العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951323
عدد الزيارات اليوم : 3665
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


فلاديميـر مايكوفسـكي ..صـوت الثـورة وضحيتـها

د. إبراهيم استنبولي
وداعـاً، يـا صديقــي، وداعــاً،
حبـيبــي، أنـتَ في صــدري.
إن الـفـراق المـرتـقــب
يعـِـد بلـقـاء فيمــا بــعد.
وداعاً، صديقي، بلا كلام و لا سلام،


لا تــحزن و لا تقـطّب حـاجبيـك،
ليــس جـديداً أن نـموت في هذه الدنيا،
وأن نعيش، بالطبع، ليس جديداً أكثر.


بهذه الأبيات الرائعة، التي تحمل شحنة عاطفية هائلة اختتم الشاعر الروسي سيرغي يسينين مسيرته الإبداعية القصيرة و لكن الغنية انتحاراً في فندق " إنغليتير " في لينينغراد في 27 كانون الأول من عام 1925. و قد كان لخبر انتحاره وقع الفاجعة على كل المحبين لشعره و للكلمة الرفيعة في روسيا السوفييتية السابقة و خارجها. كما ترك انتحاره أثراً عميقاً في نفس شاعر الثورة الروسية الفذ فلاديمير مايكوفسكي.. الذي أدرك قوة الكلمات الوداعية للشاعر الراحل، و خصوصاً البيتين الأخيرين:
 ليس جديداً أن نموت في هذه الدنيا،
و أن نعيش، بالطبع، ليس جديداً أكثر.
 إذ رأى فيهما تأكيداً على أن وفاة يسينين صارت حقيقة أدبية. و على الفور شعر مايكوفسكي بقوة الإغراء، الذي ستتركه هذه الأبيات ذات الشحنة العالية جداً عند أولئك المتذبذبين و المترددين فتدفعهم إلى الانتحار شنقاً أو بالمسدس. و أنه لن تلغي تلك الأبيات كل التحليلات الصحفية... 
" لذلك كان لا بد من مقارعة الشعر بالشعر.. و فقط بالشعر... " كما يقول مايكوفسكي.
فجاءت قصيدته الشهيرة " إلى سيرغي يسينين "...
و من أقوى المقاطع التي جاءت في سياق القصيدة تلك الأبيات التالية:
 
كوكبنا غير مهيأ للفرح.
علينا أن ننتزع السعادة من الأيام القادمة.
أن نموتَ في هذه الدنيا ليس صعباً.
لكن أصعب بكثير أن نصنع الحياة.
 
نعم، إنه لأمر في غاية الغرابة! إن مايكوفسكي، ذلك المدمر و المنقلب على كل القوانين الشعرية، نراه يسير هنا على خطى يسينين.
لكن المدهش أكثر أن يلجأ هذا الإنسان العملاق و هذا الشاعر - " القاطرة "، بكل ما للكلمة من معنى، إلى ذات الأسلوب لتصفية الحساب مع الحياة و مع المتربصين به...
 " إلى الجميع
لا تتهموا أحداً في موتي، و أرجو أن لا تنمّوا. فالراحل لم يكن يطيق ذلك.
ماما، أخواتي و رفاقي، سامحوني – هذه ليست الطريقة الصحيحة (و لا أنصح غيري بها)، و لكن لم يبق باليد حيلة.
ليلا – أحبيني.
أيها الرفيق– الحكومة: عائلتي هي ليلا بريك، ماما، اخواتي و فيرونيكا فيلتودوفنا بولونسكايا.
إذا دبّرت لهم حياة مقبولة – فشكراً.
اعطوا هذه القصيدة التي ابتدأتُها إلى آل بريك، و هم سيفهمون.
كما يقال – " trop poivre` "،
و قارب الحب تحطم على صخرة الحياة.
لقد تحاسبت مع الدنيا
و لا فائدة من تعداد
 الآلام المتبادلة،
المصائب
و الإهانات.
 
أتمنى لكم السعادة في البقاء.
فلاديمير مايكوفسكي 12 نيسان 1930 "
 
بالطريقة نفسها – الانتحار، و إن يكن بواسطة المسدس و ليس عن طريق الشنق كما هو الحال عند يسينين - اختتم حياته أحد رموز حركة الحداثة الشعرية في روسيا و أحد مؤسسي تيار المستقبلية في الشعر الروسي، المبشر بالثورة الروسية و حامل لوائها. نعم، هكذا أنهى فلاديمير مايكوفسكي مسيرة صاخبة و مثيرة من الإبداع ؛ و قد لاقت تلك المسيرة الأدبية و الثورية للشاعر صدى طيباً في مختلف أنحاء العالم، داخل الاتحاد السوفييتي السابق و خارجه لعدة أجيال، و حيث ما زالت الملايين تحتفظ في وجدانها و في ذاكرتها ببعض لا بأس به من الحنين إلى ذلك الزمن الثوري الممتلئ بمشاعر الرومانسية و الفروسية على حد سواء.
 كانت الثقافة الشعرية الروسية قد منحت العالم، قبل مجيء مايكوفسكي إلى الأدب، مجموعة كاملة من القامات الأدبية النادرة: ديرجافين، جوكوفسكي، بوشكين، ليرمنتوف، توتشيف، بلوك.. و غيرهم. فمع بداية القرن العشرين كانت الثقافة الأدبية الروسية قد صارت صاحبة تقاليد كلاسيكية راسخة و عميقة.
و عند الحد الفاصل بين قرنين، في عصر النمو المتصاعد للحركة الثورية، كانت روسيا بحاجة لشاعر جديد يستطيع أن يراكم في إبداعه طاقات الحشود الديموقراطية الواسعة، و يقوم بالتطوير وبمضاعفة التقاليد الإنسانية للأدب الروسي في القرن التاسع عشر.
و قد جاء مثل هكذا شاعر. شاعر ذو أسلوب فريد و غير مسبوق في الإبداع، صاحب طموحات و ابتكارات هائلة، شاعر فذ يتميز بإيقاع مثير و ببلاغة مجازية مدهشة، شاعر راح يخاطب الملايين في الساحات و الشوارع.
لم يكن المغزى من ثورة أكتوبر/ الاول تشرين واضحاً على الفور و لدى الكثيرين. بينما لم تكن توجد بالنسبة لمايكوفسكي أية مشكلة تجاه الثورة. " أن أقبل أو لا أقبل الثورة؟  لم يكن هذا السؤال مطروحاً بالنسبة لي. إنها ثورتي. ذهبت إلى مقر الثورة في سمولني. و بدأت أعمل. كل شيء... "
لقد صار الشاعر بوقاً للثورة و مبشراً بها. ففي أعماله، كما يبدو، نطقت الثورة بصوت الشاعر، و قد تمكن أن يكتب في وصيته الشعرية، من دون أن يكترث مثقال ذرة بمصيره الشخصي أو بالمجد:
 
دع المجدَ يُحاك لأجل العباقرة
في الموسيقى الجنائزية
كأرملة لا يُتعزى عنها –
و لتَمُتْ، أشعاري،
دعها تموت، كما الجنود
المجهولون ماتوا
في المعارك!
 
إن بطولة الشاعر الوطنية، تضحياته الكبيرة و نكرانه للذات، أصالة النبوغ و كمال القصيدة – كل ذلك ساهم في تخليد فلاديمير مايكوفسكي، و جعله رمزاً للشعر التقدمي في العالم.
لقد كتب مايكوفسكي: " أنا شخص حاسم، و أريد أن أتحدث مع الأجيال القادمة بنفسي، من دون أن أنتظر ما سيقوله لهم النقاد بشأني في المستقبل ".
و الآن لنترك الشاعر يحدثنا عن طفولته و عن تشكله كشاعر و كثوري أممي.
الموضوع
أنا – شاعر. و بهذا أنا مثير. و حول ذلك أنا أكتب.
ولدت في السابع من تموز 1894 (أو 1893 – لا يتطابق رأي ماما مع السجل الوظيفي لوالدي. في جميع الأحوال – ليس قبل ذلك).
موطني – قرية بغدادي، مقاطعة كوتايسي في جورجيا (التابعة لروسيا القيصرية ثم الجمهورية السوفييتية سابقاً، و الآن دولة مستقلة – المترجم).
تركيبة العائلة
الأب: فلاديمير كونستانتينوفيتش (مأمور الحراج في قرية بغدادي)، توفي عام 1906.
الأم: الكساندرا الكسييفنا.
الأخوات:
- لودا، - أولا.
أفراد آخرين من عائلة مايكوفسكي، على ما يبدو، لا يوجد.
 جذور الرومانسية
" أول منزل أتذكره بوضوح مؤلف من طابقين. العلوي – حيث نعيش نحن. السفلي – معمل صغير لصناعة الخمر. مرة واحدة في السنة – عربات تحمل العنب. كانوا يضغطون عليَّ. أنا كنت آكل، و هم كانوا يشربون. كل هذا كان يجري في نطاق واحد من أقدم القلاع في جورجيا بالقرب من بغدادي. و قد كانت القلعة تتخذ شكل مربع بفضل متاريس القلعة. في زوايا المتاريس – كبكبات(أدوات إرجاع) للمدافع. و في المتاريس مزاغل (كوى – جمع كوة). و خلف المتاريس كانت توجد خنادق. و خلف الخنادق – غابات و ذئاب. و فوق الغابات جبال. نموتُ. فرحت أركض و أصعد أكثرها علواً. تنخفض الجبال باتجاه الشمال، حيث تنقطع هناك. كنتُ أحلم – لعلها روسيا. كنتُ تواقاً للذهاب إلى روسيا لدرجة لا تصدق ".
الشاعر هنا لا يتذكر طفولته ببساطة و حسب، بل إنه يحاول أن يرى في انطباعات الطفولة مصدر طباعه و إبداعه. و قد كشف مايكوفسكي منذ الطفولة عن " ميل نحو تغيير المكان ". ففي مرحلة الشباب جاب البلاد بأكملها و طاف نصف العالم تقريباً. هكذا صار التعطش لما هو جديد و مجهول، و حب الاكتشاف و روح الإبداع و التجديد من أهم مواصفات الحس الشعري المتأجج عند مايكوفسكي.
التعليم
قامت بتعليمي أمي و مختلف بنات العم و العمة، بنات الخال و الخالة.
كانت دروس الحساب تبدو لي غير حقيقية. اضطررت لتعلم الحساب بمساعدة التفاح و الدراق، الذي كان يعطى للأولاد. كانوا يعطوني باستمرار، و كنت أعطي بلا حساب. ففي القفقاس كميات لا حصر لها من الفواكه. تعلمتُ القراءة بمتعة كبيرة!
الكتاب الأول
كتاب لا قيمة له " أغافيا – مربية الطيور ". لو أنه وقع بين يدي كتب عدة من هذا النوع – لربما كنت هجرت القراءة للأبد. لكن، لحسن الحظ، الكتاب الثاني – " دون كيخوت ". يا له من كتاب! قمت بصنع سيف و درع من خشب، و رحت أخبط كل ما يحيط بي.
 لقد منحت الطبيعة مايكوفسكي موهبة الإحساس الفائق الحدة تجاه الظلم الاجتماعي و الإنساني، تجاه الكذب و النفاق. من هنا – استعداده الدائم (بأفضل ما للدونكيشوتية من معنى) للوقوف إلى جانب الخير و الحق، من دون أن يعرف شيئاً من " التعقل المشين ".
الامتحان
انتقلنا من بغدادي إلى مدينة كوتايس. اجتزت امتحان الدخول إلى المدرسة الثانوية. سألني القس عن معنى كلمة " Oko " – أجبته: " ثلاثة أرطال " (هذا ما تعنيه باللغة الجورجية). و لكن الممتحنين الأكارم شرحوا لي أن " Oko " – تعني عين في اللغة السلافية الكنسية القديمة. و بسبب ذلك كدتُ أرسب في الامتحان. لذلك صرت أمقتُ على الفور – كل ما هو قديم، كل ما يتعلق بالكنيسة و بالسلافيين. و ربما من هنا انطلقت مواقفي المستقبلية (Futurism) و الإلحادية و الأممية.
إن فوتوريزم مايكوفسكي لا ينفصل عن نفيه و رفضه لأية تراتبية في أي اتجاه كانت. و أما تجسيد القديم فإن الشاعر كان يجده في النظام الرأسمالي – بعقليته، بأخلاقه و بقيمه الحياتية.
بينما إلحاد الشاعر انعكس في عدد من أهم أعماله الإبداعية و في سلسلة من الموتيفات المناهضة للرب. و أما أممية مايكوفسكي فلا نظير لها. إذ بدون هذه الخصوصية لا يمكن فهم أي عمل من أعماله.
 المدرسة الابتدائية
الصف التحضيري، الأول و الثاني. أتابع في المرتبة الأولى. أنال درجة الامتياز في كل شيء. أقرأ جول فيرن. يا للروعة. رجل ذو لحية اكتشف عندي موهبة الرسم. يتعب نفسه معي عبثاً.
الحرب الروسية اليابانية
ازداد عدد الصحف و المجلات في البيت. " المعارف الروسية "، " الكلمة الروسية "، " الغنى الروسي " و غيرها. أقرأ كل شيء.
مرحلة العمل السري
جاءت أختي من موسكو. متحمسة مبتهجة. أعطتني أوراقاً طويلة مطوية بشكل سري. أعجبتني: خطر جداً. ما زلت أذكر حتى الآن. في الأولى:
 
استفق، يا رفيق، هيا استفق، أيها الأخ،
بسرعة ارم ِ البندقية على الأرض...
 
إنها الثورة. بواسطة الشعر. و إذ بالثورة و الشعر يجتمعان في رأسي معاً.
 
العام 1905
... انطلقت مظاهرات و لقاءات جماهيرية. و أنا أيضاً ذهبت، أمر حسن، أتلقى الأمر بطريقة فنية: الفوضويون في الأسود، الاشتراكيون الثوريون في الأحمر، الاشتراكيون الديموقراطيون في الأزرق، و الاتحاديون في بقية الألوان.
الاشتراكية
خطابات، جرائد. الخلاصة – كلمات و مفاهيم غير مفهومة. أطالب ذاتي بالتفسيرات. رحت أشتري المنشورات و الصحف الثورية: " بوريفيتسنيك " و " عن ذات الشيء ". كنت أستيقظ في السادسة صباحاً و ألتهم كل شيء... انحفرت في ذاكرتي للأبد مقدرة الاشتراكيين على توضيح الحقائق و تنظيم العالم... التحقتُ بحلقة ماركسية... رحتُ أحسب نفسي اشتراكياً – ديموقراطياً...
عام 1906
توفي والدي.
بعد دفن الوالد – لدينا ثلاث روبلات. غريزياً قمنا ببيع الأثاث. و تحركنا باتجاه موسكو. لماذا؟ لم يكن لدينا هناك حتى معارف... استأجرنا شقة في شارع برونّايا.
العمل
لا يوجد نقود لدى العائلة. اضطررت للرسم. أكثر ما بقي في الذاكرة البيض الملون في عيد الفصح. كانت تدور و تصرّف كما الأبواب. رحت أبيع البيض إلى أحد المخازن. 10 – 15 كوبيك لقاء البيضة الواحدة. من ذلك الحين و أنا أكره الأسلوب الروسي و الحرف اليدوية.
المدرسة الثانوية
ترفعت إلى الصف الرابع من المدرسة الرابعة. تراجعت علاماتي.
تحت المقعد " ضد دوهرينغ ".
القراءة
لم أتقبل الروايات النثرية نهائياً، فقط الفلسفة، هيغل، العلوم الطبيعية. و الماركسية بشكل رئيسي. لم يكن هناك من عمل فني يشدني أكثر من " المقدمة " لماركس. كان الطلاب الاشتراكيون، الذين يستأجرون غرفة عندنا يحضرون معهم مختلف المنشورات السرية. " تكتيك حرب الشوارع " و هلم جرا. و أتذكر بوضوح كتاب لينين " خطتان في التكتيك " ذا الجلد الأزرق. أعجبني أن الكتاب كان مقصوصاً بالضبط عند الأحرف. لتسهيل التبادل السري. و أخلاق الاقتصاد في حدوده القصوى.
الحزب
انتسبت إلى حزب البلاشفة عام 1908. عملت في الدعاية. توجهت إلى عمال الأفران، ثم عمال مصانع الأحذية و أخيراً إلى عمال المطابع... تم انتخابي في مؤتمر عام عضواً في لجنة موسكو الحزبية. هنا لم تكن حاجة لهم بي للعمل – لقد أسروني.
 العنوان
29 آذار عام 1908 وقعنا بين أيدي كمين. اضطررنا لأن نبلع دفتر الملاحظات. مع العناوين على الجلد. تم اعتقالنا. خرجت. و بعد عام من العمل الحزبي اعتقلت مجدداً.
و حول حياة مايكوفكسي في السجن يروي رفيقه في الغرفة ن. هليستوف: " في السجن كان مايكوفسكي يقرأ نيكراسوف، هيغل، فيورباخ.. و غالباً ما كان يقرأ أشعار نيكراسوف بصوت عال – " الدرب الحديدية "، " لمن العيش في روسيا بشكل جيد "...
أطلق سراح مايكوفكسي في 27 شباط عام 1909.
الاعتقال الثالث
كان المناضلون، الذين يسكنون عندنا (موراشادزه، هيرولايتيس و غيرهم) يقومون بالحفر تحت سجن التاغانكا بقصد الإفراج عن النساء – المعتقلات و المعاقبات بالأعمال الشاقة. نجحنا في ترتيب الهروب للبعض. تم اعتقالي. قمت بالمشاكسة فتم نقلي من سجن إلى آخر و انتهيت في سجن بوتيركي (سجن معروف حتى في أيام الاتحاد السوفييتي – المترجم).
11 شهراً في سجن بوتيركي
من أهم الأوقات بالنسبة لي. بعد ثلاث سنوات من النظرية و الممارسة – هجمت على النثر. قرأت كل ما هو جديد البتة. الرمزيين – الكساندر بيلي، بالمونت. جربت الكتابة.. لم أنجح.
مثل:
اتشحت الغابات بلون الذهب، بلون الأرجوان،
و الشمس راحت تلعب على رؤوس الكنائس.
و أنا أنتظر: لكن الأيام ضاعت في الشهور،
مئات من الأيام المُـرهِقة.
 
كتبت دفتراً كاملاً. شكراً للمفتشين، الذين صادروا الدفتر عند خروجي من السجن.
و بعد أن قرأت الكتابات المعاصرة، رحت " التهم " الكتاب الكلاسيكيين. بايرون، شكسبير، تولستوي. آخر كتاب: " آنا كارينينا ". لم أقرأه حتى النهاية. تم استدعائي ليلاً.. " مع الأغراض عبر المدينة ". و إلى الآن لم أعرف كيف انتهت الحكاية بالنسبة لعائلة كارينين.
 بداية الحرفة
ظننتُ أنه ليس بمقدوري كتابة الشعر. إذ كانت تجاربي بائسة. رحتُ أمارس الرسم...
شاعري المفضل – ساشا تشيورني. كان يفرحني مذهبه المعادي للجمال Anti esthetism.
آخر المعاهد
... انتسبت إلى معهد الرسم و النحت و العمارة: المكان الوحيد، الذي قبلني بدون أن يطالبني بشهادة حسن سلوك سياسي. عملت بكد.
إنه لأمر غريب: يدللون المُقلِدين – أما الذين يعتمدون على ذاتهم فيضطهدونهم. دافعت عن المُضطَهدين.
 ديفيد بورلوك
ظهر في المعهد بورلوك. كان لـه مظهر وقح. بنظارة و في سترة. يمشي و هو يدندن. رحتُ أتحرش به. كدنا نتعارك. و في أحد الأيام ذهبنا إلى حفلة خيرية. حيث عزفت موسيقى رحمانينوف " جزيرة الموتى ". هربت إلى الخارج. ثم خرج بورلوك. ضحكنا على بعضنا البعض. و ذهبنا نتسكع سوية. ليلة لا تنتسى. انتقلنا من الملل و الضجر من موسيقى رحمانينوف إلى موضوع المدرسة، من المدرسة – إلى مجمل الضجر من كل ما هو كلاسيكي. عند ديفيد – غضب المعلم الذي تجاوز معاصريه، و عندي – حماس الاشتراكي الذي يعرف حتمية انهيار ما هو قديم. هكذا ولد تيار المستقبلية (Futurism) الروسي.
اللقاء التالي
نهاراً كتبت قصيدة. بشكل أدق – جزء من قصيدة. سيئة. لم تنشر أبداً. ليلاً التقي ديفيد بورلوك في منتزه سريتينسك. قرأت له القصيدة. و أضفت أنها لأحد أصدقائي. توقف ديفيد، رمقني بنظره و قال: " بل إنه أنت مَن كتب هذه القصيدة! يا لك من شاعر عبقري! ". كم أفرحني هذا المديح الهائل و غير اللازم. فغرقت في الشعر. لقد أصبحت شاعراً في تلك الليلة.
 حماقات بورلوك
و منذ اليوم التالي راح بورلوك و هو يعرفني بأحد ما يقول: " لا تعرفه؟ صديقي العبقري. الشاعر الشهير مايكوفسكي. كنت أشده و أدفعه. زأر علي و هو يبتعد قائلاً: " الآن عليك أن تكتب. و إلا فإنك ستضعني في موقف غبي للغاية ".
 "صفعة"
... في موسكو خليبنيكوف. لقد كانت عبقريته محجوبة بالنسبة لي من قبل ديفيد الهادر. و هنا أيضاً كان يوجد " اليسوعي المستقبلي " للكلمة – الكسي كروتشينيخ.
بعد عدة ليال من الشعر الغنائي رأى النور البيان المشترك. صاغه و أعاد كتابته ديفيد، و من ثم أعلناه باسم" صفعة للذوق العام". 
عام بهيج
سافرنا عبر كل روسيا. أمسيات ومحاضرات. تنبه المسؤولون في المناطق وقاموا بتنبيهنا إلى ضرورة عدم التطاول على القيادة و عدم المساس ببوشكين. كثيراً ما قاطعتنا الشرطة عند منتصف الكلمة.
لقد كانت تلك الأعوام بالنسبة لي مجرد عمل شكلي، امتلاكاً للكلمة.
لم يقبل الناشرون أعمالنا. فقد أحس الأنف الرأسمالي فينا زارعي متفجرات.
بعد أن عدت إلى موسكو كنت مضطراً لقضاء معظم وقتي في البولفارات (المنتزهات).
 
مايكوفسكي المستقبلي. صفعة للذوق العام
 بخلاف المستقبليين الإيطاليين الذين زينوا الحرب و اعتبروها تنظيفاً للعالم، فإن المستقبليين الروس لم يدعوا إلى عبادة العنف و ركزوا اهتمامهم بشكل رئيس على التجديد في حقل الفن الأدبي. ففي البيان الأول " صفعة للذوق العام " عام 1912 جاء ما يلي (باختصار):
" إن الماضي لمحدود. و إن الأكاديمية و بوشكين ليسا أكثر وضوحاً من الحروف الهيروغليفية.
لنرمي بوشكين، دوستويفسكي و تولستوي و غيرهم عن سفينة الحداثة....
نحن نأمر باحترام حق الشعراء:
بزيادة حجم القاموس بكلمات جديدة و بعبارات جديدة...
في كراهيتهم التي لا حدود لها تجاه اللغة القائمة من قبلهم...
أن يقفوا على صخرة الكلمة " نحن " وسط بحر من الصفير و الاحتجاج...
و إذا ما زالت توجد في سطورنا العبارات الدامغة الوسخة لما تسمونه " المنطق السليم " و " الذوق الرفيع "، فإنها قد بدأت تخفق عليها لأول مرة النفحات اللطيفة لذلك الجمال الجديد القادم للكلمة الثمينة بحق".
و لكن ما الذي جمع بين مايكوفسكي والمستقبليين؟
أولا: البداية المتمردة، الكراهية للبرجوازيين و لكل ما هو قديم و بال في الحياة، في الفن ؛ و من هنا بالضبط ذلك النفي لمجمل ثقافة الماضي، و قبل كل شيء، الرمزية.
ثانيا: روح التجديد و الابتكار الدائم، و السعي للغرف حتى القاع من الطاقات المعبرة للكلمة و للقصيدة. تلك الروح التي كانت مميزة لمايكوفسكي.
و أخيراً، يجب أن لا ننسى الناحية الإنسانية في الموضوع، كما كتب الشاعر نفسه في سيرته الذاتية: " أتذكر ديفيد بحب دائم. يا له من صديق رائع... "
في عام 1913 كتب مايكوفسكي هجائيته الشهيرة " هيّا! ". ففي بضعة أبيات قصيرة عكس مايكوفسكي جلّ حقده على النظام الرأسمالي. و حسب إحدى الفرضيات، كتب مايكوفسكي قصيدته تلك خصيصاً ليقرأها عند افتتاح كباريه " المصباح الوردي "، حيث احتشد جمهور يحب اللهو. جمهور متخم. و حيث الفن بالنسبة لـه – مجرد قضاء وقت " حضاري "، لملأ الفراغ. باشر الشاعر بقراءة أبياته. بل لم يقرأها، و إنما قذف بها في وجه حشد البرجوازية الصغيرة الضيقة الأفق و الراضية عن نفسها:  
بعد ساعة من هنا إلى الزقاق النظيف   
سيسيل على الإنسان شحمكم المترهل،
أما أنا فكم فتحت لكم حُققاً من الأشعار،
أنا – مبـدِّدُ و مبـِّذًر الكلمات الثمينة.
 ها أنت، أيها الرجل، توجد في شاربيك بقايا
من ملفوف مطبوخ لم تبتلعها و لم تأكلها كلها ؛
ها أنتِ، أيتها المرأة، على وجهك بودرة سميكة،
و تّبدين كما المحارة من أصداف الأشياء.
على أثر ذلك أصاب الجمهور غضب عارم تحول إلى شغب و فضيحة.
لكن المثير أن مايكوفسكي هنا يقترب من تقاليد بوشكين في موضوع " الشاعر و الحشد " (يقصد بالحشد هنا السفلة و السذج). ففي قصيدته " الشاعر و الحشد " يقف بوشكين ضد تحقير الشعر و ضد النظرة النفعية منه من قبل جموع المستهلكين. و في قصائده " النبي " و " الشاعر " و " لقد شيدت لنفسي تمثالاً.. " يوحي لنا بوشكين صورة عن الوجه الرفيع و النقي و الفاضل للشعر، الذي لا يصغي لـ " صوت الحشد " و لكنه يسمع " صوت الله "، أي ينطلق في إبداعه من حسابات سامية – مبادئ الحقيقة و الحق، الجمال و الحب، الخير و الواجب و المسؤولية.
بهذه الطريقة نجد أن مايكوفسكي، الذي يدعو إلى إسقاط الثوابت و القوانين، ليس بعيداً عن " الكلاسيكي " بوشكين. و هذا ما تؤكده الأبيات التي كتبها مايكوفسكي في بداية عام 1913 تحت عنوان " اسمعوا! " بكل ما فيها من مفاجأة، و بعمق الشعور غير المتوقع منه و المسكوب فيها:
اسمعوا!
طالما أن النجوم تضيء –
هذا يعني – أن هناك مَن هو بحاجة لذلك؟
هذا يعني – أن هناك مَن يريد أن تكون هذه النجوم؟
هذا يعني – أن أحداً ما يدعو تلك " البصقات " لؤلؤة؟
...
 يستحيل أن لا يحس المرء في هذه الأسطر بمدى العذاب، الذي كانت تعاني منه روح الشاعر الممزقة و بمدى وطأة الوحدة التي كانت تثقل قلبه.
 لقد شاركت موسكو بأكملها في دفن مايكوفسكي. فعلى مدى ثلاثة أيام استمرت الحشود في وداع جثمان الشاعر. و كما هو الحال مع يسينين، أثار انتحار مايكوفسكي تكهنات كثيرة و دفع بتفسيرات مختلفة. و قد كانت الممثلة فيرونيكا بولونسكايا إحدى " ضحايا " فرضيات القتل و ليس الانتحار باعتبارها كانت آخر شخص رأى مايكوفسكي حياً قبيل وفاته بلحظات.. إذ أظهرت التحقيقات أن مايكوفسكي كان عاد إلى منزله برفقتها في تلك الليلة المشؤومة و أنه سُمِع صوت إطلاق النار بعد برهة قصيرة من خروجها. و هناك معلومات تشير إلى أن مايكوفسكي كان قد طلب منها أن تتزوجه (و هناك من يقول أنه طلب منها السفر برفقته إلى لينينغراد.. بل إن البعض يذهب إلى فرضية أخرى تماماً تقول بأن بولونسكايا كانت عميلة للـ ك. ج. ب التي قررت التخلص من مايكوفسكي بعد أن أغرم بالروسية الجميلة زاخاروفا التي كانت تقيم في باريس... الخ).
 
مهما يكن فإن مايكوفسكي ما زال يحظى حتى الآن بمحبة و تقدير الملايين من الشباب و المثقفين في جميع أنحاء الكرة الأرضية، خصوصاً بين المثقفين و الأدباء ذوي الميول اليسارية. و ما زال تمثاله ينتصب شامخاً في موسكو يرمز للثورة و للتمرد و ذلك في ساحة تحمل اسم الشاعر " ساحة مايكوفسكي "، التي تجذب إليها جميع الرافضين للظلم و للتهميش.
هنا أقدم ترجمة لمقطع من قصيدتين للشاعر:
  1
" اليوبيل "

الكسندر سيرغييفيتش،
اسمح لي أن أقدم نفسي.
مايكوفسكي.
هات يدك!
ها هو القفص الصدري.
أصغ ِ – لم يعد خفقان بل أنين ؛
لم أعرف أبداً أنه توجد
 كل هذه الأطنان في رأسي
 الطائش بشكل مخز ٍ.
إني أجرّك.
أنت مندهش، بالطبع؟
هل أطبقت عليك؟
هل آلمتك؟
اعذرني، يا عزيزي.
لدي الخلود كاحتياط
كما هو لديك.
2
مقطع من قصيدة:
" بأعلى الصوت "

 اسمعوا، أيها الرفاق الأحفاد،
المبشرَ و البوق – القائد:
و قد أخمدتُ سيول الشعر،
سوف أجتاز المجلدات الغنائية،
متحدثاً إليكم
كما الحي يتحدث إلى الأحياء.
....
إن شعري سيصلكم على ظهور القرون
و عبر رؤوس الشعراء و الحكومات.
...
إن شعري سيخترق السنين بضراوة
و سيصلكم قوياً، ناضجاً، فجاً
كما دخلت أيامنا مواسير المياه،
التي سبق و أبتكرها عبيد روما.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية