العدد(83) الاحد 2020/ 26/01 (انتفاضة تشرين 2019)       كلكم قتلة..العنف وسيلة الجبناء، وسلاحكم قناع خوف وهزيمة ...!       مقتل متظاهرين والآلاف يتحدون القوات الأمنية بساحات الاحتجاج       حكاية شهيد..طه طلال، وشهادة قلب أبيض أبى أن يتقاعس عن مقعده في التحرير!       التفاصيل الكاملة لأحداث “جسر الفهد” في ذي قار والعشائر: لا لتفكيك الخيم       تقرير صادم من “منظمة العفو الدولية ” يدين السلطات العراقية: قذفوا متظاهرين من فوق الجسر!       موقع أخباري : متظاهرو بغداد.. باقون في ساحة الاحتجاج ولن نغادر لحين تحقيق المطالب       لماذا يرتدي المتظاهرون العراقيون الشماغ؟ وما علاقته بالاحتجاجات؟       الأرض لك       يوميات ساحة التحرير.."التكتك" يعود لتصدر مشهد الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :30
من الضيوف : 30
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30180424
عدد الزيارات اليوم : 11998
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


تمثال الملك فيصل الاول بين الفن والسياسة

صادق الطائي
لم تكن بغداد  العثمانية تعرف النصب والتماثيل، لأنها ببساطة لم تكن تعرف الشوارع  والساحات العامة حتى مطلع العهد الملكي، حين تحرك المندوب السامي البريطاني  السير برسي كوكس وبدعم وتبرع من بعض أثرياء بغداد، تم الطلب من النحات  الإيطالي بترو كانونيكا عمل نصب للجنرال مود ممتطيا صهوة جواده.


 والجنرال مود هو الضابط الذي قاد الجيوش البريطانية التي احتلت العراق، فقد دخل بغداد على رأس القوات البريطانية في 11 مارس 1917، ليتم بعدها احتلال باقي مدن العراق، لكن لم يطل به المقام، إذ توفي بعدها بثمانية أشهرفقط، في نوفمبر من العام نفسه، بعد ان أصيب بالكوليرا إثر تناوله حليب ملوث في حفل أقامته مدرسة الاليانس اليهودية.
وفعلا تم تدشين النصب عام 1923 في منطقة الكريمات في جانب الكرخ أمام مقر المندوب السامي البريطاني، الذي تحول لاحقا الى مقر للسفارة البريطانية، ليكون أول نصب تشهده بغداد. وتمر بعدها سنوات وفي خضم موجة الفرح العراقي بانتهاء الانتداب البريطاني وإعلان الاستقلال، ودخول العراق عصبة الأمم المتحدة في اكتوبر 1932، تحين الفرصة لفكرة إنشاء نصب لاول رمز للأمة العراقية الوليدة، مليكها المؤسس فيصل بن الحسين.
يذكر ناجي شوكت، وزير الداخلية في وزارة نوري السعيد الثانية، في مذكراته، إنه هو من اقترح على الملك فيصل فكرة إقامة نصب له. ويبدو أن الملك فرح بالمقترح، لكنه تساءل عن كيفية تغطية نفقات العمل، الذي اشارت دراسة تكاليفه الى الحاجة لحوالي 50 ألف روبية كلفة تنفيذ النصب، وهو مبلغ كبير حينها، لكن ناجي شوكت أقنعه بإمكانية تدبر الأمر، لتتم مفاتحة النحات الذي نفذ نصب الجنرال مود، بترو كانونيكا، الذي بات من أشهر النحاتين في منطقة الشرق الأوسط نتيجة تنفيذه العديد من الأعمال الفنية في دول المنطقة. كما يروي محسن ابو طبيخ في مذكراته، أن الملك فيصل الاول كان قد زاره في مدينته غماس‏ التي كان قد بنى فيها حيا أسكن فيها فلاحي أراضيه البالغة حوالي 100 ألف دونم، ومن ضمن ما شاهده الملك في هذه الزيارة حصانا عربيا أصيلا من خيول أبو طبيخ، فأعجبه كثيرا، فما كان من أبو طبيخ إلا أن أرسله إلى الملك هدية مع سايس مسؤول عنه، ففرح الملك بالهدية فرحا شديدا وأهدى السيد مشكور بن السيد محسن الذي جلب الهدية الى بغداد ساعته الذهبية امتنانا لوالده. وسرعان ما ارتدى الملك أبهى ثيابه العربية وعقاله الحجازي وامتطى صهوة جواده العربي بحضور مصوره الشخصي ،الذي وثق اللحظة والتقط له عدة صور، فكان من نصيب إحداها الذهاب الى روما حيث مشغل الفنان بترو كانونيكا لتنفيذ نصب الملك المؤسس احتفالا باستقلال العراق، ودخوله عصبة الأمم كأول دولة في العالم تنهي عهد الانتداب عام 1932.
استغرق العمل على التمثال البرونزي للملك 18 شهرا في إيطاليا، وفي هذه الاثناء كانت وزارة نوري السعيد الثانية قد استقالت، وكذلك استقالت الوزارة اللاحقة لها برئاسة صاحب المقترح ‏ناجي شوكت، وفي مايو عام 1933 ‏إبان وزارة رشيد عالي الكيلاني تمت إزاحة الستار عن ‏هذا النصب في ساحة في منطقة الصالحية في شارع حمل اسم الملك المؤسس في مكان قريب من تمثال الجنرال مود. وقد حضر الاحتفال جمع غفير من الشخصيات الرسمية الأجنبية والعراقية، وجمهور من المتفرجين، المفارقة التي حدثت تمثلت في أن الستارة البيضاء المغلفة للتمثال كان يجب ان تزاح بمحرك كهربائي، لكن عطلا أصابه ما جعل إزاحة الستارة تتم يدويا، فعلقت الستارة بأذن تمثال الحصان لتوثق اللحظة التاريخية بصورة شهيرة والستارة عالقة في أذن الحصان. وقد صدرت إرادة ملكية عـام 1933 بـمـنـح بيترو كانونيكا وسـام الرافدين مـن الدرجة الثالثة.
بقي تمثال الملك المؤسس وهو على صهوة جواده، ورأسه متجه ناحية اليسار، يطل على عابري الشارع المكتض بالحركة على مدى ربع قرن، وفي صبيحة 14 يوليو 1958 أسقط المتظاهرون الغاضبون تمثال الجنرال مود الرابض في مدخل السفارة البريطانية، ثم تحولوا الى تمثال الملك فيصل الأول القريب فأسقطوه ليتم تحطيمه الى قطع صغيرة، تعبيرا عن غضبهم وإعلانا عن سقوط النظام الملكي وبدء عهد الجمهورية.
ولنستمر في سرد حكاية التمثال لابد من التعريف بالفنان الذي نفذه، انه بيترو كانونيكا ( 1869- 1959)، ‏ نحات إيطاليً ومؤلف موسيقي وأستاذ للفنون في اكاديمية روما، اختير عضوًا في مجلس الشيوخ الإيطالي مدى حياته، نفذ العديد من النصب في مختلف دول العالم، ومنها أعمال بارزة في الشرق الاوسط مثل نصب كمال اتاتورك ممتطيا صهوة جواده، نفذه عام 1927 وتم وضعه في ساحة الجمهورية في مدينة ازمير، ونصب الخديوي إسماعيل الذي نفذ عام 1938 ليشغل مكانه المميز في ميدان المنشية في مدينة الإسكندرية. أما في العراق فكانت حصة كانونيكا النصب الثلاثة الاولى التي زينت ساحات بغداد؛ تمثال الجنرال مود وتمثال الملك فيصل الاول وتمثال رئيس الوزراء العراقي عبد المحسن السعدون. وقد تم الاحتفاظ بنسخ رخامية من أعماله المنتشرة في مختلف مدن العالم في متحفه في فيلا بورغيزا في قلب روما.
قرب نهايات الحرب العراقية – الايرانية عام 1987 وتثمينا لموقف الاردن ومليكها الداعم للعراق في حربه، قررت الحكومة العراقية إعادة نصب الملك المؤسس فيصل الاول الى مكانه في منطقة الصالحية، وتم التحرك على متحف الفنان بترو كانونيكا لغرض عمل نسخة برونزية طبقا للنسخة الرخامية الموجودة في مخازن المتحف. المفارقة هذه المرة كانت أن رأس حصان الملك في نسخته الرخامية كان قد تحطم في عملية الخزن، وبدا الأمر محيرا ومربكا، حتى اقترح أحد الفنانين العاملين في المتحف استخدام قالب رأس حصان كمال أتاتورك الذي نفذه كانونيكا في فترة مقاربة لتنفيذه تمثال فيصل الاول، ليتم تركيبه في نصب الملك فيصل الاول، وهذا ما تم فعلا. لكن مفارقة جديدة ظهرت هذه المرة، إذ أن رأس حصان الملك الذي كان ملتفتا الى اليسار والذي حشرت فيه ستارة الاحتفال عام 1934، بات اليوم ناظرا الى الامام بحسب الوضع الذي كان عليه حصان كمال اتاتورك. العمل نفذ وتم نصب تمثال الملك المؤسس في مكانه القديم عام 1989، اي بعد أكثر من نصف قرن على تحطيمه، لكن الحصان حظي برأس جديد ليطل من عليائه على زحام بغداد ولا أحد يعلم ما الذي يخبأه له القدر.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية