العدد(83) الاحد 2020/ 26/01 (انتفاضة تشرين 2019)       كلكم قتلة..العنف وسيلة الجبناء، وسلاحكم قناع خوف وهزيمة ...!       مقتل متظاهرين والآلاف يتحدون القوات الأمنية بساحات الاحتجاج       حكاية شهيد..طه طلال، وشهادة قلب أبيض أبى أن يتقاعس عن مقعده في التحرير!       التفاصيل الكاملة لأحداث “جسر الفهد” في ذي قار والعشائر: لا لتفكيك الخيم       تقرير صادم من “منظمة العفو الدولية ” يدين السلطات العراقية: قذفوا متظاهرين من فوق الجسر!       موقع أخباري : متظاهرو بغداد.. باقون في ساحة الاحتجاج ولن نغادر لحين تحقيق المطالب       لماذا يرتدي المتظاهرون العراقيون الشماغ؟ وما علاقته بالاحتجاجات؟       الأرض لك       يوميات ساحة التحرير.."التكتك" يعود لتصدر مشهد الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :33
من الضيوف : 33
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30179975
عدد الزيارات اليوم : 11549
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


محمد شحرور..حارب الوثنية الفكرية وعبدة التراث

عادل عصمت
كان همّه أن ينصر  دين الله، وأن يقدمه في قالب محض حضاري للغرب وللعالم وللإنسانية، وأن  يدافع عن الإسلام (الدين) وحقيقته الأولى وصورته البكر والتي تشوهت عبر  عصور مضت وأمعن في تشويهها حديثاً الإسلامويون وتنظيماتهم الإرهابية  وصحوتهم المزعومة. كان همّه أن يجد للإسلام مكاناً في عصرنا الحديث، وأن  يحقق الملاءمة بين النص والواقع. بين الآيات وحياة الناس.


كان همّه أن يفك أسر كتاب الله الذي ظل حبيساً طوال ١٢ قرناً مضت في تفسير بشري عربي ألبسه رداءاً بدوياً صحراوياً محلياً مغلقاً رجعياً، ثم ما لبس أن تحول ذلك التفسير البشري إلى أصل مطابق للأصل الإلهي المقدس!!
كان همّه أن يطلق الدين من محبسه ويعود به إلى عالميته وإنسانيته وصلاحيته لكل زمان ومكان، وأن ينزع عنه قيم وأفكار وثقافة البداوة والتصحر التي وضعتها التفاسير على نصوصه فحولته إلى نص محض محلي وصبغته بصبغة تقاليد محض عربية وقيم محض عربية ومفاهيم بيئية عربية، بينما هو نص إنساني عالمي جاء لكل الناس من السعودية إلى النرويج والدنمارك ومن فنلندا إلى الهند ومن أستراليا إلى كنداً ومن اليابان إلى جنوب أفريقيا.
كان همّه أن يدافع عن دين الله، ويسقط عنه كل ما علق به من تشويه وقبح بشري، وكل ما دخل عليه من عنف وفظاظة وقتل وسفك دماء وتكفير ووصاية على خلق الله، وكل ما تسلل له من أفكار بشرية ما أنزل الله بها من سلطان وكل ما أضافوه عليه من تقاليد وقيم وثقافة بشرية محض بدوية عربية فحولوها إلى دين مطابق للدين!!
كان همّه أن يزيل كل ذلك الركام الرهيب الذي وضع على دين الله عبر قرون مضت والذي أخرجه عن طبيعته كدين وبدل رسالته وأهدافه ومراميه!!
كان هدف «شحرور» أن يزيح عن دين الله كل القيم المشوهة والثقافات الشائهة البشرية التي ألبسها المفسرون العرب للنص المقدس، وعلى رأسها ثقافة احتقار الآخر وعدم قبوله والنرجسية الدينية الفجة التي لا تعرفها الشريعة المحمدية الغراء التي هي في أساسها إذا ما قورنت بما قبلها من شرائع «رحمة مهداة».
كان هدف «شحرور» أن يسقط تلك الرافعة النصية للإرهاب والإرهابيين والتي يتوسلون بها ليل نهار في إرهابهم للناس ويتكؤون عليها على أنها دين مقدس!!
كان هدفه أن ينقي الدين وأن يعود بالمحرمات إلى حجمها الحصري الذي جاء بالقرآن والذي أنزله الله بعد أن حول الفقهاء المحرمات البسيطة العدد جداً والتي جاءت بالقرآن إلى ملايين مملينة ما أنزل الله بها من سلطان حتى صار الحرام هو الأصل وهو المعظم، ولم يبق لنا حلالا نعيشه ونمارسه ونحى وفقاً له!!
رفض « شحرور» النشأة المستأنفة للإسلام حسب تعبير الناقد السوري الأكبر طرابيشي، والتي بدأت مع ظهور المرويات والأحاديث بعد وفاة الرسول بقرنين من الزمان على يد أبوعبدالله محمد بن إسماعيل البخاري القادم من إقليم بخارى في أزباكستان إلى الحج في العام ٢١٠ هجرية وانطلق شحرور من النشأة الأولى ومن النص المقدس من القرآن الكريم، من الكتاب، من التنزيل الحكيم.
حاول شحرور أن يؤكد على المسلمات الدينية وعلى أن التحريم هو سلطة الله الحصرية، وأن القرآن ليس كتاباً ناقصاً، كما رفض فكرة الوحيين التي قال بها الشافعي، ورفض فكرة أن يكون بالقرآن حروف محذوفة أو زائدة.
وصار وفقاً لقاعدة أنه كلما زاد المبنى زاد المعنى ورفض الاستقسام وأعاد الهيبة والمكانة للسياق والنظم وسار وفق اللا ترادف والترتيل بمعنى جعل الآيات التي ورد بها اللفظ رتلا (طابورا).

محمد شحرور حارب الوثنية
فرق «شحرور» بين محمد النبي (البشر)، ومحمد (الرسول) الذي لا ينطق عن هوى إنما هو وحي يوحي، كما فرق بين السنة النبوية التي هي تاريخ والسنة الرسولية التي هي دين.
كان هدفه أن يحطم كل جدار الوصاية والوساطة لمن وضعوا أنفسهم بين الله وبين الناس بين الله وبين عباده، وأن يعيد تقديم النص الديني كنص يتأسس على (حرية) الناس في العبادة، وحريتهم في الاختيار وحريتهم في الطاعة أو المعصية، وحرية اختيار أفعالهم وتحمل مسؤوليات اختيارهم دون وصاية من أحد على أحد.
أيقن «شحرور» أن هناك وثنية فكرية، وأن هناك عبدة للتراث ولآراء الموتى والسابقين وأنهم يرفعون البشر على النقد، وأن جحافلهم تتشنج وتدخل فوراً إلى ساحات التكفير والقتل والإرهاب الفكري إذا اقترب أحد من النسخة البشرية التفسيرة القديمة حيث يعتبرونها ديناً إلهياً مقدساً مثل الدين أو يعتبرون أنها الدين الإلهي نفسه!!
حاول «شحرور» ألا يصطدم بالتراث البشري القديم وآراء الموتى والسابقين وألا يحارب طواحين الهواء، وألا يدخل في معارك واهية مع كلام الموتى والراحلين وتفسيراتهم، يضيع بها وقته ويتحرش بها مع عبدة التراث، وراح يتخلى عن التنقيب في ذلك التراث الذي مات أصحابه والتفتيش فيه، ويبتعد عن العيش بين ركامه.
رفض «شحرور» أن ينتقد ما قدمه علماء القرن الثاني الهجري أو ما نطلق عليه القراءة البشرية الأولى للقرآن.انطلق «شحرور» من موقف محض حداثي يتأسس على الانقطاع التام مع القراءة الأولى القديمة والمكررة للنص المقدس.
رفض شحرور أن يظل يشير إلى عيوب بضاعة الأولين والسابقين وفقهاء الخلافة العباسية، وراح يطرح بضاعته هو دون أي التفات لبضاعتهم وما يكتره اللاحقون طوال قرون.
راح «شحرور» يعرض ما لديه، ويطرحه جديدة ويحاول جاهداً أن ينفك من القراءة الأولى للنص.
ونجح «شحرور» في أن يقدم قراءة معاصرة للقرآن حيث قدم مشروعاً متكاملاً متماسكاً يتأسس على تعامل مختلف تماماً مع اللغة العربية التي هي لغة القرآن الكريم فبينما ظل المفسرون يتعاملون معها على أساس (الترادف)، تعامل شحرور على أساس قاعدة (اللا ترادف)، وبينما تعامل العرب والمفسرون الأوائل وفق تماهي وتراخي للمسافات بين معاني الألفاظ إلى حد التطابق، راح «شحرور» يتعامل بمنتهى الدقة والفصل بين كل لفظ وما تصوره المفسرون العرب أنه مرادفه، واهتم شحرور بوضع الحدود الابستمولوجية المعرفية لكل لفظ واختلافه مع اللفظ الآخر، فجاء عند شحرور لا تعني أتى أبداً، واللفظان وفقاً لما ظنه واستخرجه «شحرور» من لغة القرآن وآياته لفظان متباينان تماماً ولا يمكن بل يستحيل المطابقة بينهما، وأنهما وإن كانا متطابقين في الاستخدام البشري إلا أنهما مختلفان تماماً ومتباينان تماما في الاستخدام الإلهي.
فعند «شحرور» الهبوط في المقصود الإلهي لا يعني أبداً النزول، والروح لا تعني أبدا النفس، والقلب لا يعني أبداً تلك العضلة التي تضخ الدم في صدورنا، والأب لا يعني بالضرورة الوالد والأم لا تعني بالضرورة الوالدة، والذكر غير الولد.
والعرش ليس هو الكرسي والفقراء ليس هم المساكين والعدل غير القسط والرجس غير الرجز وكلام الله غير كلماته، والصيام مختلف عن الصوم، والعباد غير العبيد، والإسلام غير الإيمان، والنبي غير الرسول، والصلاة غير الصلوة، والموت غير الوفاة، والخلق غير الجعل، والقنوط غير القنوت، والبلاغ غير الإبلاغ، والكتاب غير القرآن والقرآن غير الفرقان والكتاب غير أم الكتاب، والخبر غير النبأ والذنب مختلف تماما عن السيئة والشاهد غير الشهيد، والسنة غير العام، والوصية غير الإرث، والدين غير الشريعة، والرحمن غير الرحيم، والزكاة غير الصدقة.
ولأن مشكلة المسلمين هي مشكلة قراءة وتأويل حسب السياق وضرورات الوقت.
قرأ «شحرور» القرآن ونظر له في شموليته وكليته من منطلق اعتباره أنه «دين» ولطالما أنه دين فقد جاء حصراً ليحض البشر على فعل الخير ويحثهم على مكارم الأخلاق، وكي يضبط الاجتماع البشري وليضع الناس الله في تصرفاتهم وفي حساباتهم وفي تعاملاتهم، جاء الدين لمساعدة المحتاجين والرفق بالمساكين والعجزة والأقساط في اليتامى وبر الوالدين، وصلة الرحم، والكفل في الميزان والوفاء في الكيل وعدم الاقتراب من الفواحش وقول الحق والعدل والرفق بالإنسان والحيوان والطير والنبات،…….. إلخ، لا خطاب تدمير وتخريب وقتل وانتقام ووصاية وكراهية ولحية وحجاب وتعصب واحتقار لأهل الكتاب وتكفير ونرجسية دينية وإهدار دم ومباركة الرجعية السياسية والاجتماعية.
عمل «شحرور» على إعطاء الدين مضموناً سمحاً، فأخرجه من ثقافة البداوة والغزو والاسترقاق، وفتح نوافذه على نسمات الأزمنة الحديثة، حتى يجد فيه الناس أجوبة حقيقية لمشكلاتهم، ويتخلصوا من فتاوى العار التي تعكس أزمة عقول علاها الصدأ والغبار.
حاول «شحرور» إضفاء قدر من الانسجام على قراءته القرآن بالقرآن، وفق المنطق الإنسي المشار إليه، فاتخذ موقفاً حازماً من الأحاديث المروية والمتراكمة عبر قرون من الرواية الشفوية التي تخللتها خلافات وأحقاد وحروب وصراعات سياسية ومصالح لا حصر لها، انعكست كلها على صورة الدين وموقعه في الدولة، وعلى وضعية الإنسان المسلم التي سرعان ما تحولت إلى انحباس حضاري دام لأزيد من ألف عام.
رأى شحرور بأن القرآن ورد على (اللفظ) بينما تلك المرويات المنسوبة للنبي جاءت على (المعني) لذلك فهي غير دقيقة وبعضها مكذوب وبعضها مخالف للنص المقدس.
كان منطق «شحرور» هو أنه إذا كان فقه الخلافة الرجعي والتفسير القديم وقراءة القرن الثاني للنص المقدس تدفع المسلم في عصرنا هذا إما إلى التطرف والغلو أو إلى الخروج من الدين والتحرر منه، فإن ثمة قراءة معاصرة تسمح باحترام الدين واحترام قيم العصر معاً، ووفق مبدأ إنسانية وعالمية الرسالة المحمدية كفيل بأن ينقذ الدين وأن ينقذ المسلمين.

محمد شحرور حارب الوثنية
لقد عمل «شحرور» من خلال مُجمل إنتاجاته الفكرية على إخراج الإسلام من مأزق حضاري ضخم أوقعته فيه حركات الإسلام السياسي باسم «الصحوة»، التي ما لبثت أن تحولت إلى قطع وجز رءوس وترويع الآمنين وإرهاب بلا حدود وأحزمة ناسفة وقنابل وأكياس من المتفجرات لا تفرق بين طفل وكهل ودماء للتوقف وأشلاء لا تنتهي وعنف لم تشهده البشرية ما عرّض الدين الإسلامي في العالم كله لنقد شديد بسبب انغلاق «أهل الاختصاص»، وجمود المؤسسة الدينية وصنميتها واستعصائها ومحدودية نظرها، وعقم منهجها في التفكير.
حيث لم يستطيعوا «أهل الاختصاص» تقديم قراءات تجديدية تجيب على الأسئلة الكبرى لعصرنا، وخاصة منها ما يتعلق بنتائج العلوم، وبالتحولات المجتمعية الكبرى، وبمفهوم المواطنة وعلاقة الدولة بالدين وموقع الفرد بينهما، والفرق بين العام والخاص والجريمة والخطيئة والذنب والسيئة وحرية الناس في الاعتقاد وقبول الآخر واحترام معتقدات الغير واحترام حق الناس في الاعتقاد والمغايرة.
كما أن الاجتهادات المهمة التي أبدعتها نخبة محدودة من المفكرين التنويريين سرعان ما تمّ الالتفاف عليها من طرف جمهور الفقهاء المقلدين من حُراس قلعة الفقه القديم، ما طرح بإلحاح ضرورة اجتهاد جريء من داخل المنظومة الدينية نفسها.
سيخلد ذكر المفكر الدكتور محمد شحرور وسيبقى مشروعه الفكري ينتشر في ربوعنا وفي ربوع الكوكب يحلق ويطير ويحط ويطير ويضطلع عليه أجيال وأجيال وسينسى التاريخ أسماء لاعنيه وشاتميه والمتطاولين والمزايدين على الرجل، لأن الكراهية لا تصنع التاريخ، ولأن شحرور لم يلتفت طوال ٥٠ عاماً لمن تتطاولوا على قامته الرفيعة ومكانته العلمية والفكرية، ومن سخروا من مشروعه الفكري ومن قللوا من قيمة اجتهاده وبحثه وطرحه ولم يعبأ يوماً بلاعنيه بل ظل يمشي في إناه ويصدح في هدوء ويبحث في دأب وإرادة لا تلين، ويتحفنا بالجديد في كل كتاب يصدر له، وظل يعمل في دأب وفي تسامح لا تعرفه ثقافتنا العربية، وفي هدوء لا تعرفه طباعنا وأخلاقنا العربية، وفي تجاوز وترفع عن السفهاء والشتامين لا ترقى إليه سوى نفوس العابدين الأتقياء المتقين.
رحم الله المفكر الذي قدم حياته لخدمة دين الله وللدفاع عن دين الله ولتقديم دين الله في ثوب معاصر إنساني عالمي.
إنه مفكر ‏عبقري، خرج عن إطار السائد والمألوف وعن أسر العادة وعن عقم التكرار وبؤسه، تحمل المهمة في رضا كامل وتحمل وعثاء السفر في غبطة، وتحمل عناء رحله البحث ومشقة المراجعة والتحري والتفكير والتدقيق وسهر الليالي وأنفق العمر والصحة وضحى براحته، وجاء لينقذ أمة غارقة في غياهب الجهل يكسوها ركام رهيب فخرج المرجفون والجهلاء وعبدة التراث يقذفونه بالحجارة، لكنه لم يلتفت، ولم يعر بالاً أي بال، وأكمل المهمة وأنجز المشروع على أكمل وجه وتركه بين أيدينا ورحل، إنه رجل من طراز فريد وعزم مختلف وذكاء متفرد وقلب سليم، وسماحة نادرة لم نألفها في مثقفينا، وتواضع لم نمارسه ولم نشاهده عند مثقفينا العرب، إنه السوري محمد ديب شحرور ابن دمشق، رد الله غربة سوريا التي لمفكريها الفضل كل الفضل على كل الفضاء العربي والعقل العربي.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية