العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :66
من الضيوف : 66
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31856383
عدد الزيارات اليوم : 16219
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


غرفة بندر عبد الحميد

صفاء صنكور
أصبحت لنا غرفة  الآن قرب الرب. اسمح لي أن أقول ذلك بكل أنانية! يا بندر، فأنا لا أومن أن  للزمن أهمية لديك ولم يكن مكانك بعيداً عن السماء.


لقد خبرت ذلك فيك، فلقاءاتي بك تفصل بينها عقود، وفي كل مرة أراك تستقبلني وكأننا تفارقنا ليلة أمس. ثم تطول الليلة عندك وكأنها حصاد عقود: معرفة ومحبة وطيبة ومسرة.
أتذكر، في تلك الأيام القليلة النادرة التي عرفت بربيع بغداد ودمشق عام ١٩٧٩، نزلت علينا كملاك دمشقي (اسررتني حينها أن مجيئك كان مصادفة بعد أن اعتذر المسؤول الثقافي السوري المدعو إلى المهرجان)، ولفت انتباهك ذاك الشاب المتحمس الذي يناقش كل يوم في الجلسات النقدية لمهرجان السينما العراقية (أفضل وأغنى مهرجان في تاريخها، ولم يتكرر )، فاصطفيته صديقًا بلحظات ومن دون حواجز ، كما اصطفاه غالب هلسا ومحمد مبارك ليكون ثالثهما على منصة جلسة الختام وهو لم يدخل العشرينيات من العمر بعد. بلمحة بصر اختفيت بعد أن التمعت في سمائنا كشهاب. وأغلقت الأبواب بعدها بأقفال ثقيلة من الدم والحروب والحصار.
بعد مرور نحو عقدين، مررت بالشام في طريقي إلى بيروت لالقاء بحث في ندوة اتحاد الكتاب اللبنانيين عن "المثقف والهوية"، لم أتخيل أنك ستتذكر ذلك الشاب النحيل، ولا حماسه، لكنك استقبلتني بالأحضان وكأننا افترقنا أمس، وبادرتني بسلسة من القفشات عمن يحكمون عندكم وعندنا أزالت كل توجسي وخوفي، وبت تذكرني بتفاصيل أنا لا أتذكرها. فعرفت أي قلب كبير وأي ذاكرة حية وأي نبع للطيبة والمحبة هو أنت يا بندر. ومنذ ذلك الحين باتت دمشق هي بندر بالنسبة إلي وبندر هو دمشق كلما عدت إليها. كنت أذهب بلا سابق موعد إلى تلك الغرفة مشرعة الأبواب، المؤثثة بالمحبة والطيبة والمعرفة والأصدقاء، شاعر تحيط به هالة، أجل هالة من الأصدقاء، هكذا كنت أرى بندر عبد الحميد دائما.
تشبه تلك الغرفة الصغيرة القبو. وتحتل طاولة الجلسة الواسعة والعامرة بالأصدقاء دائما معظم مساحتها تاركة مساحة صغيرة لمكتبة ملحقة بها وما يشبه المطبخ يطل على بابها. لكنني لم أدخل بحياتي مكاناً رحباً في الوقت نفسه مثلها.
رحبة، فسيحة، بل قل شاسعة وعمقها لا يحد، كانت غرفتك يا بندر. لم أكن أرى فيها شباكًا مفتوحًا لكنني كنت أراها تطل على السماوات، وتمتلئ بغيوم تمطر محبة. وعلى طاولتها تتلألأ قطرات ندى حنين خلفها أصدقاء راحلون، وتدوّم في فضائها نسمات مضمخة بالطيبة والرأفة وتتردد في أثير ها موسيقى وشجن أغنيات وضحكات تركها خلفهم من عرجوا من سماواتها من الأصدقاء.
أنا واثق من أن غرفتنا الجديدة التي ستؤثثها كعادتك قرب الرب لن تكون سوى صورة أخرى من سماوات المحبة الفسيحة تلك ولكنها هذه المرة لن تكون في مكان صغير قرب شارع العابد يشبه القبو.
انتظرنا يا بندر، يا نبع الطيبة والمحبة، وأشدّد انتظرني قريباً أيها الصديق البهي، لا أظن أننا هذه المرة نحتاج إلى أن تمر عقود كي نلتقي، وليس ثمةً في بلداننا المخربة المضاعة ما يغري بالبقاء. وأنا مطمئن أنني سأجد باب غرفتك مشرعاً كعادته وذراعيك النحيفتين مفتوحتين للعناق.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية