العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :19
من الضيوف : 19
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951302
عدد الزيارات اليوم : 3644
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


مايكوفسكي بين عهدين ..العهــد القيصــري والعهـد السـوفييتـي

مالك صقور
لا أبالغ إن قلت: إن فلاديمير مايكوفسكي، واحد من أهم وأبرز شعراء النصف  الأول من القرن العشرين، ليس في جمهوريات الاتحاد السوفييتي، فحسب، بل  والعالم أيضاً.‏ دوّى صوته مجلجلاً في أصقاع روسيا القيصرية، وندّد  بالعبودية والاستبداد، اعتنق وهو فتى صغير الأفكار الثورية،


انضم إلى الحزب الشيوعي (البلاشفة)، واعتقل ثلاث مرات.‏
وهب حياته وكل مواهبه وطاقاته، من أجل الثورة الاشتراكية، وقضايا الشعب الكادح، الغارق في مملكة الظلام.‏

وها هي ذي الثورة، التي نذر حياته لها، وبشّر بها، وضحّى بكل شيء من أجلها، تنتصر. فيزيد من نشاطه، من أجل ترسيخ مبادئ الثورة الاشتراكية الفتية. لكن الشاعر العملاق سرعان ما اصطدم بالانتهازيين، والبيروقراطيين، والمتسلقين، فأصيب بخيبة أمل كبيرة جعلته ينهي حياته بيده.‏
ومع أن المنتحر، لا يلقى الأسف أو الرحمة، إلا أن انتحار شاعر بحجم مايكوفسكي يستدعي الباحث التفكير والتساؤل والبحث، لماذا انتحر مايكوفسكي؟‏
وليس مايكوفسكي هو الأول من بين الأدباء والشعراء الذي ينتحر.‏
فلقد انتحر شعراء قبله وبعده، كالروائي الألماني هنريش فون كليست عام 1811، الشاعر الروسي سيرغي يسينين 1925 وانتحرت الروائية الإنكليزية فيرجينا وولف عام 1940، كما انتحر الكاتب الألماني ستيفان زفايج 1942 والكاتب الكبير الأمريكي أرنست همنجواي 1961، وآخر الذين نعرفهم، ممن أنهوا حياتهم بيدهم هو الشاعر اللبناني خليل حاوي، الذي انتحر في صيف 1982 إثر اجتياح العدو الصهيوني للبنان.‏
000‏

من قصائده الأولى، قصيدة بعنوان (صباح) نورد بعض المقاطع:‏

المطر الكئيب‏
ينظر شذراً‏
ووراء النافذة الحديدية‏
المضاءة الساكنة‏
حيث التفكير الحديدي للأسلاك الممدودة فوق الرأس.‏
سرير من القش‏
وفوقه‏
استقرت بشكل رائع‏
النجوم المضيئة‏
لكن خلف‏
كل الرعب‏

المدمر‏
والقذارة‏
ستبتهج العين في النهاية‏
رغم عبد الصلبان‏
اللامبالي‏
وحيث‏
توابيت المواخير‏
الممتلئة بالرعاع‏
يندفعون في باحة واحدة مشتعلة‏
نحو الشرق الذي يبزغ‏

يقول في المقدمة:‏
أفكاركم الحالمة‏
في مخ رخو‏
كالخادم المترهل على أريكة قذرة‏

سأوقظها بنتف قلبي المدمى‏
ساخراً بصفاقة..‏
وفي روحي لا توجد شعرة شائبة واحدة.‏
ولا رقة الشيخوخة‏
صوتي يرعد مجلجلاً في هذا العالم‏
وأمضي جميلاً ـ‏
في الثانية والعشرين.‏
يا أيها اللطفاء!‏
أنتم ترمون الحب على القيثارة‏
ويلقيه الأجلاف على الطبول‏
لن تستطيعوا أن تقبلوا ما في جوّاي‏
وغير الشفاه لن يبقى‏
تعالوا تعلموا‏
على المضيفة‏
وعلى رابطة الموظفات الإنكليزية الوقورة‏
التي تتصفح فيها الشفاه بهدوء‏
كما الطاهية تقلب كتب الطبخ‏
أتريدون ـ‏
سأغدو كالمصاب بداء الكلب‏
وسأغدو كالسماء تبدل نغمتها‏
أتريدون ـ‏
سأغدو ناعماً طرياً لا لوم ولا عتب‏
لست رجلاً، بل ـ غيمة في سروال!‏
ومرة أخرى ـ يمجدني‏
الرجال الكاسدون كالمشفى‏
والنساء المطروقات كالأمثال.‏
فالشاعر الفتى، الثائر على نظام القياصرة، وعهود القنانة الروسية، الشاب الممتلئ حماسة وثورية، يلوم الجماهير الخاملة، المخدوعة، بأفكارها الواهمة الراكدة في أذهان رخوة غير قادرة على التفكير، لكن الشاعر الذي يدرك هذه الحال، يتطوع لإيقاظها (بنتف قلبه المدمى).‏
يعتمد مايكوفسكي في هذه القصيدة، كما في أغلب شعره، أسلوب المفارقة، والصور المتباينة، ويستخدم المبالغة، فهو يتناقض مع كل من حوله، خاصة مع المجتمع البرجوازي ـ الرأسمالي اللئيم. المليء بالشرور والفجور.‏

يبدو الشاعر متوتراً، مشحوناً لا بل مأزوماً. وتبدو للوهلة الأولى أن أزمته فردية، لكن سرعان ما يخرج الشاعر من «الخاص» إلى «العام».‏
في المقطع الأول يسرد الشاعر قصة حبه الفاشلة، مع (ماريا). يقول فاسيلي كامنيسكي بهذا الصدد: «في أثناء تجوال مجموعة من الشعراء في أرجاء روسيا، يلقون قصائدهم الثورية. فجأة وقع مايكوفسكي في مدينة (أوديسا) بحب صبية جميلة، ـ ماريا ألكسيفنا دينيسوفاـ وهذه الفتاة بالإضافة إلى جمالها، كانت فتاة مثقفة، وذكية، وتهتم بكل جديد، ومعاصر، ويبدو أن الشاعر المتميز المجدد قد جذبها، وكانت علاقة حب بينهما. ولكن لم يستمر هذا الحب طويلاً، فالحبيبة التي وقع الشاعر في غرامها تخلت عنه بسرعة لتتزوج من رجل ثري».‏
وهذا ما جعل الشاعر ينقم أكثر على المجتمع البرجوازي، وقيمه المزيفة وعلاقاته التجارية، إذ يعتبر أن (الثراء) والمجتمع البرجوازي، هما اللذان حرماه من حبيبته، وانتزعاها منه، وفي رأيه أنه لا يمكن أن تقوم علاقة إنسانية متكافئة في أحضان المجتمع البرجوازي، ومن هنا، كانت صرخته في المقطع الأول: «فليسقط حبكم».‏
صحيح أن الشاعر يوظف قصة حبه الفاشلة في مدينة أوديسا، ويذكر اسم الفتاة الصريح، ويصور حاله التعسة، وأزمته النفسية القاتلة، لكن سرعان ما يخرج من الحالة الفردية، ويبتعد عن صورة (ماريا) الحقيقية، كما فعل من قبله الشاعر الكبير بوشكين، مع آنا بيتروفنا كيرن، وكذلك الشاعر بلوك مع لوبوف ديميتريفنا مندلييف. مايكوفسكي، أيضاً خرج من الخاص إلى العام. خرج من (أنا) الشاعر المتألم، إلى (نحن) الكثيرين المتألمين.‏
يقول مخاطباً ماريا:‏
أتذكرين‏
حين قلتِ أنتِ:‏
«مال‏
حب‏
شهوة»‏
أما أنا فكنت أرى‏
شيئاً واحداً‏
أنت الجوكندا‏
التي يجب سرقتها‏
ولقد سرقوها.‏

ماريا، عند الشاعر، صبية حسناء، لها روح ولها عواطف، وهي من دم ولحم وعظم، يمكن أن يتحدث معها حول المال، والحب والنزوات، لكنها في المجتمع البرجوازي عبارة عن لوحة. واللوحة تباع وتشترى. ولأنها حسناء، فإنها لوحة ثمينة ـ هي الجوكندا. وهذه اللوحة بالذات لا تباع، لذا فإنها تسرق. ولقد سرقوها.‏

هكذا يصور الشاعر سرقة الرجل الثري لحبيبته ماريا.‏
فالشاعر يدين هذه العلاقات التي تقوم على البيع والشراء، شراء وبيع العواطف الإنسانية. يدين المجتمع الذي يقوّم كل شيء على أساس الربح. فهذا المجتمع القائم على الربح والخداع، والبيع والشراء، لا يقيم وزناً للفن الأصيل، ولا للحظة، فبالتالي، ينبذ هذا المجتمع مايكوفسكي ولا يعترف به:‏
ومن هنا، فقد استهل الشاعر المقطع الثاني الذي وضع له عنواناً «فليسقط فنكم». هكذا:‏
مجدوني‏
فأنا عظيم ولست نكرة!‏
والعلاقة هنا، بين مايكوفسكي والمجتمع متبادلة، فالمجتمع الذي لا يعترف بمايكوفسكي وأمثاله، يحتقره مايكوفسكي، ويأتي سؤاله الإنكاري: الكتب؟ ما الكتب؟! تهكماً، وسخرية ليس من المجتمع وحده، بل ومن شعراء هذا المجتمع الذين: «ما زالوا يطبخون القوافي من حب وبلابل» في حين أن «الشارع يمضي ملتوياً أخرس لا يقدر على الصراخ أو النطق.»‏
ينادي مايكوفسكي أن يكفوا عن البكاء والنشيج، والتباهي بتجديد أبراج بابل، والانتباه إلى ما هو معاصر، أن ينزلوا من السماء إلى الأرض، إلى الشارع؛ حيث الجماهير التي لا تقدر على الصراخ أو النطق، أو التعبير عن طموحاتها وعن حالتها المذرية. فالشعراء عليهم واجب إيقاظ هذه الجماهير وتعليمها..‏
يتباهى مايكوفسكي في قصيدته «غيمة في سروال» ويفتخر بالمنبت الطبقي الذي ينتمي إليه والطبقة العاملة كلها:‏
«نحن المحكومين بالأشغال الشاقة. كمصابي الجذام‏
حيث الذهب والوسخ يولدان الداء‏
نحن أنقى من نقاء فينيسيا‏
المغتسلة بالشموس والبحار‏
ولا يهم، أنه لا يوجد‏
لدى هوميروس. وأوفيدوس‏
أبطال مثلنا‏
ملطخون بالسخام والجدري‏
إني أعرف ـ‏
أن الشمس ستنكشف، لو ترى‏
أعماق أرواحنا الذهبية!‏

إن الطبقة العاملة، وجموع الكادحين، يعملون ليلاً نهاراً، وكأنهم محكومون بالأشغال الشاقة. والطبقات العليا تستغلهم، وباستغلالهم يقدمون الذهب، في حين هؤلاء يرتعون بالوسخ والقذارة، وعلى الرغم من هذا فهم أنقى من نقاء فينيسيا.‏
وماذا يهم؟ إن لم يكن لدى هوميروس في ملاحمه، أبطال أمثال هؤلاء البروليتاريا، والمعروف أن أبطال هوميروس كلهم من الأبطال والآلهة وأنصاف الآلهة.‏

انظروا إلى هذه الصورة الرائعة: إن الشمس بذاتها ستنكشف لو ترى أعماق الكادحين الفقراء. أعتقد أنها صورة فنية وتشبيه لم يطرقه أحد من قبل، ولم يكرره أحد من بعد.‏
بعد ذلك. ينتقل الشاعر متدرجاً لتنفتح آفاق القصيدة على مداها ويصل إلى الثورة:‏
فأنا‏
الذي أثير سخرية القبيلة العاهرة‏
كنكته، طويلة فاجرة‏
أرى المقبل عبر جبال الزمن‏
والذي لا يراه أحد‏
حيث عيون الناس قصيرة النظر‏
عيون رؤوس القطعان الجائعة‏
إني أسمع جلجلة عام 1916‏
متوجاً بآكليل الثورة‏
وأنا معكم ـ رائدها الأول‏
وأنا أكون ـ حيث يكون الألم، في كل مكان أكون‏،
ومع كل دمعة‏
أصلب نفسي.

لقد تنبأ الشاعر بالثورة التي ستنتصر عام 1916، لكنها تأخرت لعام 1917، وهو، لن يكون المتفرج على الأحداث، ولن يكون المحايد الذي يرى ويتفرج عن بعد، بل ينذر نفسه، بأنه سيكون (رائدها الأول)، ويزج بنفسه حيث يكون الألم. وهذا ما قاله، وهذا ما نفذه، على عكس الكثيرين الذين يقولون ولا يفعلون، وهو ربط القول بالفعل.‏
«فليسقط نظامكم». هذا هو عنوان المقطع الثالث، وفي هذا المقطع يتخلى مايكوفسكي عن يأسه الذي يؤدي به إلى الموت، أو إلى الجنون. وسرعان ما يعود يعزف على وتر الثورة، والتمرد:‏
هلموا أيها الجائعون‏
أيها الغارقون‏
هلموا‏
أيها الخاضعون‏
المطمورون بقذارة البراغيث‏
ولا يكتفي بهؤلاء، بل يتجه إلى كل الناس بمن فيهم السكارى؛‏
وأنتم أيها السكارى‏
أخرجوا أيديكم من جيوبكم‏
التقطوا حجراً، سكيناً، أو قنبلة‏
ومن ليس لديه أيد‏ .

فليضرب برأسه‏
ويتابع تحريضه، حتى يصل بقوله «أنا الحواري الثالث عشر». وهنا يدين أولئك الذين يدّعون حب المسيح، وفيهم ينتصر يهوذا، يدين أولئك الذين باسم المسيح يضطهدون الملايين، والمسيح يعلن: إن دخول الجمل من سم الإبرة أسهل من دخول غني ملكوت السماء. وهذا هو مضمون المقطع الرابع والأخير، حيث يصرخ: «فلتسقط ديانتكم» وهذا المقطع الرائع يلتقي مع رواية الكاتب اليوناني كازانتزاكي ـ «المسيح يصلب من جديد».‏
...
وتنتصر الثورة التي بشّر بها، ونذر نفسه لها، وتنبأ بها، بعد عام على تنبئه، في عام 1917، لتكون أول ثورة اشتراكية، دولة الكادحين من عمال وفلاحين ومثقفين ثوريين، ولتصبح أمل ملايين الملايين في أرجاء المعمورة، وتكون هذه الثورة منعطفاً حاسماً ليس في روسيا فحسب، بل في العالم كله، وتبدأ مرحلة جديدة في البلاد، وفي حياة الشاعر مايكوفسكي الإبداعية والاجتماعية ويعلن على الملأ: «إنها ثورتي».‏
يفجر الشاعر كل طاقاته ومواهبه، ويعمل في كل الاتجاهات، من أجل ترسيخ مبادئ الثورة الاشتراكية الفتية، فيشارك في كل نشاطات الحزب، ويلقي القصائد الحماسية في منظمات الشباب والعمال والفلاحين، ويبدع قاموسه الفني الجديد، ويضمن قصائده شعارات الثورة التي لم يألفها الشعر الروسي من قبل، ويدافع عنها بقوة وحزم، مبرراً ذلك بأن الفن يجب أن يكون في خدمة المجتمع والشعب، مستجيباً لمتطلبات المرحلة وقضايا جماهير الكادحين العادلة والمصيرية. وتضيق به حلبات موسكو على اتساعها، فينطلق إلى أرجاء روسيا ومدنها الكبيرة إلى المعامل، والمزارع، وكل التجمعات البشرية ليلقي قصائده الثورية، محرضاً من أجل ترسيخ مبادئ الاشتراكية، ولم يكتف بذلك، بل كتب المسرحيات والسيناريوهات للسينما، ومثّل فيها أيضاً، وعمل في كل مجال له علاقة بالجماهير العريضة، حتى كتب الشعارات الثورية واللافتات في الشوارع، وعلقها بيديه.‏

...
سافر مايكوفسكي إلى ألمانيا وفرنسا عام 1922، وتعرف إلى أوروبا، وكرر زياراته إلى هذين البلدين، كما سافر إلى المكسيك والولايات المتحدة الأمريكية، وهناك أعلن: «جئت لأدهش، لا لكي أندهش». وبالمناسبة، لم يعجب كثيراً بحضارة الغرب، وخاصة، أمريكا، يقول في إحدى قصائده:‏
أنت حمار، يا كولومبس‏
أجل، أنا أعني ما أقول‏
فلو كان لي أن أكون مكانك‏
اسمع ماذا كنت سأفعل:‏
أُغلق أمريكا‏
أنظفها قليلاً‏
ثم أعيد فتحها ثانية.‏
وفي كل العواصم التي زارها، كان مايكوفسكي يلقي قصائده، ومحاضرات عن ثورة أكتوبر العظمى، وعن الاشتراكية، وعن الأدب الروسي، وكان يلتقي الشخصيات الأدبية المشهورة. في باريس، مثلاً، التقى «أراغون» الشاعر الفرنسي، وأحب مايكوفسكي باريس، وطاب له المقام فيها، وذات مرة قال وهو يغادرها:‏
تمنيت أني‏
أعيش في باريس‏
وأموت فيها‏
لو لم تكن هناك أرض ـ اسمها موسكو.‏
وقال: «باريس جميلة، ظاهرة مدهشة، متناقضة ومعقدة، لكن باريس لم تعط الإنسان السعادة بعد».‏
والجدير بالذكر، هنا، أنه تعرف في باريس عام 1928 على تتيانا ياكوفلوفا من أصل روسي، وأحبته وأحبها، ووعدها بالزواج، وإن كان سابقاً حمل معه إلى روسيا هدية تمثل «برج إيفل» فإنه كان ينوي أن يأخذ معه كل باريس، ويقصد (تانيا) حبيبته التي تمثل باريس عنده، فيقول:‏
سيان عندي‏
سآخذك يوماً ما‏
وحدك‏
أو مع باريس‏
لكنه غادرها، ولم يستطع العودة إليها، وحبيبته تانيا هذه لم تنتظره. فتزوجت من غيره، وهذا ما آلمه.‏
كان مايكوفسكي يعود من الغرب وكله إيمان ببشاعة الرأسمالية، ويزيد من ذلك حبه لوطنه الاشتراكي، وتتجدد حماسته، لترسيخ قيم الحب والخير والجمال والعدل، في الوطن الذي طالما حلم به وناضل من أجله، ولكن يا للخيبة الكبيرة، فلقد اصطدم الشاعر بالمتسللين إلى الحزب وبالمتسلقين، وبالانتهازيين وبالبيروقراطيين، الذين استلموا مناصب في جهاز الحزب والحكومة.‏
وكما قلنا، إن كان مايكوفسكي قد ناضل وكافح وضحّى من أجل الثورة ضد البرجوازية والقياصرة، فإنه بعد انتصار الثورة صار يناضل ضد كل أشكال البيروقراطية، والانتهازية، التي بدأت تتفشى في الحزب والدولة. وقد استغل بعض المقربين من لينين، رأي قائد الثورة في جماعة المستقبليين، بشكل عام، وفي شعر مايكوفسكي بشكل خاص، وأخذوا يهاجمون مايكوفسكي ويحاربونه علناً. وكان لينين قد أعرب أكثر من مرة عن عدم ارتياحه لشعر المستقبليين وفوضويتهم، وهذيانهم. وكان يعد مايكوفسكي منهم، وذات مرة قال رأيه في شعره بحضور الكاتب الكبير مكسيم غوركي: «إنه شعر غامض، وكلماته مبعثرة، وصعب الإدراك والفهم».‏
لكن غوركي صديق لينين الذي كان يجالسه طويلاً ردّ على لينين قائلاً: «إنه موهوب». فتعجب لينين من جواب غوركي، وقال له: «أتقول إنه موهوب؟!» فعقب غوركي: «بل ذو موهبة فذة». فغَمغم لينين: «همْ، همْ، همْ، ثم أردف: سنرى سنرى».‏
ولينين نفسه لام لوناتشارسكي لوماً شديداً، كيف سمح بطباعة خمسة آلاف نسخة من قصيدة مايكوفسكي (150.000.000 ـ مئة وخمسون مليون) وكتب له، إن 1500 نسخة تكفي هذا النوع من الهراء لأجل المجانين، ولوناتشارسكي الذي كان يومها ـ مفوض الشعب للتعليم ـ رد على لينين باستحياء شديد وقال له:‏
«هذه القصيدة لا تعجبني كثيراً، لكن الشاعر بريوسف قوّمها عالياً، واقترح طباعة عشرين ألف نسخة منها.‏
ويجب التأكيد أن القصيدة(مئة وخمسون مليون) لقيت نجاحاً كبيراً، عندما ألقاها الشاعر، وخاصة من قبل العمال.‏
يستهل مايكوفسكي قصيدته 150.000.000 (مئة وخمسون مليون)، هكذا:‏
150.000.000 معلم(?) اسم هذه القصيدة.‏
الرصاصة ـ إيقاع‏
القافية ـ نار من مبنى إلى مبنى‏
150.000.000 يتكلمون بلساني:‏
من يسأل القمر‏
من يلح على الشمس أن تجيب:‏
من الذي يصوغ الليل والنهار‏
من الذي يسمي الأرض المؤلف العبقري؟‏
تماماً‏
كما قصيدتي‏
لم يبدعها أحد بعد.‏
وهي تحمل فكرة واحدة..‏
إضاءة الغد‏
في هذا العام‏
في هذا اليوم، وهذه الساعة‏
تحت الأرض‏
فوق الأرض‏
في السماء وأعلى ـ‏
ظهرت لافتات‏
اجتماعات‏
إعلانات‏
إلى الجميع‏
إلى الجميع‏
إلى الجميع‏

إلى الجميع‏
من لا يستطيع أكثر‏
فلينسحب‏
ويذهب‏
توقيع‏
الثأر ـ رئيس التشريفات‏
الجوع ـ مدير حاذق‏
حرْبه ـ‏
بروانينغ‏
قنبلة‏
فلان تواقيع‏
سكرتيرات‏
هذا هو مطلع قصيدة 150.000.000 التي لم تعجب لينين قائد الثورة، والتي حطم فيها مايكوفسكي القافية والوزن، وحافظ على الإيقاع، ولينين اعتاد الشعر الكلاسيكي، ومع أن مضمون القصيدة ثوري، إلا أن الحداثة، جعلتها نافرة في حينها على مسمع لينين الذي أحب شعر بوشكين وليرمنتوف وغيرهما من أعلام الأدب الروسي.‏
لكن الجدير بالذكر، أن الشاعر لم يقف الموقف ذاته من لينين، ولم يعتب عليه، ولم يحقد لرأيه في شعره، فعندما مات لينين ـ 1924، كتب مايكوفسكي قصيدته ـ الملحمة ـ «فلاديمير إيلتش لينين».‏
ويُعد النقاد هذه الملحمة من روائع مايكوفسكي على الرغم من أنه تخلى كثيراً عن فنية القصيدة على حساب المضمون السياسي.. وفي يقيني، أن شاعراً آخر غير مايكوفسكي لم يمدح إنساناً ذّمه، أو كان رأيه فيه سلبياً. وهذا ما يؤكد أن مايكوفسكي، كان إنساناً كبيراً وكان معجباً بشخصية لينين ـ القائد ـ على الرغم من رأي لينين السلبي فيه.‏
مجّد الشاعر لينين، ومدحه، واستعرض الماضي والحاضر والمستقبل واعتبر أن لينين يختصر الحزب والثورة، والثورة والحزب هما لينين، نستشهد بمقطع منها:‏
أنا أعرف:‏
أن النقاد سيرفعون سياط نقدهم‏
وأن الشعراء‏
سيجن جنونهم:‏
أهذا شعر؟‏
إنه دعاية ساخرة‏
لا شعور فيه‏
لا شيء‏
من المؤكد أن كلمة «رأسمالية»‏
ليست أنيقة‏
«فالبلبل» لفظها أعذب‏
ولكني سأقولها رغم ذلك‏
كلما احتجت إليها‏
دع المقاطع‏
ترن كالشعارات المحاربة‏
أنا لا أفتقد المضامين‏
وأنتم تعرفون ذلك‏
إلا أن الوقت الآن‏
ليس وقت الثرثرات‏
عن ألم الحب‏
إن كل قوتي الشعرية المرعدة‏
وقف عليك يا طبقتي‏
«البروليتاريا» تبدو كلمة‏
لا تصلح لاستعمال‏
الذين يرتعدون من الشيوعية‏
لكنها تبدو لنا كالموسيقا الهادرة‏
التي توقظ الأموات للكفاح‏
لقد آلم مايكوفسكي. وهو شاعر الثورة، التي ضحى من أجلها بكل شيء، أن يرى نفسه محاصراً من الجهات المسؤولة في الحزب والدولة، وآلمه أكثر أن بعض أصدقائه سكتوا عن المهازل التي ترتكب بحق شاعر الثورة.‏
فمن جهته، كشاعر، وثوري، وشيوعي، وإنسان، لم يستطع مهادنة الانتهازيين، وذوي المنافع الشخصية، فكتب مسرحياته الناقدة اللاذعة، وقصائده التي تفضح هؤلاء البيروقراطيين، الذين كرسوا الروتين القاتل الذي يشل العقل والتفكير، فكتب قصيدته «مجنون الاجتماعات»، وبالمناسبة هذه القصيدة أثنى عليها لينين قائد الثورة وأحبها، لأنها فضحت أولئك الذين يخرجون من اجتماع ويدخلون في آخر، فثمة مواطن يأتي إلى مؤسسة رسمية مراجعاً، منذ الفجر الأول وحتى غياب الشمس، لا يجد مسؤولاً واحداً، أو رفيقاً في لغة تلك الأيام. أين هو؟ في اجتماع ثقافي، في اجتماع شبيبي، في اجتماع إنتاجي، في اجتماع.. الخ.‏
فمايكوفسكي، ولينين لم يحبذا كثرة الاجتماعات وهدر الوقت في الثرثرة، والكلام الفارغ دون جدوى، في حين عشرات الآلاف من العمال خلف الآلات، ومن ثم كتب قصيدته الرائعة «فظائع الأوراق» التي يفضح فيها الروتين الظالم والبيروقراطية، كما استهل قصيدته عن الهوية السوفيتية:‏
«لو كنت ذئباً‏
لقضمت‏
البيروقراطية»‏
لكن البيروقراطيين، كانوا له بالمرصاد، فشددوا الحصار عليه، وتوجه النقاد المتزمتون ضيقو الأفق، بالسخرية والتهكم منه ومن أشعاره، وراحوا يشنون الحرب عليه علناً، شاركهم بذلك أساتذة الجامعات والمعاهد الذين طالبوا بعدم خروج الشعر الروسي عن المألوف، ومع كل هجوم جديد كانت شعبية مايكوفسكي تزداد، على الرغم من الحملات المسعورة المنظمة ضد هذا الثائر على الشكل والمضمون ليس في الشعر فحسب، بل على كل مظاهر الفساد في أجهزة الدولة وفي صفوف الحزب، والتي كانت في رأيه تخون الطبقة العاملة باسم الطبقة العاملة. ولم يكتفوا بالنقد اللاذع والتهكم المرير، وإلصاق التهم الخرقاء بالشاعر، بل سحبوا مؤلفاته من المكتبات، ورفضوا طباعة أعماله الجديدة.‏
وهكذا، حوصر الشاعر من كل الجهات، فحاول الرحيل إلى باريس، حيث تقيم حبيبته تانيا ياكلوفلوفا، فمنعوه من الخروج مثنى وثلاث ورباع. وعندما عرفت (تانيا) بذلك، تزوجت من الفيسكونت دوبليه، مما زاد ذلك عذابه وآلامه، عدم السماح له بالسفر أولاً، وثانياً فقدان الحبيبة، وذلك، سرّع في يأسه وإحباطه، وأحكموا الطوق حوله، وشددّوا الرقابة أكثر، وأحس أنه محاصر من كل الجهات. فلم يبق أمامه أي مخرج، كما قال في رسالته الأخيرة التي كانت بمثابة وصية، وأنهى حياته بيده في 14 نيسان 1930.‏
في ذلك اليوم المشؤوم، وجدوا جثته ورسالته الأخيرة، وبيده التي خط بها عشرات الآلاف من القصائد والمسرحيات، والسيناريوهات، كتب الأسطر التالية، من غير أن ترتجف يده، ثم أطلق النار على نفسه بمسدس كان بحوزته:‏
إلى الجميع‏
لا تتهموا أحداً بموتي. دعوا الدّس والنميمة ومن غير فضائح من فضلكم. فالميت لم يحب ذلك إطلاقاً.‏
ماما، أختيّ: سامحوني؛ هذه ليست طريقة. (ولا أنصح بها أحداً). ولكن، لا يوجد أمامي أي مخرج.‏
ـ ليلى.. أحبيني.‏
ـ رفيقي الحكومي ـ عائلتي هي: ليلى بريك، وأمي وأختاي، وفيرونكا بولونسكايا.‏
إذا أمّنْتَ لهم حياة مقبولة ـ فشكراً.‏
وكما يقولون‏
انتهى الأمر‏
وقارب الحب‏
تحطم على صخرة الحياة‏
التي صفّيتُ حسابي معها‏
لا داعي للحزن‏
على الآلام المشتركة‏
والمصائب‏
والمنغصات‏
وأتمنى لكم السعادة ببقائكم‏
فلاديمير مايكوفسكي‏
...
صعقت موسكو للنبأ الفاجع، لا بل كل أرجاء الوطن السوفيتي، كما صعقوا يوم قتل بوشكين وليرمنتوف أيضاً. ومن الذين صعقوا، ولم يكن يتوقع ذلك، هولوناتشارسكي بالذات الذي اعترف بتقصيره واستهتاره بصديقه المرحوم الشاعر الكبير. قال لوناتشارسكي في حفل تأبين الشاعر يوم 17 نيسان 1930 يوم زحفت موسكو كلها لتشييع الشاعر في نادي الكتاب: «كل من سمع نبأ موت مايكوفسكي للوهلة الأولى، لم يستطع أن يصدق. مايكوفسكي، كان قبل كل شيء، جزءاً من الحياة الحادة المشتعلة، وأكثر من ذلك، صار جزءاً من الحياة الملتهبة لأنه كان صوت الحركة الاجتماعية العظيم. مايكوفسكي صار باسم الملايين، يكلّم الملايين، عن مصير الملايين، وها هو ذا قد مات.‏
ولكن مايكوفسكي ـ شخصية اجتماعية مرموقة. مايكوفسكي ـ بشير الثورة، لم ينهزم. ولم يستطع أحد، ولا في أي وقت من الأوقات، أن يوّجه إليه أية ضربة، وهو أمامنا، وسيبقى يقف بعظمته الكلية».‏
في الذكرى الأولى لرحيل الشاعر في 14 نيسان 1931، قال لوناتشارسكي: /لم نكن نرقى كلنا إلى فهم ماركس الذي قال: «إن الشعراء بحاجة إلى كثير من الحنان». ولم نفهم كلنا، أن مايكوفسكي كان بحاجة إلى المزيد من الحنان، لقد كان بحاجة إلى كلمة حنون، دافئة، نابعة من القلب/. ولكن ماذا ينفع الندم؟ وهنا تكمن مأساة الشاعر الكبير، ومأساة الكثيرين من الشعراء الأحياء منهم والأموات، أولئك الذين لم يقدروا حق تقدير، ولم ينالوا أبسط حقوقهم كمبدعين، ولم تقل لهم الكلمة الحنون الدافئة، إلا بعد مماتهم، ومايكوفسكي منهم.‏
ندم لوناتشارسكي واعترف بتقصيره، وأغلب الظن أن مايكوفسكي في رسالته الأخيرة يخاطب لوناتشارسكي بقوله: «رفيقي الحكومي»، ومرة أخرى، ماذا ينفع الندم؟ وماذا ينفع التسويغ؟.‏
صحيح، أن تمثال مايكوفسكي، يقف هائلاً شامخاً في موسكو. وفي قريته (بغدادي) التي سميت باسمه، وصحيح، أنه أعيد اعتبار مايكوفسكي: الشاعر، الثائر، المتمرد، وصحيح، أنه أعيدت طباعة كتبه عشرات وعشرات المرات، بملايين النسخ، وكذلك افتتح له متحف باسمه، وكتب عنه الكثير، وصار محط أنظار الباحثين والدارسين، وحلقات البحث، ورسائل الماجستير والدكتوراه أيضاً.‏
لكن الصحيح أن مايكوفسكي، قد ظُلم، ورحل أو أجبر على الرحيل قبل الأوان.‏
(?) يقصد الشاعر بكلمة معلم – ليس معلم الدراسة ـ بل معلم الحرفة ـ أي صانع حاذق، أو عامل ماهر.‏



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية