي تـُحقق رؤيته لما هو جار في الوجود الذي يعني به التاريخ المدوّن أو الذي لم يدوّن إلا في الذاكرة. إذ يدعو إلى أن يكون ثمة موقف أكثر وعيا ً وادراكا ً لا سيّما إزاء الصورة التي يكشفها المقطع التالي:

 قد يسأل الغد عن أقاليمه الجسدية
              فلا يرى
             إلا خطوات حديدية محفورة فوق
             حجارة هيكل ما 
كذلك يؤكد على صلابة الموقف الإنساني في:
             آه... سأكون بذرة محنطة في
               حنجرة
               الأوقات



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية