العدد(80) الخميس 2020/ 23/01 (انتفاضة تشرين 2019)       قتلى وجرحى من المتظاهرين وتصاعد حدّة الاحتجاجات الشعبية       "وداعًا راعية الأيتام"..ناشطو الاحتجاجات ينعون "أم جنات": انتظروا البصرة       وجد نفسه في قبضة مكافحة الشغب..هذه قصة المتظاهر الذي غزت صورته صفحات التواصل       يوميات ساحة التحرير..حضور نسائي متميز يعيد وهج الاحتجاجات       على نغم الناصرية       "تحدي صورة معتقل".. من يحاسب السلطة بعد "التشهير" بالشبان المتظاهرين؟       مسيرة للمتظاهرين على محمد القاسم: "بين الجسر والساحة.. الوطن عالي جناحه"       حكايات من ساحات الاحتجاج.. انتفاضة تشرين تصنع "المواكب الوطنية"!       تحت نُصب جواد سليم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :39
من الضيوف : 39
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30113695
عدد الزيارات اليوم : 6610
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


ذكريات مع د. عبد الجبار عبد الله

د. سعدي الدبوني
رأيت ان  الأمانة تقتضي بأن يطلع جمهور المهتمين بالعلم والثقافة والمعرفة، خاصة  العراقيين منهم، أن هناك عالماً ضربت جذوره الممتدة عبر آلاف السنين في  وادي الرافدين رجلاً وفياً لكل المعاني القيمة العلمية والحضارية والفكرية  في هذا الوادي العريق، وفياً لما أعطاه ابن الهيثم وسنان بن ثابت و ثابت بن  قرة (وهي أسماء أولاده ايضاً حفظهم الله) وغيرهم كثيرون من رواد العلم  والمعرفة فأناروا سبيل المعرفة للعالم اجمع. لقد كان الفقيد – انصافاً –  أكثر من ذلك.


فمن حق الأجيال الصاعدة، خاصة، أن تعرف ذلك، وأن تتعرف على الأقل أهمية انتاجه وعطائه، وان كان عسيراً على الكثيرين منهم فهم جوهر هذا الإنتاج الا أولئك الذين حصلوا على مستوى عالٍ من التخصص. أن الكثير مما أنتج يفوق من ناحية الوزن والكم ما أعطاه الكثيرون من حملة جائزة نوبل في مجالات اختصاصهم.
أن معرفتي للفقيد لفترة طويلة تجاوزت ربع قرن قبل رحيلي كزميل عمل عندما كان رئيس قسم الفيزياء وكذلك كرئيس لجامعة بغداد التي سعى حثيثاً لتنظيمها ورفع مستواها وترسيخ الأسس الثقافية المتطورة فيها سواء بأساتذتها أو بتطوير مناهجها والعمل على استقلاليتها. وكصديق تربطنا به وبعائلته الكريمة صداقة متينة، هذه الصلة والمعرفة من خلالها تجسدت لي ما يحمله من المعاني الخيرة للإنسان الفاضل. وأن الكثيرين ممن عرفوه عن قريب وممن هم احياء (اطال الله أعمارهم) يعرفون ذلك جيداً.
أنما كان يتصف به الفقيد من صفاء ذهن وقدرة خارقة ومعرفة عميقة بالرياضيات النظرية مكنته من الغوص بعمق في الفيزياء النظرية وتصور وابتداع الصيغ الرياضية للكثير من الظواهر التي كانت، وحتى لاختراقه لها كان مجهولاً، كما كانت ملكة الانتباه للظواهر الطبيعية ووضع الحلول الموفقة لها. ففي دراسته الجامعية الأولى في أوائل الثلاثينات من القرن الماضي، حصل على درجة الامتياز (Distinction) التي لم يحصل عليها في حقل اختصاصه الا واحداً اخراً فقط. ومن ثمة اشتغاله بالتدريس ولفترة غير قصيرة في الأنواء الجوية، هذه مكنته من استخدام ما حصل عليه من خبرة في بحثه في الـ MIT (معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا) من تقديم بحث مميز جداً وحصوله على الدكتوراه في العلوم (وليس الـ Ph.D. الاعتيادية)، هذا البحث كان يتعلق بأسباب نشوء الأعاصير في خطوط العرض الاستوائية من تأثيرات الطبقات الهوائية الباردة على الطبقات الأقل برودة ونشوء الأمواج وقدرته على التصور الرياضي ووضع المعادلات لها. هذه البحوث جلبت انتباه المختصين من العلماء بوقتها أدت الى انتدابه للبحث والدراسة عند تصميم أول غواصة نووية في أوائل الخمسينات (USS Nautilus)، حيث أخذ على عاتقه في تلك الحقبة دراسة ديناميكية الأعاصير المتكاملة النشوء ووضع الموديل الرياضي لها. وهذا ليس المجال لشرح تفاصيل البحوث والاستنتاجات التي حصل عليها. النقطة المهمة الأخرى التي كرس الفقيد الكثير من الوقت والجهد هي قضية القفزات في الضغوط المصاحبة للاضطرابات الجوية وبيان الدراسة الرياضية وبين انها شبيهة لتلك التي تحدث في الأعاصير.
MIT ScD smallان قدرة الفقيد على استنباط ما يطرأ في الجو بواسطة معادلات رياضية نموذجية غير معقدة جعلت الكثير من العلماء الأمريكيين ملمين بالأهمية الكبرى لمساهماته القيمة في حقل الأنواء الجوية تلك البحوث المتميزة والمتعددة التي نشرها عندما كان في الـ MIT وجامعة نيويورك. وقد تبين لهم أهمية بحوثه 1966 عندما عاد الى جامعة نيويورك اولاً كعالم مرموق في المنهج الذي كان يتعهده مركز البحوث الجوية – بولدر كولورادو – وثانياً كأستاذ للعلوم الجوية في جامعة نيويورك – ألبني. أن الجمعية الأمريكية للأنواء الجوية عند نشرها تأبيناً لوفاته 1969 نشرت قائمة تشمل على 32 كتاباً ودراسة قيمة من انتاجه في مجال الأنواء الجوية. أن اهتمام الفقيد الواسع وقدرته العلمية الفائقة مكنتاه من انجاز أعمال في غاية الأهمية في كل وجه من وجوه ديناميكية الأنواء الجوية تقريباً. لقد كان له رواد تابعوا مدرسته في أسلوب البحث والاستقصاء التي قادته الى اختراقات مهمة، يتبعون خطاه في الأسلوب والطريق. لقد كان بلا شك صاحب مدرسة في ذلك.
أن للفقيد أثارا مهمة في لغته الأم من كتب مدرسية في الفيزياء وأخرى جامعية وبحوث ونشرات. كما ان الوطن الأم لم يغب عن باله يوماً. لقد كان يعتز بعراقيته وبالتراث المرموق لوادي الرافدين. لقد أشار أصدقائه من العلماء لشدة تعلقه بوطنه وتراثه، كما أشاروا بأن وفاته كانت خسارة للعراق لأحد اهم رجل علم من أبنائه، كما أشادوا بصفاته الإنسانية الرائعة.
وفي الأخير يجب ان اذكر بأن للفقيد قلماً أدبياً رائعاً وسلساً حيث ان الراحل محي الدين يوسف قال (أن للدكتور عبد الجبار عبد الله قلماً سهلاً وسلساً مع الدقة المتناهية الواضحة بالتعبير حيث أنك لو اضفت او أنقصت كلمة واحدة اليه يختل المعنى). وفعلاً كانت كتاباته من السهل الممتنع كما يقول "اللغويون" كالشمس ضوؤها عندك ومنالها بعيد. لقد كان حقاً سهلاً ممتنعاً.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية