العدد(83) الاحد 2020/ 26/01 (انتفاضة تشرين 2019)       كلكم قتلة..العنف وسيلة الجبناء، وسلاحكم قناع خوف وهزيمة ...!       مقتل متظاهرين والآلاف يتحدون القوات الأمنية بساحات الاحتجاج       حكاية شهيد..طه طلال، وشهادة قلب أبيض أبى أن يتقاعس عن مقعده في التحرير!       التفاصيل الكاملة لأحداث “جسر الفهد” في ذي قار والعشائر: لا لتفكيك الخيم       تقرير صادم من “منظمة العفو الدولية ” يدين السلطات العراقية: قذفوا متظاهرين من فوق الجسر!       موقع أخباري : متظاهرو بغداد.. باقون في ساحة الاحتجاج ولن نغادر لحين تحقيق المطالب       لماذا يرتدي المتظاهرون العراقيون الشماغ؟ وما علاقته بالاحتجاجات؟       الأرض لك       يوميات ساحة التحرير.."التكتك" يعود لتصدر مشهد الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :27
من الضيوف : 27
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30179880
عدد الزيارات اليوم : 11454
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


نساء في الذاكرة بياتريس أهانسيان

نمرود قاشا
منطقة المُرَبَعة,  تُعد من أهم وأقدم المحلات البغدادية والتي لا يخطئ القلب كثيراً عندما  يعاينها على خريطة الرؤيا. وفيها وُلدت العنوان الذي أحتل رقماً في "نساء  من الذاكرة" الفنانة بياتريس اوهانسيان موضوعة بحثنا هذا.
وعودة على  محلة "المربعة" أقول: تقع هذه المحلة في قلب شارع الرشيد ومقابل (الأورزدي  باك) القديم, تلك الجغرافيا التي تربط بين باب الشيخ وسيد سلطان علي..  ويرجع أصل تسميتها إلى شكلها المربع بالأبعاد الدقيقة, ويقال بأن المهندسين  لم يعمدوا لإنشائها بهذا الشكل وإنما جاء ذلك مصادفه مما جعل صفة تربيعها  يغدو إسماً لها.


لكنها اليوم لم تعد (مُرَبعة) بل أخذ شكلها كل الأشكال الهندسية, والظلام يكسو شناشيلها وأزقتها الضيقة والرطبة والتي أصبحت اليوم أماكن جمع النفايات الصناعية وبرادة الحديد والفافون، وباتت البيوت مهجورة والكثير من أبناء شعبنا كانت موطئ قدمهم الأول ولهم فيها ذكريات، وأنت تجتاز أزقتها الضيقة من شارع الرشيد إلى "جيخانة دغديداي"- مقهى القره قوشيين- تسمع العديد من لهجات السورث من بخديدا, برطلة, باطنايه, تللسقف وغيرها.
في المربعة عاشت بياتريس الفنانة المبدعة كما عاش غيرها أمثال القبانجي وغيره.
أُوهانسيان.. وشيء عن تلفزيون بغداد
في تموز 1967 تعرفت على هذا العالم الغريب والجميل والذي إسمه (بغداد)، وفي هذا الصيف أيضاً عرفت هذا الجهاز الذي سحر الكثير (تلفزيون بغداد) بالأسود والأبيض الذي بدأ إِرساله صيف 1956 ليكون بذلك أول محطة تلفزيون بالشرق الأوسط.
كنت أُتابع بشغف غير إعتيادي ما يُبَثْ من خلال هذا التلفاز: مؤيد البدري والرياضة في أسبوع، كامل الدباغ والعلم للجميع، خيرية حبيب وعدسة الفن، إعتقال الطائي في السينما والناس، نسرين جورج في سينما الأطفال، وشميم رسام في سهرة ملونة. وآخرون غيرهم كانوا يطلون من خلال الشاشة الجميلة: فخري الزبيدي، أمل المدرّس، رشدي عبد الصاحب، مقداد مراد، نهاد نجيب، مديحه معارج، وزكية العطّار.
بياتريس أوهانسيان، هذه الفنانة العراقية والعالمية التي كانت تعزف على البيانو، كانت لها حصة في برامج تلفزيون بغداد وهو ينقل حفلات الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية ويكون لـ "بياتريس" حصة كبيرة فيها، الأصابع التي أدمنت العزف على الجمال والعيون، كنت أُتابع بشغف كبيرة إنتقال الكامرا بين أصابعها وهي تتحرّك على مفاتيح البيانو، ولأن (البيانو) مفردة إيطالية تعني اللين والرقة، هكذا كانت أنامل هذه الفراشة الجميلة خلال الحفلات التي كانت تقيمها إدارة التلفزيون أو الفرقة السيمفونية في مناسبات وطنية أو دينية في وقت كانت عدد قاعات ومسارح بغداد لا تزيد عن ثلاثة هي: قاعة الشعب (باب المعظم)، قاعة الخلد (كرادة مريم) وقاعة المسرح الوطني في الكرادة أيضاً.
أتمنى أن أوفق في استعراض مسيرة رغبات الأصابع، الأصابع التي تنظر بشغف إلى عذوبة الأبيض الكامل والأسود النصف في مساحة الفراغ وهي لا تجد وسادة تضع فيها رأسها المعبأ بالنوتات وأصوات دواسات البيانو.

الدخول من بوابة بياتريس
بياتريس اوهانسيان، عازفه بيانو عراقية أرمنية، ولدت من عائلة فنية موسيقية في 15/ آذار/ 1927 بمنطقة (المربعة) إحدى محلات بغداد القديمة. والتي لا يخطئ القلب كثيراً عندما يعاينها على خريطة الرؤيا، تلك الجغرافية التي تربط بين باب الشيخ وسيد سلطان علي، فالأب والأُم فرّا من الإبادة الجماعية لمذابح الأرمن في تركيا عندما كانا طفلين. عمل والدها محاسباً في شركة النفط، وهو ما أعان العائلة لأن تعيش بشكل جيد. والدها (اوهانسيان أوهانسيان) ووالدتها (سربوهي أوهانسيان) شقيقها (آرشان) يعزف على آلة الكمان، توفي قبلها عام (2005) في مدينة (هاليفاكس) الأمريكية بولاية مينسون، وشقيقتها الأُخرى (سيتا) وهي عازفة على آلة البيانو، وهي الوحيدة الباقية مع الثلاثي الموسيقي عندما كان البيانو يتصدر صدر صالون دارهم في بغداد.
وكثيراً ما كان الثلاثي (بياتريس وشقيقها ارشان وشقيقتها سيتا) على موعد دائم مع التمرين الذي يوّحد الآماسي ويضفي طابع الإلفة على هذه العائلة الموسيقية.
دخلت مدرسة الراهبات الأبتدائية (راهبات التقدمة) التي تقع في محلة "رأس القرية" والقريبة من "عقد النصارى" ببغداد، كانت بدايتها الأولى في تعليم الموسيقى بدراسة العزف على آلة البيانو تلك الآلة التي كثيراً ما أبصرتها في أحلامها وهي تومئ إليها بصداقةٍ دائمة وبألفة أبدية، كانت ترتل وتنشد ضمن فريق الإنشاد التابع للمدرسة، ومدرسة الراهبات تعتبر أفضل مدارس البنات الأهلية، من حيث المستوى العلمي والتربوي والفني في تلك الفترة. ففي هذه المدرسة كانت ترتل وتنشد قصائد سيكون لها الدور البارز في تنمية خيالها الذي ابتدأ بتهشيم حسية الواقع واكتشاف ما يخبئه خلف مفاجأته المقبلة. وقد طورت بياتريس موهبتها الفنية من خلال مشاركتها مع جوق (كنيسة الأرمن) الواقعة مكان (السوق العربي) وقرب كنيسة أم الأحزان، فقد كانت تتردد للكنيسة كل يوم أحد، تنعش نفسها بالألحان والتراتيل الكنسية التي توديها مجموعة الإنشاد (كورال) حيث أخذت منذ ذلك الوقت تتملل في مجلسها داخل الكنيسة وبالقرب من جماعة الإنشاد، وتردد بصوتها الرقيق كل ما كان يرتل أثناء القداس حيث تصغي إلى صوت يهمسُ بداخلها مغرياً إياها للعبور إلى الضفة الأُخرى من التحوّل، ليتطور الأمر لديها فأخذت تعزف في الكنيسة على آلة الأورغن الهوائي قطعاً موسيقية وتراتيل.
وفي البيت كانت تستمع من خلال جهاز (الحاكي، أو فونغراف يدوي) إلى عزف ما هو مسجل على الأسطوانات من الموسيقى الكلاسيكية من أعمال كبار المؤلفين الموسيقيين الأوربيين أمثال: شوبان، باخ، موزارت وبتهوفن.
لكن أعمال البيانو من (السوناتا والكونشيرتو) أخذت تجذبها وتشد انتباهها بشكل متميّز منذ ذلك الوقت.

معهد الفنون الجميلة، خطوة تألق
في عام 1936 تأسس في بغداد "معهد الموسيقى" ليتحوّل في العام التالي إلى "معهد الفنون الجميلة"، في عام 1937 أصطحبها والدها إلى المعهد ليقدم لها طلب أنتساب، وكان عمرها في حينه عشر سنوات، ونظام المعهد يقبل الطلبة بعمر (13) سنة وأن يكون خريج الدراسة الابتدائية.
بياتريس، كانت طالبة في الرابع الابتدائي وعليه دخلت اختبار كفاءة فاختبرتها اللجنة المكونة من عميد المعهد الفنان (الشريف محي الدين حيدر) والموسيقار (حنا بطرس) معاون المدير وأُستاذ البيانو الروماني (جوليان هولتز) وكان للفنان حنا بطرس دوراً كبيراً في قبولها في المعهد، إذ قدمها إلى اللجنة واصفاً إياها بـ (شوبان الموهبة المبكرة) معززاً طلب الانتماء للمعهد كونها موهوبة في العزف، حيث قدمت عدداً من القطع والتمارين أمام اللجنة بشكل جيد. فنالت استحسانها فتم قبولها استثناءً من شرط العمر.
وهكذا بدأت الدراسة الفنية في المعهد بشكل علمي جيد على يد الأُستاذ الروماني (جوليان هولتز).
في عام 1944 تخرجت من المعهد بدبلوم فني عالٍ بدرجة "امتياز" وقبل الثانية عشر من العمر كانت الطفلة "بياتريس" تقدم حفلات أسبوعية في محطة إذاعة بغداد.
بعد تخرجها عّينت مدرّسة في المعهد وبذلك تكون أصغر مدرّسة في القطر بعمر (17) سنة.
بياتريس في الأكاديمية الملكية البريطانية
بعد مباشرتها كمدرّسة في معهد الفنون الجميلة بفترة قصيرة حصلت على منحة دراسية من الحكومة العراقية لمواصلة دراستها في (الأكاديمية الملكية البريطانية للموسيقى) في لندن مع الأُستاذ (ماكس بيراني).
وقد تخرجت من الأكاديمية البريطانية الملكية للفنون ونالت شهادة التخرّج في آلة البيانو، ودرست الصوت كتخصص ثانوي.
حصلت الآنسة اهانسيان على شهادة (ويستليك) التذكارية، وفي الجانب التربوي والأداء حصلت على جائزة (فريدريك L.R.A.M). بعدها حصلت على منحة (فولبرايت) الدراسية لمواصلة التدريب في مدرسة (جوليارد للموسيقى) في مدينة نيويورك الأمريكية حيث درست (Juilliard school of music) العالي في آلة البيانو، وقد ظهرت بياتريس خلال هذه الحفلة ولأول مرة في قاعة كارنيجي للموسيقى أعقب ذلك سلسلة من الحفلات في الولايات المتحدة وخلال فترة دراستها في الولايات المتحدة زارت شقيقها (ارشان) عام 1959 وقد أنهت دراستها وقالت عبارتها المؤثرة: الجميع قال لي عليك البقاء في أمريكا، ولكن صوتاً داخلياً قال لي، يجب أن أعود إلى العراق، وتعليم أبناء بلدي على حب الموسيقى.
وفي العراق كانت الموسيقى الكلاسيكية قد عرفت للتو فيه، وإنها بحاجة إلى أشخاص مثلها للعمل على زرع حب الموسيقى وازدهارها.
وهكذا حزمت "بياتريس اوهانسيان" حقائبها على متن السفينة (كوين ماري) لتبحر إلى لندن ومن ثم إلى العراق.
حيث عينت رئيسة لقسم البيانو في معهد الفنون الجميلة، وعلى يدها تخرّج العشرات من الطلاب الذين أصبحوا فيما بعد عازفين معروفين.

بياتريس والفرقة الموسيقية
الفرقة السيمفونية العراقية، هي فرقة الأوكسترا الوطنية في العراق بدأت مشوارها الموسيقي في أربعينات القرن الماضي، لكن تم الإعلان عن تأسيسها رسمياً عام 1959 وهي تعتبر من أقدم السيمفونيات في الوطن العربي، كانت تابعة إلى وزارة التربية ثم انتقلت إلى وزارة الثقافة (الإرشاد) منذ عام 1962.
أغلب كوادرها من طلبة وأساتذة معهد الفنون الجميلة وجمعية بغداد للفلهارمونيك وتناول على قيادتها العديد من قادة الفرق الموسيقية الأجانب وكانت تضم بحدود (120) موسيقي.
بياتريس اوهانسيان كانت أحد العناصر الرئيسية في الفرقة السيمفونية العراقية، وكانت الفرقة تقيم حفلاتها بصورة مستمرة في مقر الفرقة السيمفونية الكائن وسط بغداد في منطقة الوزيرية. أو في الحفلات التي تقيمها الفرقة بالمناسبات الوطنية أو القومية والدينية على قاعات ومسارح بغداد المحدودة أو في استوديوهات إذاعة وتلفزيون بغداد حيث كانت تنقل بشكل مباشر إلى المستمعين والمشاهدين.
بياتريس هي عازفة بيانو منفرد (صولو) في الحفلات التي تقدمها إذاعة بغداد، وعلى المسارح سواء كانت بصحبة الفرقة أو بمفردها.
وانطلقت في سياحة موسيقية مستمرة ومتواصلة داخل العراق وخارجه.
عزفت الآنسة أُوهانسيان البيانو على نطاق واسع في جميع بلدان أوربا الوسطى وشرقها وبلدان الاتحاد السوفيتي السابق والبلدان الأسكندنافية وفنلندا والشرق الأوسط بوصفها الفنانة الممثلة للشعب العراقي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية