العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :47
من الضيوف : 47
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27951871
عدد الزيارات اليوم : 4213
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


نزيهة سليم أقدم رسامة في العراق

محمد الهجول
صحفي من اسرة الزمان
عند طاولة رمادية، أُقحمت بعفوية في فسحة قيّدها سكون غريب.. ارخت الفنانة (نزيهة سليم) إستذكاراتها.. فكانت الصور الضخمة التي علقت قامتها، مشهدا أفل عن الحياة، فصار ماضيا تندلق موجوعة، واجمة ، إلاّ من لمعة خضب ذبالة عيني (نزيهة) وهي تتأمل الاشياء من حولها.


إمرأة ، رتبت سنوات عمرها المجهد، فانتهت: واهنة ، معلولة، مركونة في فضاء العزلة والنسيان.
وفنانة رفرفت لوحاتها وهي تفرك ألوانها ، وتوزعها بعطف، بحثا عن الاصالة العراقية .. لتكون اليوم وتبقي اقدم رسامة في العراق. إمرأة ، فنانة عراقية، تلوّت لتحوك نجمة ملونة في سماء وطنها ولكن بعد ان طالها المرض ، واثخنتها الكهولة.. لم تجد غير عقوق شرس وجفوة واخزة...ابكياها بحرقة!!
اسمها الصريح ، بصيغته الرسمية (فاطمة نزيهة) وهي البنت الوحيدة، بين سبعة اخوة ذكور، كان واحد منهم (سقيط) وآخر توفي وعمره عام واحد، وثالث توفي بعد سنة ونصف .. لتبقى هي الخامسة بعد اخوتها باسمائهم المركبة: محمد رشاد، علي سعاد، احمد جواد، مصطفى نزار، نشأت (نزيهة) في وسط عائلي ، كان يهتم كثيرا بالثقافة والمعرفة والفنون .. فوالدها الحاج (محمد سليم علي الموصلي) كان رساما ومديرا عاما واول استاذ رسم للامير غازي .. واخوتها فنانون ايضا.
وكانت دار العائلة في منطقة (الفضل) ببغداد، ملتقى الفنانين العراقيين والاجانب مثل :(باريما) و(ماتوشالك) و(حابسكي) و(مدام ستنلويد) و(كنت وود) والى ذلك، تضيف الفنانة (نزيهة) نحن اول من اهتم بسماع الموسيقى الكلاسيكية في بغداد... وكان والدي يتذوق المقام العراقي ويقرأه .. كما كان يجود القرآن الكريم.
لذلك فهي حتما تتذكر تأثير والدها في تشكيل الانتباهة الاولي، التي تركزت حولها تجربتها في فن الرسم... تجربتها هي وتجارب إخوتها كذلك، رشاد وسعاد وجواد ونزار...
كيف كان يعلمهم تكبير الصور بالمربعات.. وكيف علمهم جر خط مستقيم، بسحب القلم من اليسار الى اليمين ، على ان يقطعوا انفاسهم حتى ينتهوا من ذلك .. وكيف علمهم ان يظللوا، ويقيسوا الاحجام.
طفلة ندية، وجدت الاوراق والالوان تتلوى امامها، فادركت قيمة التعبير من خلالهما.. تتذكر كل ذلك وفرحة هائمة قفزت من الاعماق ، وطغت على قسمات وجهها التي حرفها الزمن حتى ذاك الجرح الذي توسد خدها وهي طفلة، لا يزال يهش التجاعيد ممعنا في مكانه ..تتلمسه (نزيهة) وتستطرد: (كنت طفلة حينها، العب مع اخي المرحوم جواد... إذ انني ولدت بعده ، فلم يكن ثمة فارق ملموس بيننا في العمر... وكان هاجس الغيرة بيننا يقودنا احيانا الي مفارقات كثيرة وهذا الجرح واحد من تلك المفارقات إذ استل جواد (ماشة) شعري وغرسها في خدي.) صمتت ، ثم مالبثت ان انعطفت قائلة: هذا الجرح، كان اخي نزار يقول لي عنه : حتي جرحك يانزيهة كان جرحا فنيا..) تبتسم ..فيتعدى ناظراي الى قسمات وجهها، ممعناً بفضول ، حيث مكان الجرح،الذي إلتصق ليظل قريبا منها بطراوته، من دون ان ينفرط او يتخلى عنه!! تعد الفنانة (نزيهة سليم) من اوائل الفنانات العراقيات مع الفنانة (مديحة عمر) ....اكملت دراستها الفنية في معهد الفنون الجميلة ببغداد بتفوق، الامر الذي وفرّ لها الفرصة، فارسلت ببعثة رسمية الي باريس، لتتخرج في المعهد العالي للفنون الجميلة (البوزار) عام 1951، حيث تخصصت بفن الجداريات ، تلميذة علي يد الفنان الفرنسي المعروف (فرناند ليجيه) .. كما اكملت زمالة لمدة عام واحد في المانيا الشرقية للتخصص برسوم الاطفال ومسرح الاطفال .. وتمرنت في اثناء ذلك على المزججات والتطعيم بـ(الانامل). تتوغل اعمال الفنانة (نزيهة سليم) في تجسيد تقاليد الحياة والممارسات التي تأتي فيها المرأة كمحور اساس.. فاشكالها مرهونة بسياق تعبيري يعتمد التبسيط في التنفيذ والتقنية .. مستلهمة من الحراك الاجتماعي مجرى سرديا تتصادم وحداته المرسومة بمضمون ثابت لا يتغير. وهي بهذا بدت اكثر الفنانين العراقيين انحيازا الي تجسيد المرأة العراقية، من منظور الزاوية المألوفة .. اي ان المرأة في رسوماتها كائن عطوف وخجول، فضاءاته محددة وتقليدية.
لذلك نراها تتذكر دائما الحكمة التي املاها عليها اخوها الفنان الكبير جواد سليم : (لكي لا يتأثر الفنان بمؤثرات اخرى، عليه ان يظل باقيا علي وعيه الفطري). ولكنها تنعطف بحديثها مبررة فتقول (نحن من بيئة دينية .. وكانت أمي تقول حينما ارسم صورة تشخيصية: ابنتي لا تكمليها، لان هذه الصورة سوف تطالب صانعها بالروح يوم الدين). اذا ، لم تكن اعمال الفنانة نزيهة سليم تتمعن في تصنيع جدلية المضمون الذي تأسست عليه طروحات العديد من فناني جيلها.. بل نجدها قد ظهرت لتغذي مناخات تحتفظ بشحنة تنتمي الى التذكر والمعايشة فاعمالها : شباك بنت الجلبي- ليلة عرس- صانع اللحف- افراح المرأة - الدخلة، وغير ذلك الكثير .... كانت تتسع لبنية تعبيرية ، تختزل فيها مشهد الحياة العراقية الاصلية.. لذلك نجد اخاها (نزار سليم) لا يبالغ عندما يقوّم اعمالها فيقول : (اضافة الى رسوم الشخوص (البورتريت) فان عوالمها المفضلة هي عوالم المرأة العراقية في انماط حياتها.. إن تأثير مواضيعها كدراسات وملاحظات معنية بالعطف والمشاركة الحسية، باسلوب يتوخى تبسيط الاشكال وملئها ببريق الألوان). وفي النتيجة ، كان على الفنانة (نزيهة) ان ترسخ بوعيها الفطري نظاما موضوعيا ، ينطلق من تلك الحساسية التي تراها في المحيط، مركزا مثاليا، تتلمس من خلاله طابع الحياة الكامنة ومظهرها في عادات تتماهى معها بقناعة وجدية... تنفعل عندما ترى الاشياء بقعة مفترضة في اللوحة، محددة خيرا ما.. وتتغاضى عن الظواهر عندما يصنعها بعضهم في افتراض يتجاوز الفطرة. فالعالم والمحيط والعادات والقوانين، نجدها لدى هذه الفنانة مبادئ تنجذب اليها بحكمة، فتتناظر في دواخلها بتفاوت، وبحرية التعبير ، واتساع القدرة على التعامل، لنكون بعدها أمام حصيلة من الثراء.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية