العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :58
من الضيوف : 58
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31728624
عدد الزيارات اليوم : 3822
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


مارغريت دوراس هذا هو الحب.. ذلك هو الموت

أحمد ثامر جهاد
يوما ما قيل عنها في جريدة اللوموند الفرنسية الشهيرة: إن مرغريت دوراس تزوجت عصرها." ذلك في إشارة إلى انخراط الكاتبة في معايشة قضايا عصرها برغم حسها الكتابي المرهف ونظرتها العدمية للحياة التي تخفي في أعماقها انشغالا ميتافيزيقيا بمصير الإنسان ومعزى وجوده العابر في هذه الحياة. وليس مستغربا انها تعد ان الرب في أعمالها كان متخفيا على الدوام في شفرات كتابية من دون ان يلتقطه احد من قرائها.


وعلى الرغم من انبهار قصص دورا ورواياتها بتفاصيل الحدث اليومي العابر، إلا أنها اختزنت في اغلب اعمالها حدثا مأساويا من نوع آخر. حدث يزلزل قيم أبطالها العاديين ويترك دهشة بادية على ملامحهم النفسية التي تشير إلى اختلال معادلة الحياة وانتقالها من الحب إلى الموت عبر جدل انساني مرهف يتفاعل في قصصها دراميا.
ربما لهذا تفضل دوراس الاتكاء على خزين الذكريات والرسائل وما تبقى بحوزتها من صور وشخوص ونكهات وملذات، قد تبدو أليمة حينا، لكنها حالمة أبدا. سنرى كيف يشبه فيلم (هذا هو الحب – 2001) للمخرج الفرنسي خوسيه ديان الروح الأدبية لقصص دوراس إلى حد كبير. سيما وان محور حكايته يستند إلى رواية كتبها يان اندريا شتاينر الشاب اليهودي الذي يظهر في غير عمل روائي لدوراس بوصفه اقرب أصدقائها، حتى انها كانت قد أهدت له عملها الروائي المعروف " عيون زرق.. شعر اسود ".
هذا الفيلم الذي أعده المخرج عن رواية ليان شتانير نفسه يصور فصلا من حياة الكاتبة في سنواتها الأخيرة ما بين عامي (1980 – 1996) وهي السنوات التي قررت فيها دوراس الاعتزال عن العالم والتفرغ للكتابة والتأمل مقيمة في مسكن هادئ متواضع. يان شاب متحمس ومنجذب لاعمال دوراس الأدبية، اعتاد التعبير عن مشاعره تجاهها عبر كتابة عشرات الرسائل اليها. بالنسبة لدوراس يمثل هذا الشاب صوتا منفردا يصلها بالعالم الخارجي الذي أهملته منذ سنوات، لكنه مع ذلك جسم غريب يقيم معها في المكان عينه، يلمسها بحنان، يداعبها، يراقصها، فيترك بحركتة هذه، أسئلة جارحة عن سر الاعتياد والجنون البشري.
وبعد اتصال قصير يقرر يان زيارة دوراس في منزلها فيدخل عالمها الذي يتفاوت في استجابته للغرباء. وفي الغضون تنشأ علاقة قوامها الاعتياد، تعيد دورا من خلالها تأمل كامل مسار حياتها ورغباتها المنسية. وتمتحن العلاقة هذه بين إقصاء ومودة، حب وكراهية، فشل وموهبة.
لغة هذا الفيلم تقتصد بدراية مبررة في تنويع أماكن الحدث والشخصيات. ربما لان لا شيئ يحدث أساسا أمام تسيد الحوار وغوايته بالنسبة لدوراس ويان، حتى ان المشاهد يشعر ان الكتابة والكتابة وحدها هي البطولة الوحيدة والحياة الحقة التي تستحق ان تناقش وتستوعب عبر تجارب هؤلاء الكتاب المبدعين. أمر كهذا يدفع دوراس للقول في سياق الفيلم: ان الحياة لا ترقى أبدا إلى ما نؤلفه، لهذا توقفت عن الكتابة. برغم ان الكتابة تعني لنا القدرة على الحركة، فهي شكل من أشكال الرقص، يحمل هذا الفيلم مزاج السينما الفرنسية وحسها المرهف بالأشياء.
وفي الوقت عينه يقدم لمسات أدائية رائع لممثليه: جين موروا بدور الكاتبة دوراس وايمريك ديمارغني بدور يان اندريا، حتى لو تكلم الفيلم عن الحب واللذة ومطالب الجسد فانه لا يخفي انشغاله الجلي بفزع شخصياته من الشعور بالخواء والمصائر الغامضة وجسامة الموت. وبأسلوب مؤثر ومقنع يجعلنا المخرج نشعر بأزمة الكاتبة في سنواتها الأخيرة التي قذفتها في وحدة موحشة.
فقط لانها خبرت كل شيئ في هذه الحياة التي أعطتها الكثير وما عاد هناك ما تستطيع منحه لها في خريف عمرها الموجع.هكذا ستموت دوراس بين يدي عشيقها يان اندريا، وأمام أعيننا تموت هي من الإفراط في تفحص العالم عن كثب، من الإفراط في الحب، من الإفراط في الاحتجاج على ظلم الحياة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية