العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :61
من الضيوف : 61
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31808980
عدد الزيارات اليوم : 13534
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


العراف لعبد السلام العجيلي توظيف العجائبي في السرد القصصي

د. فايز الداية
 تعدّ قصة الدكتور عبد السلام العجيلي «العرّاف أو زقاق مسدود» واحدة من أعماله المركّبة، إذ يتداخل الواقعي بالعجائبي من ناحية، ومن ناحية أخرى يتزاوج الدرامي بالسردي للوصول إلى حالة تجريبية في الإبداع الأدبي في سعي المبدع إلى التأثير في المتلقّي، ويصلح هذا العمل نقطة انطلاق للمقارنة مع قصصه الأخرى التي بنيت على المكوّنات الغرائبية أو العجائبية أوهما يشكّلان جانباً من بنيتها.


لا بدّ من توضيح المصطلح الذي يُتَداول في ساحة النقد وهو: «الفنتازيا» ويقصد به جموح الخيال الإبداعي في القصّة أو الرواية، وذلك لإعطاء مدى واسعٍا للقدرة التعبيرية على حمل دلالات تحتشد في التجربة الإنسانية، ولإحداث الصدمة الممتزجة بالمتعة الجمالية لدى المتلقّي، وكلّ هذا يؤديه مصطلحا: الغرائبي والعجائبي، ولا أرى ضرورةً للتمسّك باللفظ الأجنبي، خاصّة أن مفهوم «الفنتازيا» ليس مُتَّفَقاً على أبعاده، ولا يعني الناقدَ الالتزامُ بحرفية مصطلح وإنما الوصول إلى فسحة تفسير وتأويل للعمل الإبداعي في أدوات أساليبه و رؤيته.
في متابعتنا لمصطلح الخيال نجده يشير إلى جوهر عمل الأديب ويرتبط به فالمبدع لا ينقل الواقع المعاصر ولا التاريخي، وإنما يختار بعضاً من مكوّناته ويعمد إلى الإضافة والحذف حتّى يخرج من طبيعة الخبر ويدخل دنيا القصّة، ويرتفع الخيال إلى أفق أعلى عندما يكسر المألوف ويلتقط الغرائبي، ثمّ يوغل في البعد مع العجائبي متجاوزاً المنطق والقوانين الأرضية فيأتي الخارق للطاقة الإنسانية، وتتشكّل عندئذٍ علاقات أخرى بين الشخصيّات وتتابع الأحداث.
هنا نلحظ دورة البحث عن سبل التعبير في أزمنة الأدب السرديّ العربيّ، فقديماً كانت النصوص واقعية- سواء تلك الموروثة في الذاكرة الشعبية أو ما يؤلفه الكتّاب أو تلك التي لم تُعْرَف لكاتب محدّد- ، وكذلك هي تمزج الغرائبي والعجائبي بالواقعي«كتابات الجاحظ والمقامات و كليلة ودمنة وألف ليلة وليلة...»، ومع تطور الأدب القصصي الفنّي الحديث فُصِل بين الأنواع ولم يعد مقبولاً التداخل واندياح السحري البعيد على الأحداث الواقعية، ثم عاد يتعاظم مجدّداً الميل إلى كسر الحاجز بين العوالم بعد أن غدا الحاضر الإنسانيّ عاجزاً في أوقاتٍ عن الاستجابة لأحلام تنتصر على الألم والبؤس، وتطلب الحرية التي أضاعوا ألوانها فغدت ملتبسة لا يُعَرف طريقها!!، وهنا يحتاج الموقف إلى إيضاح حضور العجائبي والغرائبي لدى بعض الأدباء العرب في العصر الحديث من مثل الدكتور العجيلي بدءاً من قصّته في المجموعة الأولى التي حملت اسمها:«بنت الساحرة /1948» و ما جاورها من «الحمى، المعجزة،النوبة القاتلة» ومروراً بـ«صدوع في الناي، ساعة الملازم» من المجموعة التي حملت اسم القصّة الثانية وصولاً إلى لون قصّ الخيال العلمي «كوكب الغيرة زيلوس» ونريد التأكيد على أن هذا الأسلوب المبكّر هو حصيلة لثنائية في ثقافة العجيلي السردية: العربية القديمة وتلك المتفاعلة مع الدفق الغربي الذي عايشه في النصفَ الأول من القرن العشرين في توازٍ مع ثنائية إقامته على تخوم البادية الشاميّة وبين مخابر كلية الطب في الجامعة السورية بدمشق،وقد نشر في الثلاثينيات أولى قصصه القصيرة «نومان» في مجلة «الرسالة» القاهرية.

نصّ مركّب و مفتوح
يوحي السارد/ المؤلّف في قصّة «العرّاف أو زقاق مسدود» أنه يبدأ عملاً مفتوحاً يشكّل شخصيّاته وأحداثه أمامنا، ويعقّب في الختام بتعليقات أتته من بعض الذين سمعوا ما رواه، أو ممن أتتهم الأصداء، وهكذا نجد نصّاً «هو الأساس/الإطار» يصدر عن هذا السارد، وثمّة نصٌّ آخر«هو النصّ الداخلي الذي ميّز في المدوّّنة المطبوعة بإشارة سيميائية وهي إخراجه بحروف من حجم مختلف عن النصّ الأساس» يتولّد منه يرويه سامي بك الذي يلعب دور العرّاف فيه، وهكذا تعدّد الجمهور المتلقّي فالأول متمثّل بمن كانوا حول سامي والجمهور الثاني هو من توجّه إليه السارد في أمسيّة أدبية ونلحظ ذلك بافتتاحيته: «سيداتي سادتي» التي بدأت بها القصّة والجمهور الثالث هو نحن الذين نقرأ المدوّنة في كتاب، وقد كان التقى في شخص واحد: المؤلّف العجيلي والسارد العارف الكليّ والمشارك الداخلي الذي حاور العرّاف في أواخر القصّة، وذلك كلّه تأثّراًً بعمل مسرحيّ حداثيّ غريب هو «ستّ شخصيّات تبحث عن مؤلّف» للكاتب الإيطالي لويجي بيراندلّو، وفيه تداخلٌ بين عالمي الواقع والخيال إذ تفتّش. ستّ شخصيّات تركها مؤلّفها عمّن يصوغها في المسرح مرسلاً من خلال تشكيله الدرامي وإخراجه رؤية للواقع وما فيه من اضطراب يعترض خطوات البشر، وقد اقتصر التناصّ بين العمل الدرامي والعمل السردي على الأفق التخييلي البعيد وهو ما أطلق عليه بيراندلّو في مقدمته للمسرحية كلمة: «الفنتازيا»، وعلى الثنائية المتداخلة واستمداد بعض الملامح المسرحية، أما الحبكة والرؤية الاجتماعية فهما مختلفتان في «العرّاف» و«ست شخصيّات».
يختار السارد/ المؤلّف جانباً من المجتمع هو بيئة الأغنياء أصحاب الأموال والنفوذ والصفقات،وقد اجتمع عدد من المدعوّين في منزل فخم تختال السيدات بما يدلّ على الثراء ويلتفتن بحثاً عن المثير، ويغتنم الرجال الفرص لأحاديث المال أو ما يخفّف قيود النهار، ويبرز في هذا الحشد ثلاثة هم محور الحدث والعلاقات،ومن خلال الشبكة التي ينصبها السارد تتبيّن السمات النفسية والخطوط التي تتحرّك بينها، ونرقب تلاقيها أو احتمالات اصطدام عاصف، ولن نستبق نتائج التفاعل وإنما نستشرفها ،فهي تومئ إلى بعد تحليليّ نفسي وآخر فكري اجتماعي يزيح سواتر عن مثل هذه الطبقة وقيمها الأخلاقية في المجتمع الحديث.
نحن نتابع صاحب الحفل والمنزل جلال الدين بك وزوجته سميحة والضيف المميّز سامي بك أما الدكتور عبد الرحمن فكان حضوره مساعداً وجاء دور زوجته عابرَ المشاركة ، ويرسم السارد - المؤلّف شخصيّة جلال الدين، فهي سيّئة على نحو يستثير الصراع الخفيّ بينه وبين زوجته، إنّه «وصوليّ مكيافيليّ ساديّ زير نساء، وهو رجل ناجح بالرغم من كلّ هذا»، وأما سميحة الزوجة فهي جميلة تزداد ألقاً بزينتها ولها ابتسامة فاتنة لم تستطع إخفاء كآبة في أعماقها، و وقف سامي الوسيم ابن هذه الطبقة وقد شارف على نهاية الشباب أعزب له دراية بالثقافة سواء تلك التي في الكتب والصحف أو ما تعلِّمه صفحات السفر في أرجاء الأرض، وتبلورت خصومته مع جلال الدين الزميل أو الصديق القديم خفية بعد أن أدرك أنه عندما أعلن للضيوف عن براعة سامي!! في قراءة الطالع إنما دعاه هذا المساء ليقدّم فقرة قراءة الفنجان كالمنجّمين. قال في نفسه: «إذن فلمثل هذا دعاني هذا الخنزير إلى بيته... نمرة يسلّي بها مدعوّيه!.»، وتصاعدت في هذه البؤرة رغبة مزدوجة فهو أحسّ بميل إلى سميحة - خاصة أنها بدت مجاملة له - وكان سمع عنها، ورأى أنها لا تستحقّ هذا الجحود من زوج ينكّد عيشها مستهتراً على نحو فجٍّ كأنما لا يكفيه ما يعيث في دنيا المال!
يتهيّأ سامي لخوض معركته لقهر هذا العابث جلال ولنيل المرأة التي أحاط به سحرُها وظلالٌ آسرة منها، وستكون أدواته متناسبة مع هذا الوسط الاجتماعي ومن خلال ثقافته التي اجتمع فيها الظاهر من الكلمات و الباطن من الغيبيّات كما غدا معروفاً عنه،وستكون القصّة العجائبية التي سيرويها للحضور- ولواحدة بعينها هي سميحة- طَلْقَةً ذكيةً لا تخيب، وسيعبُر هو نفسه الحبلَ السريَّ بين الأجواء السحرية وواقع تدور فيه الوجوه بين الدهشة والارتياب والحذر.

السِحْر والمرآة الحارقة
أمسك سامي بزمام الكلام بعد أن اعتذر للنسوة الجميلات وللحضور عن عدم استعداده النفسي لقراءة الفنجان أو الطالع، وأخذ يروي قصّة أو هي- كما يريد- ذكريات ما جرى وكان هو بعضاً من المشهد العجيب!
تقوم البنية العجائبية في هذه القصّة- الحكاية التي استحضرها سامي على ممارسة السحر بتعاويذ وكلمات مرصودة لها طاقات فوق بشرية، ومصحوبة بنشر البخور واستخدام وسيط ناقل للأسرار، والاستعانة بكائنات تبدو للفتى الوسيط في رؤية عبر قطرة الزيت، ويتحرّك هذا كلّه مخترقاً الأمكنة والزمان، وتأتي الذروة بتحقيق غاية كانت تستعصي في حضور النهار والوعي والإدراك بين الشخصيّات، ونجد أمامنا شخصيّات لا يصعب تبيّن تناظرها مع أبطال القصّة الأساس/ الإطار، فالشيخ رضوان في مرحلة لم يغادر شبابه صبوح المحيّا، وعارف بعلوم قديمة ممّا يدرسه المتفقّهون وكذلك ممّا تخفيه الأوراق والمجالس تضنّ بأسرار خفيّة تنفذ إلى دخائل البشر، وتربطه أواصر ودّ بأهل الحيّ وتأتيه النسوة باحثات عن أمل يعاند، وهو لا يبخل بما يظن أنّه حبل نجاة وخلاص، وهناك السيدة عالية الجميلة لا تزال تحمل رونق أيّام شباب لم يخبُ تعاني مشقّة عيش مع ابنتها وزوج يحمل قدراٍ من الشرّ عندما هجرها وابنتَه استجابة لأهوائه، وثمة الشخصيّة الرابطة وهي الفتى سامي ابن الثامنة أو التاسعة في دارهم القديمة يعتاد صحبة الشيخ رضوان وسيكون أداته لتحقيق السحر.
يستفيد السارد من القيم الدلالية مع تناظر الشخصيّات بين القصّتين فالرضوان سمة تحيط صاحبها بالإيجابية في داخله وفي المحيط حوله، والسيدة الجارة الجميلة بعيدة متمنّعة فهي لها مكانة عالية وابنتها تستحوذ على اهتمامها بِسِمة الدلال وقد غيّب اسم الزوج بنوع من دلالة إبعاده عن طريقه ،وهنا يتوالى في الواقع: العرّاف سامي وسميحة وزوجها جلال الدين، وتكون مشاركة الفتى الصغير سامي في الموقفين علامة التنوير للرغبة وإعلانها لمن تدرك وتستقبل الإشارة وهي السيدة سميحة.
أما الفعل السحري في الموقف فقد تجلّى في تتابع غامض، يطلب الشيخ رضوان من الفتى إحضار فنجان زيت من دار دلال ليعيد إليها أباها،وعند الفجر يقفل الباب مع وسيطه سامي، ويتعالى البخور وتستدير قطرة الزيت، وتتسع عالماً يضجّ بصور الطبيعة والعواصف، ويخرج من الأشجار شبح هو غصن الرمان يستجيب لطلب رضوان، ويمنح الفتى سلماً يبلغ عبره الغرفة التي تنام فيها عالية، ويتوالى توازٍ عجيب، فهذا الفتى ممسك بالقطرة بيده أمام المجمرة ،وفي الوقت ذاته يجول في بيت السيدة عالية يصفها وهي نائمة،ثمّ ينقل دعوة رضوان لها بالحضور فإذا بها تطرق الباب وتدخل ليغيب الفتى في الحمّى أسبوعاً لا يدري عن عالمه شيئاً، وعندما يصحو يجد السيدة عالية مع أهله بجواره، ويعرف أنها لازمته هذه الأيّام، ونرقب التناظر والحركة على الأرض ومسار الأمور بين سامي وسميحة إثر هذه الرسالة العجائبية، وحسبما يحدّث هذا العرّاف الذي مدّ الحبال وأراد منها أن تتابع الخطو! بين الماضي وسطوة السحر إلى واقعه أنبأنا أنها اتصلت به ليحدّد موعد لقاء: «قالت إنها تريد أن تتأمل في قطرة زيت أضعها لها في يدها لتبصر ماذا تفعل تلك الفتاة التي علق زوجها بها علّها تستطيع أن تعيد هذا الزوج إليها... إنها قادرة على أن توافيني إلى شقّتي التي تعرف أني أعيش فيها وحدي ،لتبرهن لي على ثقتها بقدرتي.. وبسلوكي»، قد يبدو تصرف السيدة سميحة محتملاً تحت تأثير عوامل الغيظ واللجوء إلى ما يتجاوز البصر البشري في حالة من القهر الاجتماعي،لكن إحجام سامي هو المفاجئ، ولذلك يزيل ما في النفس من دهشة بتتمة لتلك الحادثة السحرية البعيدة فيقول: وقبل أن تمضي أيّام لأميّز الحقيقة من الحلم فيما جرى إذا بنا نَسْمَع ضجّة في الزقاق المسدود حيث البيت، فإذا بالسيدة عالية تموت محترقة بعد أن أشعلت النار بجسمها «لم أدع ُ سميحة، لم أرد أن تأتي إليّ سميحة مجذوبة بسحرٍ سحر شيطاني أو إنساني» وهنا نستطيع أن نفسّر سيميائية العنوان المزدوج الذي حملته القصّة: «العرّاف /زقاق مسدود»، فالجزء الأوّل: العرّاف يمثّل بدءاً للفعل المؤثّر في الآخرين وهو يذهب بعيداً في التاريخ الحضاري وإرثه المشعّ على وظيفة الساحر والعرّاف، وندرك أننا أمام صاحب الفعل المرسِل، وعندما سنفتش عنه مع القراءة سنجده شخصية رئيسية يرسل طاقاته في أرجاء القصّتين، وأما الجزء الآخر: زقاق مسدود فيدلّ على نهاية شوط أو محاولة عبور ممّا يضطّر سالكه إلى أن يعود أدراجه من حيث بدأ، فهنا نهاية لا يختارها ذاك السالك وإنما تُفْرَض عليه بترتيب قَبْليّ يعترض حركته أو تقدّمه في اتجاه ما، وهكذا يتهيّأ المتلقي مع هاتين الإشارتين، وكلما ظهرت نتائج تفاعَلِ العنوانُ مع تطورّ الأحداث أدرك المتلقي على نحو مزدوج رسالة السارد ومن خلفه الكاتب العجيلي.

الدراميّة والثقافة
أمام المتلقّي
ثمّة دائرة تنوير تباشر تأثيراً لتضمّ الجمهور المتلقّي - حضور الحفل والمستمعون للسارد ومن بعدُ القرّاء الذين يطالعون المدوّنة في كتاب - في بؤرة مسارٍ أراده سامي ولا يغيب أن سميحة هي الهدف الأوّل، و من ثمّ تهيمن حالة الدهشة والتهيّؤ على عالم الآخرين من الحاضرين جلسة الرواية في حفل جلال الدين بك في داره.
إنّ التداخل الأجناسيّ بين البنية السردية والخصائص الدراميّة في قصّة: «العرّاف/زقاق مسدود» يقوم بمهامّ التمهيد والتأكيد لدور المادة العجائبية،ويقف وراءها السارد/المؤلّف، ذلك أنّ تناظراً لتلك الخصائص يبدو في القصّة الأساس/ الإطار والقصّة الداخلية:
- فهناك اختزال عدد الشخصيّات الفاعلة ففي الأولى :سامي وسميحة وجلال الدين مع صلة وصل لصديق هو الدكتور عبد الرحمن، وحوَّلَ الساردُ مجموعةَ الضيوف إلى جمهور مسرحيّ يتابع الأحداث التي يرويها العرّاف، وفي الثانية: الشيخ رضوان وعالية والفتى سامي مع حضور كاشف ومقارن للبنت دلال.
- والبعد الدراميّ الثاني هو حصر الأمكنة لتبرز توتر العلاقة وحدّتها وتقابل الأطراف المشتبكة بالصراع «قاعة في منزل جلال الدين والغرفة التي يعيش فيها الشيخ رضوان بشكل أساسي وقد انتشر بين أرجائها البخور وغُلِق البابُ والنافذة».
- رسم صورة سامي/العرّاف حكواتياً مسرحيّاً وذلك عبر مقدّمة يعرضها الدكتور عبد الرحمن بذكر براعته في كشف الأسرار حتّى سلّمت له عرّافتان غجريتان في باريس بتفوّقه، ومع مباشرته تتوزّع الأضواء كأنما هي خشبة عرض يرتبها مخرج بارع ويبرز حركة اليدين والوجه لينفرد سامي- وهو يحكي - بالاهتمام وتتهيّا أخيلة الجمهور من حوله مطواعة بين كلماته «وتحت واحدة من هذه التحف وهي أباجور صيني ملوّن ومضلّع يبعث نوره في حزم متفرقة على ما دونه يجلس سامي وقد حفّت به أنظار الحاضرات والحاضرين .سيكون لانصباب حزم هذا النور على يدي سامي أو لحركة يدي سامي في مجرى نور هذه الحزم أثر كبير في أنفس المستمعين إليه... وهنا تنطفئ الثريّا الكبيرة التي تملأ البهو بأنوارها يطفئها من لا أعرفه، قد يكون أطفأها ربّ البيت عابثاً أو إحدى السيدات اللاتي سحرن بلهجة سامي وموضوع حديثه». ونحسّ بتوجيه إخراجيّ لدى السارد عندما يقدّم ما يحيط بسامي معماراً مسرحيّاً ينقل أجواء الحادثة السحرية: فالضوء خافت يترشّح ملوّناً من خلال جدران الأباجور الصيني كأنه ضوء سراج مغموم وأبخرة السيكار والسيكارات منعقدة غيوماً فوق رؤوس الحضور كأنها دخان مجمرة الشيخ وعطور النساء الممتزجة برائحة القهوة وأنفاس المدخّنين كأنها رائحة البخور...
وجاءت نهاية الحادثة كما قدّمها سامي إسدالاً لستار المسرحيّة بدخول السيدة عالية بين أواخر الظلام وخيوط الضوء إلى رضوان وخروج الفتى إلى الزقاق تصحبه حمّى أقعدته.
وأما الجانب الثقافي الذي أشاعه السارد/المؤلّف فهو استحضار أجواء علم النفس ، وضروب التحليل والعقد النفسية و الليبيدو مع اسم فرويد، وكذلك تردّد اسم نوسترداموس الطبيب والمنجّم الفرنسي الذي ألّف كتابه «العصور» في القرن السابع عشر تحمل طيّاته أسرار الدنيا في أزمنتها المتتابعة بعده!! وبهذا يكون السارد /المؤلّف قد ساق الحادثة العجائبية، وأحاطها بما يجعلها أكثر فاعلية، وفيما يبدو لقد أحكم حصاره بإطار تاريخي للنبوءة ورصد الأسرار، وبعرض المنجز العصري الذي يفاجئنا بما يدهش من خفايا النفوس وتصرفاتها وأعماقها الغائبة وراء الظاهر... الخادع.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية