العدد(83) الاحد 2020/ 26/01 (انتفاضة تشرين 2019)       كلكم قتلة..العنف وسيلة الجبناء، وسلاحكم قناع خوف وهزيمة ...!       مقتل متظاهرين والآلاف يتحدون القوات الأمنية بساحات الاحتجاج       حكاية شهيد..طه طلال، وشهادة قلب أبيض أبى أن يتقاعس عن مقعده في التحرير!       التفاصيل الكاملة لأحداث “جسر الفهد” في ذي قار والعشائر: لا لتفكيك الخيم       تقرير صادم من “منظمة العفو الدولية ” يدين السلطات العراقية: قذفوا متظاهرين من فوق الجسر!       موقع أخباري : متظاهرو بغداد.. باقون في ساحة الاحتجاج ولن نغادر لحين تحقيق المطالب       لماذا يرتدي المتظاهرون العراقيون الشماغ؟ وما علاقته بالاحتجاجات؟       الأرض لك       يوميات ساحة التحرير.."التكتك" يعود لتصدر مشهد الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :47
من الضيوف : 47
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30179217
عدد الزيارات اليوم : 10791
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


سعدي الحلي الحنجرة النازفة

نبيل عبد الأمير الربيعي
ظاهرة  الاستهزاء والثأر من الآخرين كانت مستشرية في حقبة ثمانينات القرن الماضي  وفترة الحرب العراقية الإيرانية, فحينما يكون الفرد متألماً فأنهُ يبل  بإنزال الألم بالآخر عن طريق تسليات رخيصة, وهو عبارة عن رغبة بالثأر كي  يطفأ الشعور بالهزيمة والهوان في معركة غير متكافأة بينه وبين الآخر. فضلاً  عن من يُستهزأ به هو صاحب الحنجرة النازفة الفنان سعدي الحلي, صاحب  الأغاني التي تخلق إحساساً مفعماً بالطرب التي يترنم بها السائر بمفرده.


عن دار سطور في بغداد صدر للكاتب رياض رمزي كتابه الموسوم (سعدي الحلي الحنجرة النازفة) الكتاب يقع بـ(142) صفحة من الحجم المتوسط, ذات طباعة راقية ونوع الورق شامو, تم تبويب الكتاب على شكل مقالات منفردة, البعض منها يحل ظاهرة الفنان الغنائي الراقي سعدي الحلي وظاهرة الإذاء والسخرية من هذا الفنان, وبعض المقالات عبارة عن تحليل لظواهر غنائية أخرى منها صوت الراحلة زهور حسين.
فكرة الكتاب جاءت من خلال مساحات السخرية التي لاحقت الفنان سعدي الحلي, فكان ردّ الكاتب رمزي بتحليل هذه الظاهرة والتساؤل لماذا كان المستهدف في تلك الحقبة الفنان سعدي الحلي, فقد كانت لظاهرة حضيري أبو عزيز التي سبقته وكانت لها الدور في حقبة الخمسينيات والستينيات ولم ينل منهُ لا المثقفين ولا السلطة فضلاً عن دوره بالغناء والتغزل بالمذكر. لكنهم حصلوا على الدعم من شخصيات نافذة في السلطة وبتوجيهها نحو بريء كي يعجّلوا من خروج أحقادهم وغضبهم الذي لا طاقة له وانهزاميتهم في الحروب, ونبذهم من قبل المجتمع العراقي, فكان التعبير عن فشلهم بالإذاء علانية وتحويل سخريتهم من الفنان سعدي الحلي وفق وضعهم التراجيدي للكوميدي الساخر ليخفّفوا من وقعها المميت عليهم, عن طريق إيجاد من يكون موضع تندّر من قبلهم.
ندعوا إلى دراسة ظاهرة سعدي الحلي, فهو ساحة مركزية تتفرع منها طرق شخصية ووطنية, علينا أن لا نتوانى عن التذكير بمسرة هذا الشخص, وألاّ نخلد للصمت إزاء حالة لم تُخترع فيها كذبة إلاّ وألصقت به, مسببة قدراً كبيراً من التعاسة له ومانحة الارتياح لمن قالها.
يتمثل انجازه الغنائي بإدخال كلمات لم تكن تستخدم سابقاً, وبخاصة أغنية (بوسة من وجنتك) التي تمثل رجلاً يعلن حبه لفتى على الملأ, فالمؤلف كتبها بطريقة تُشم منها رائحة غزل خليع ومجبّب, المطرب سعدي الحلي تميز بفن غنائي يغني الحياة الفردية ويمزج الاستفزاز بالظُّرف, لكن التشويه الذي تعرّض له سعدي يكشف مقدار تردي المواطن في تلك الفترة, مقدار التدمير الذي تعرض له, سعدي الذي لامست أغانيه عواطف الكثيرين بسبب جمال الأداء الذي جعل حضوره الشعبي مرغوباً ولافتاً للنظر, يتمتع الأداء برخامة صوت أجش ورجولي, يعكس غماً مزمناً يرتع في صدره, فكان يخرجه على شكل نواح وآهات.
وفي مرحلة الحرب العراقية الإيرانية كانت الحياة اليومية خانقة للفرد العراقي, فوجد الجمهور نفسه مشغولاً بتسلية رخيصة, فيذكر رمزي في صفحة 20 قائلاً : "نعني بها الوباء الذي أصاب شريحة واسعة من الجمهور وأسمهُ وباء سعدي الحلي. إبتذال جعل جمهوراً واسعاً يندفع للوقوع فريسة هذا الوباء, لا أحد يعرف حجم المصابين به في ذلك الوقت. جمهور غمره استبشار بحمل فيروس ذلك الوباء الذي مسّ الجميع تقريباً. أليس من الجدير بصنّاع الفكر أن يقوموا بتحليل أسبابه وسرعة انتشاره في تلك الفترة العصيبة من تاريخ البلاد, ليكون لدى المواطن العادي فهم أفضل لما حدث"(1)؟
لوباء السخرية تعقيدات كانت لسلطة البعث في انتشاره, للتقليل من ضغوطات الحروب على نفسية المجتمع العراقي, ولتحليل أسباب ظاهرة هذا الوباء لا بد من عمل ميداني لجمع (النكات) بغية دراستها وتحليل مضامينها وتحديد الخلفية الثقافية التي روجت لها وقامت بإنتاجها. ومن المسؤول عن هذا الأفراط من السخرية بحق الفنان سعدي الحلي؟ بدلاً من توجيه النكات اللاذعة لشخوص السلطة ودونيتها.
فقد تعرض الفنان سعدي الحلي في تلك الحقبة وما بعدها من أذى نفسي وشخصي بالغ بسبب المكانة الفنية لهذا الفنان, والشعبية التي حصل عليها داخل وخارج الوطن, لكن الكاتب رمزي يؤكد قائلاً في صفحة 12 : "الواقع الذي عاشه المطرب فرض عليّ كي يستقيم السرد, مطالب ضرورية. لكني لم ألجأ إلى طريقة معالجة أسنان منخورة بتلبيسها بالذهب, بل ركزتُ جهدي على عدم التدخل في تغيير خط سير واقع رسمته حروب وانتهاكات يومية متواصلة وجسيمة لمواطنين أبهضتهم تكاليفها, نكّلت بعقولهم التي لم تجد في نفسها القدرة على التحليل ناهيك عن المقاومة".
إذن هو بحث في سلوك جمهور سُلّط على غالبيته قمع غير مسبوق وموت مجاني في حروب القائد الضرورة العبثية, لذلك يحلل الكاتب رمزي ظاهرة السخرية قائلاً في ص22 :"فلم يعودوا قادرين على معرفة الفرق بين السخرية المرّة والمزاح المريح, فانغمسوا في أفعال فيها مستوى عالٍ من قسوة, طيش, غياب الرحمة, غلظة في المشاعر, وقلة أو انعدام مطلق للرقة".
كان للكبت الجماهيري خلال الحرب الدور في البحث من قبل السلطة والجماهير إلى منفذ لتفريغه وليتم التنفيس عنهُ, كما حدثَ مع الفنان سعدي الحلي, بدلاً من توجيه الاتهام والسخرية نحو مؤسسات النظام وطريقة الحكم العبثي الأرعن. فكان الفنان سعدي الحلي ضحية سُلط عليها الظلم نتيجة هوى السلطة, ونزوة أو مكيدة ابتدعتها للتأقلم مع المحنة. لكن أغاني سعدي قد حفرت غضوناً في الوجدان العراقي, يذكر الكاتب رمزي في صفحة 24 قائلاً :"أحطتُ بمعارف عنهُ من خلال جو الأغاني وكلماتها وطريقة أدائه. أدركت أن الذوبان في الموضوع يحل اللغز. منحتني تلك الأغاني نوعاً من الاستنارة بشخصيته, جعلته ينال استحقاقه من الاهتمام. حاولت فك شفرة طريقة تعامل أفراد من الجمهور معه, الذين أسميتهم عواما".
لكن من أسباب السخرية وانتاج النكتة الذكورية بحق الفنان سعدي الحلي تعود في جزء منها أنه الحلقة الأدنى في سلم المواجهة مع النظام البعثي وحروبه العبثية, وهي حالة الخوف والفزع والمعاناة التي تمتلك البعض, فأفضل خدمة تقدمها السلطة المتقاعسة عن المواجهة تتمثل في إسقاطها على الغير الأكثر ضعفاً.
كان سعدي يمتلك قدرة جماهيرية لدرجة كان بوسعه أن يكون نجماً يتربع على الموقع الأول في الأحاديث والمزح اليومية, مع أن جلّ ما فعله هو الغناء! فشق طريقه عنوة وصار الأكثر تداولاً ربما في المرتبة الثانية بعد حاكم العراق. فكان لجمهوره العريض الانتشار قدر قد يمنحه حضوراً اكبر من الطاغية, فحققت أغانيه انجذاباً من قبل الجمهور.
يذكر الكاتب رمزي في صفحة 26 من الكتاب قائلاً :"لا شك أن المؤلف من وضع الكلمات وليس المطرب, فهل يصح توجيه دفّة اللوم نحو المطرب؟. نعم عندما يجد الشاعر حرجاً في الإفصاح عن دخيلته فأنه يعلنها على لسان المطرب نيابة عنهُ. يجد المؤلف والملحن ضالتيهما في مطرب ييسّر لهما الكلمة واللحن: يتخيلون صوته, سمعته, علاقة الجمهور به فيستحضرون حضوره, فيجدون نفسيهما منقادين لشخصه, فتأتيهم كلمات وألحان تمتان بصلة قرابة لهُ".
كما يعقب الكاتب رمزي في صفحة 29 قائلاً :"لكتابة نص عن سعدي الحلي لا نحتاج لمعرفة مكان ولادته ومثواه. من يسعى لعمل ناجز عنه عليه الاكتفاء بالفترة بين ولادته وموته: الفترة التي أضيئت بلمع وميض حياته".
تقديم دراسة وافية عن ظاهرة سعدي الحلي تستحق الالتفات لها عندما تعمرها الورود بروائحها ونشاطها حين تزهر, وتنتهي عندما تنحسر قواها ويصبح أريجها شحيحاً, فالفنان سعدي الحلي حقق انجازاً فنياً مستحقاً, لكنه لم يرفل بنعمائه, بل كان بادرة شؤم عليه, هو ليس نجاحاً ما دام هذا النجاح أورثه أذى لا طاقة له على تحمل وزرها, نجاح استفحل أذاه وبات مصدر رعبٍ لهُ ومدعاة حيرة بنفس الوقت. فعلينا أن نسعى لاسترداد نستعيد به مرتبته بين العظام من الفنان في البلاد, حاله حال أي فرد تعرض طوال حياته إلى سوء حظ ونكد رافقاه وكأنه جاء إلى هذه الدنيا بدون موافقة من الخالق الذي لم يستطع مسك مزاج غضب السلطات عليه, جراء عقوق مورس بحق مهنته.
الكاتب من خلال كتابه هذا يذكر قائلاً في صفحة 32 :"يسعى الكتاب لفهم سبب استشراء وباء النكت الذي عم البلاد في وقت كانت تخوض فيه واحدة من أشرس الحروب في العصر الحديث... وبنفس الوقت محاولة لرد الاعتبار لمطرب كبير ما أحوجنا أن نتفوه باعتذار له عن طريق تخليصه من حيف سبب له مرارات, لكي يستنير تراثه وتظهر حقيقته كمطرب كبير".
الكاتب رمزي من خلال كتابه هذا درس أسباب وتحليل سلوك مجموعة غير قليلة من الأفراد نحو مبدع كسعدي الحلي وإلصاق ما لا يليق به من مطاعن. ففي صفحة 34 يذكر الكاتب قائلاً :"هو في جوهره وضع اليد على نوعية العقل الذي أنتج ذلك السلوك. تفكيكه ومعرفة أسبابه, هو فعل نقدي هدفه فهم ما حدث ومعرفة المعايير التي تستند عليها مرجعيات الجمهور الأخلاقية. حين نفهم ما حدث في الماضي لمبدع هو ثروة وطنية, سنفهم ما يحدث الآن من سلوك تدميري تجاه ثروات الوطن".
لذلك بالإمكان للمختصين تفكيك السلوكيات الماضية لإعادة تحليل ما حدث, عسى أن يضطلع من هو أكثر كفاءة في التصدي لمشاكل الماضي والأسباب الحقيقية للإساءة من الفانان سعدي الحلي. فالأفراد في مجتمع يقوده جهلة مستبدون منخرطون في حروب في الداخل والخارج يتحولون إلى ما يشبه أشجاراً تختار لنفسها قامات قصيرة تفادياً لمواجهة الحر والعواصف, بسبب ارتفاع درجة الحرارة وشدة الرياح, وما يجلباه من جدبٍ وجفافٍ وموت.
في بعض الأحيان تتلبس العقل عافية ظاهرية حين يبحث عن متعٍ تريحه, كأن ينفق وقته على نكات ومزح توفّر لهُ سروراً مفتعلاً خاصة عندما لا يطاله جرّئها القصاص, ولا تحدث له بسببها مضاعفات. يؤكد الكاتب رمزي في صفحة 35 قائلاً :"مزحٌ تجد ضالتها في مبدع وفنان, وبسلوك يشبه من يحصل على راحة من تمزيق ملصقات السينما الجميلة أو رميها في الوحل... اندفع الفرد في البحث عن مصادر للترويح عن النفس, في ظل غياب منافذ لتصريف كبته وكي لا تتعرض عافيته النفسية لاختلال فتكون حدود عقله مفتوحة على الجنون, تم النظر إلى الآخر كمصدر للتسلية".
ما يثير الأسى أن السخرية اتخذت منحى شاذاً وشهوانياً, والأسوأ أن التعرض للآخر هو ابداع رخيص في جوهره, الأمر له علاقة بتغيّر حساسية الفرد التي تنجم عن عدم رضى عن حياته, حين يصبح مجبراً على تقبل الإساءة حتى إن لم يكن يمارسها فهو لا يدينها. ثم يتساءل الكاتب رمزي في كتابه صفحة 37 قائلاً :"من أين جاءت, في ظل خرابٍ وموتٍ مجاني, هذه القريحة وهذا الهوس في التأليف الهابط للنكات؟ لا تشي طبيعة وجوهر تلك النكات بوجود عقل مخطط أو إكراه في فعل ذلك. يشبه الأمر حالة أولئك الأطفال الذين يصفقون مبتهجين لسماع دوي صفارات الإنذار في نفس اللحظة التي يموت فيها أخوانهم وآبائهم في ساحات القتال".
في مجتمع يخضع لحروب متواصلة ولنزاعات داخلية تتحول القيم الحارسة للمجتمع إلى سورٍ متداعٍ, فتدهمُ المجتمع ممارسات مفرّغة من القيم, لا تمتلك بعداً إنسانياً. بما أن الموارد اللغوية الشحيحة لا تنتج فكراً, يتم التركيز على الآخر والسخرية منه, فهو ليس سوى قصور وإعاقة فكرية مصدرهما الفقر الفكري والخيبات وعدم القدرة على المواجهة, ففي صفحة 38 من الكتاب يذكر رمزي قائلاً :"لم يكن النظام من هندس وخطط لذلك الوباء, بل هو من سمح وغضّ النظر عن انتشاره, لإدخال سرور في مجتمع تحكمه قوانين السأم, ولا يوجد فيه ما يشيع السرور, مما سمح للممارسات لا تحتكم لقوانين أخلاقية تحكم العلاقة بين الأفراد".
انتشرت ظاهرة الإساءة للفنان سعدي الحلي في ظل حكم بلغ ترديه درجة بات معها موت الفرد فعلاً عادياً, وأجهزة الدولة التي كانت تراقب كل نأمة سمحت لهذا الوباء بالاستشراء كوسيلة لتسكين الروع بتوجيه النظر صوب سيل من النكات هدفها تسلية هابطة بحق الفنان سعدي, أشبه بترياق مسكر يخفف الألم, ويجلب انعتاقاً يجرد العقل من تحديد من تقع عليه الإدانة فيما يحدث. ففي صفحة 42 من الكتاب يذكر الكاتب رمزي قائلاً :"نحاول هنا رد اعتبار وكذلك تحسين طرق التعامل مع الآخر, محاربة السلوك المتردي المتمثل في جعل الآخرين موضع سخرية وازدراء يتسببان في شقاء من يقع ضحية لذلك السلوك... في الفترة التي سبقت وأعقبت الحرب عاشت الأغلبية تحت ظل خوف راح يتصاعد وتتفاقم تأثيراته عليها... لهذا السبب باتت السخرية السوداء اتجاهاً فاعلاً في الثقافة الشعبية. تنامي القدرات الساخرة التي تفجرت, جعلت الجمهور يعجب من إمكانياته على التأليف".
لا بد من دراسة بنية النكات والمزاح والسخرية بحق سعدي الحلي وتفكيك مراميها والواقع المختفي فيها الذي تم التعبير عنه من خلال النكات, الإسفاف والبذاءات التي لا بد من كشف معناها الأعمق, فضلاً أن سعدي منح القدر من جماهيرية لدرجة كان بوسعه أن يكون نجماً يتربع على الموقع الأول في الأحاديث والمزح اليومية مع أن جلّ ما فعله هو الغناء.
ففي صفحة 52 وما بعدها يذكر الكاتب رمزي حول صوت المطرب سعدي قائلاً :"حفرت فترة الحرمان في صوت مطربنا جواً يشبه غروباً كئيباً يطبق على الجو, تحلّ في ذهن السامع إشراقة مفاجئة تفتح العواطف على كامل كداها, فيجيء الغناء الحزين معبّراً عن تاريخ هو أشبه بتنور أوجر طوال الوقت... مطرب لم يكن من سعيه تسلية البشر بل صدمهم وزيادة بلواهم عن طريق ترتيل كلمة من حرفين (آه) لا تجدي كتابتها, بل لا بد سماعها كي تتملك سامعها رعدة فتغدو عميقة الغور فيه... كي يعبروا عما لحق بهم من رزايا بعيداً عن إظهار البكاء الحر الذي ينجم عادة عن ضعف مخجل... عند سماع الآهات ينزاح الأسى فيسكن الرحمن الجسد الممسوس بالشيطان... كذلك هو الحال مع مفردات العذاب التي ترتجل بعد الموالات (آه, آخ, أويلاه) كلها تشبه مستحضرات التجميل الذي يظل شميمها رابضاً في الأنف... كأن يجعلها (الآهات) مثل ورقة نشاف تمتص أحزانه يجعلها مصدر سرور, وكأنه يُسقط منها ترخيص الهموم... بدلاً من الظهور كشخص مهزوم وباكٍ, منزوع الحياة غارق في السقام".
لدى سكان بلاد الرافدين عِشرة قديمة مع الآهات لوجود تاريخ موغل البعد في الرفقة مع الأحزان, والآهات تمنع شلّ أيدينا عن العمل, تجعلنا نبلغ الحد الذي تتحول أحزاننا عند بلوغه إلى طاقة تحركنا. فعندما أصبح سعدي شخصاً ضعيفاً وشبحاً متهاوياً كان يقتصد بالجهد كي يخرج الآهات كما كان يفعل أيام مقتبل شبابه. لكنه مثل التنور المصنوع قديماً والمتشقق الجوانب يظل قادراً على صنع صلصال يعتمد على ما في جوفه من حطب يديم اشتعال النار. كانت آهاته الحرّى تنبثق من تعاسة روح مخذولة تعبر عن حنقها بنياح متوعدٍ جراء إهانات لحقت به.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية