العدد(80) الخميس 2020/ 23/01 (انتفاضة تشرين 2019)       قتلى وجرحى من المتظاهرين وتصاعد حدّة الاحتجاجات الشعبية       "وداعًا راعية الأيتام"..ناشطو الاحتجاجات ينعون "أم جنات": انتظروا البصرة       وجد نفسه في قبضة مكافحة الشغب..هذه قصة المتظاهر الذي غزت صورته صفحات التواصل       يوميات ساحة التحرير..حضور نسائي متميز يعيد وهج الاحتجاجات       على نغم الناصرية       "تحدي صورة معتقل".. من يحاسب السلطة بعد "التشهير" بالشبان المتظاهرين؟       مسيرة للمتظاهرين على محمد القاسم: "بين الجسر والساحة.. الوطن عالي جناحه"       حكايات من ساحات الاحتجاج.. انتفاضة تشرين تصنع "المواكب الوطنية"!       تحت نُصب جواد سليم    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :37
من الضيوف : 37
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30112835
عدد الزيارات اليوم : 5750
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عبقري الجيل

 د. عبد الكريم الخضيري
كان  اول لقاء يجمعني بعبد الجبار عبد الله حين كان واحداً من استاذين يدرسان  مادة الفيزياء في الإعدادية المركزية في بغداد. يومها اي خلال الحرب  الثانية، لم يكن في بغداد من المدارس الثانوية سوى الإعدادية المركزية في  الرصافة وثانوية الكرخ في الكرخ. كانت الإعدادية المركزية تضم طلاب الصفين  الرابع والخامس في فرعيها العلمي والأدبي،


 وكان يدرس فيها ما يقارب من خمسمئة من الشباب الذين تتراوح اعمارهم ما بين الخامسة عشرة والسابعة عشرة ويتوزعون على شعب عديدة ولذلك كان هنالك أكثر من مدرس واحد للمادة الواحدة.
كنت وقتئذٍ في واحدة من الشعب التي لم يكن الأستاذ عبد الجبار عبد الله يدرسها وكان ذلك مبعث اسف لي ولعلمي بغزارة معلوماته والكتب التي وضعها ونشرها لحسابه الخاص حرصت على اقتناء كتابه للفيزياء، لكن الكتاب لم يكن معروضاً في الأسواق لذلك قصدت اليه في مكتبه. كنت اعرفه منذ سنوات فقد درس قبلي أخوي الأكبر مني سنا في ثانوية العمارة (ميسان) كما كان ابي يعرف اباه "الشيخ عبد الله رئيس طائفة الصابئة المندائيين آنذاك" وحدثته بما اريد سحب في الحال جرار مكتبه واخرج أحد اجزاء الكتاب وقال مبتسماً: "خذ هذا الجزء هدية مني وسآتيك بالأجزاء الباقية في الأسبوع القادم". شكرته على هديته وخرجت وانا الهج بالثناء على لطفه. وقد ظلت صورة الأستاذ عبد الجبار قوية في ذاكرتي، كان فائق الذكاء لدرجة العبقرية، يحفظ الأرقام والمعادلات الرياضية من النظرة الأولى وكان محبوباً من طلابه ومحترما من زملائه.
سافرت الى امريكا عام 1949 للتخصص ونيل شهادة الدكتوراه وكان هو قد سبقني اليها ليدرس ويدَرس هناك وبعد اربعة سنوات عدت لأدرس في كلية العلوم وعاد هو ليدرس في دار المعلمين العالية (كلية التربية اليوم). لم تكن في اوائل الخمسينات قد تأسست جامعة للتعليم العالي الشامل في العراق، بل كانت هناك كليات لتخريج اختصاصيين في حقول معينة كالطب والصيدلة والهندسة والتعليم والحقوق. وكان كل منها يتبع وزارة معينة. كان يجمع ما بين كلية العلوم ودار المعلمين العالية تقارب في مناهج التدريس، لكنهما تفترقان من حيث الهدف، ففيما كانت كلية العلوم تعد جيلا للبحث والدراسات الأكاديمية وكان التدريس فيها باللغة الإنجليزية كانت دار المعلمين العالية تهدف لتهيئة جيل من المدرسين للتعليم المتوسط والإعدادي ويجري التأكيد فيها على التربية والتعليم وعلم النفس والفلسفة.
وكان لقائي بالدكتور عبد الجبار هذه المرة لقاء زمالة، اذ كان هو من مؤسسي جمعية العلوم الرياضية والفيزيائية وكانا من مؤسسي جمعية علوم الحياة العراقية. يومها كنا نشعر بضرورة خلق رابطة زمالة بين الاختصاصيين رغم انتمائهم الى كليات او وزاراه مختلفة. كنا زملاء تجمع فيما بيننا وحدة الفكر والاستمتاع بالمحاضرات العلمية، وكنا نعمد الى جمعها ونشرها. كانت مشاعر التحرر القومي التي اججتها ثورة يوليو في مصر تجيش في صدور الطلاب واساتذتهم. زد على ذلك فأن الأساتذة بمن فيهم حملة الدرجات العلمية العالية يعانون من اوضاعهم الاقتصادية السيئة، اذ كانت مرتباتهم لا تفي باحتياجاتهم الضرورية، ناهيك عن الحاجة الى اقتناء الكتب والمجلات العلمية التي تصدر في البلدان المتقدمة. لقد قربت هذه الأوضاع الخانقة رجال العلم من بعضهم وكانت من ثمرات تعاونهم آنذاك اصدار مجلة علمية مشتركة. فبعد مداولات جرت بين الجمعيات العلمية العراقية استقر الرأي على ان تتعاون فيما بينها لا صدار مجلة علمية على مستوى عالٍ. وكان المحفز لهذه الفكرة ومحركها الأول الدكتور عبد الجبار عبد الله الذي انتخب رئيس تحريرها بالأجماع، وقد اطلق عليها اسم Proceeding of Iraqi Scientific Society وشرعت تصدر المجلة باللغات الأوربية الحديثة مع خلاصة بالعربية. ولم يأت اختيارنا لرئيس التحرير اعتباطا فقد كان د. عبد الله يتألق بين المثقفين واساتذة العلوم لجدارته العلمية وطيب اخلاقه. فهو من خريجي جامعة MIT المشهورة عالميا وكان خبيرا في النشر العلمي، وقد سبق له ان نشر ابحاثاً عديدة في المجلات العلمية العالمية، وقديراً على ادارة الجلسات، وكان ضليعا بالعربية حافظاً للشعر، وكان ضليعا باللغة الإنجليزية ولغات اوربية اخرى. وقد حدد د. عبد الجبار اسس النشر في المجلة واشترط ان ما ينشر فيها يجب ان يكون على المستوى العلمي العالمي، واكد ان يحصل المقال على تأييد اثنين من ثلاثة خبراء من خارج العراق قبل نشره. وقد طلب مني ان اتولى سكرتارية تحريرها فاعتبرت ذلك شرفاً علميا لي. كانت البداية صعبة اذ لم يكن يتوفر يومها في البلاد مطابع حديثة ماعدا قلة منها مطبعة الرابطة (لصاحبها يحيى اثنيان). وكانت مطبعة حديثة (الأوفسيت)، ومع ذلك فلم تكن تتوفر فيها الرموز الرياضية لطبع المعادلات الرياضية. لكن الدكتور عبد الجبار ذلل هذه العقبة بالتعاون مع عامل الطباعة، اذ اختار الرموز واعاد تركيبها حتى اصبحت رموزا رياضية مقبولة عالميا. وكنا نتولى بأنفسنا تصحيح المواد. لقد غدت المجلة معروفة لدى الجامعات الأجنبية وتوالت اشتراكات المكتبات الجامعية في اوربا وامريكا فيها. وبقينا نواصل أصادرها بألف نسخة رغم ما كنا نكابده من مصاعب مالية فقد كنا ننفق على اصدارها من جيوبنا الخاصة وظلت المجلة تصدر بعد تأسيس جامعة بغداد رغم تعاظم انشغالاتنا حتى اختفت اثر التغييرات التي احدثت في ادارة الجامعة بعد شباط 1963....
انني لن انسى اللحظات الأخيرة من حياته. لقد هده المرض كثيرا.. وفي لحظة يرن صوت الهاتف وتخبرني ام سنان (زوجته) انه بات في غيبوبة ولم يعد ينطق بشئ. فهرعت انا وزوجتي الى بيته.. وجلست الى جواره ورحت اذكره بالأحداث والمناسبات الجليلة التي عاشها لكنه للأسف الشديد لم يستجب بشيء.
كان عبد الجبار عبد الله يذكرني بغاندي. كان هادئاً في مشيته وطباعه، هادئاً قليل الكلام لكنه إذا تكلم نطق بالحكمة.. كان وطنيا غيوراً، وحريصا على عروبته، لذلك سمى اولاده بأسماء علماء عرب: سنان وهيثم وثابت. كان متواضع لا يعرف الكبرياء رغم انه قد بلغ قمة الأنجاز العلمي والأكاديمي. مقنعا في مناقشاته بمنطق سليم ورأي سديد. بدأ في خدمة بلاده كاختصاصي في الأنواء الجوية في ميناء البصرة ومدرساً في الثانوية ليغدو استاذا ورئيسا في جامعة بغداد. لقد ازدهرت جامعة بغداد في عهده كازدهار "دار الحكمة" في عهد المأمون. رحم الله ابا سنان. فقد كان نعم الأخ والصديق.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية