العدد(36) الاثنين 2019/ 09/12 (انتفاضة تشرين 2019)       فاقد الشيء لا يمنحه: حين يكتفي الرئيس بأن "يتابع باهتمام"!؟       تظاهرات غير مسبوقة للطلبة تتحدّى العنف وانتقادات حادّة للجان التحقيق       فنانو الناصرية يبعثون برسائل السلام والإعمار عبر لوحات جدارية       تقرير فرنسي: "مذبحة السنك" نقطة تحول في مسار حركة الاحتجاجات       اشتباك في شارع الرشيد       عباس.. ابن تشرين       الأوبزرفر تكتب عن "المساء الدامي في السنك": بعد ساعة من المذبحة.. "ميدان الدماء" يمتلئ مجدداً!       المثقفون: مفترقات زمن الحراكات الشعبية والثورات تجسد الدور الحقيقي للمثقف       جولة سريعة في معقل الحرية    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 29113632
عدد الزيارات اليوم : 40962
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


هكذا تأسست مكتبة مكنزي

علي أبو الطحين
ولد كينيث  مكنزي لعائلة فلاحية أسكتلندية في حوالي سنة 1888 في أحدى قرى مقاطعة  روس-شاير في أقاصي أسكتلندا. توفي والده مبكراً تاركاً الصبي كينيث وأختين،  وتبنت أمه بعد أن أصبحت أرملة إثنان من الأيتام لصيبحوا خمسة أطفال في  حضانتها. كانت أمه متعلمة فحرصت على الأهتمام بتهذيبهم وتعليمهم. تعرضت  العائلة الى كارثة كبيرة حين إجتاحت سيول الفيضان بيتهم وحقولهم فأكتسحت  ودمرت كل ما يملكون من حيوانات وحاجيات المنزل ونجت العائلة من الموت فقط  بالهروب الى أحد التلال القريبة.


 قررت بعدها الأم النزوح الى الجنوب والعيش في العاصمة لندن. بدء الشاب الصغير مكنزي يبحث عن عمل في لندن وقد أصبح معيل الأسرة، وأفلحت جهوده بعد مدة بالحصول على عمل في قسم مبيعات الكتب في أحد المحلات اللندنية الشهيرة المعروفة بأسم (محلات الجيش والبحرية Army & Navy Stores)، وهي مازالت تعمل حتى اليوم.
بعد بضع سنوات من العمل أصبح لمكنزي خبرة كبيرة في سوق الكتب ومعرفة واسعة في الإنتاج الفكري والأدبي لعديد من الكتّاب والمؤلفين، فقرر أن يفتتح مكتبة صغيرة في سنة 1901 بإسم «ملاذ محبي-الكتب» (Book-Lover’s Resort) في حي ساوث كينغيستون الشهير في غرب لندن. أصبحت المكتبة بعد مدة قصيرة مركزاً مهماً للعديد من المثقفين والمؤلفين خصوصاً للمهتمين بالثقافة والتراث الأسكتلندي. تقول الكاتبة الإنلكيزية لوسي برودوود المختصة بالفلكلور بإن مكنزي كان دليلها ومرشدها في معرفة المصادر بل وحتى المشاركة عندما وضعت كتابها عن الأغاني الفلكورية. وأصبح مكنزي ناشراً للكتب ومتضلعاً في لغة الكاليك Gaelic الأسكتلندية القديمة.
وضعت الحرب العظمى التي بدأت سنة 1914 حداً لطموحات مكنزي وعصرت قلبه، إضطر عندها الى غلق المكتبة والإلتحاق بالجيش. إنتقلت وحدته العسكرية الأسكتلندية للقتال فى فرنسا، كان لمكنزي قناعة بإنه سيقتل كما قتل معظم أفراد كتيبته، لكن كتبت له الحياة بعدما إصيب إصابة بالغة نقل على أثرها للعلاج في إحد مستشفيات شروبشاير في وسط بريطانيا، ولم يشفى إلا بعد إنتهاء الحرب بفترة. وعندما كان في لندن يبحث عن عمل من جديد كان همفري بومان قد وصل الى لندن يبحث عن كتبي للعمل في العراق.
تعرف همفري بومان على الكتبي كينيث مكنزي فإصطحبه معه الى بغداد للإطلاع ميدانياً على حاجة المدارس والمؤسسات التعليمية للكتب والمصادر. بعد مشاهدته سوق الكتب في بغداد وتبيان الحاجة الى مكتبة شاملة للكتب الأجنبية، إقترح مكنزي بدلاً من أن يكون موظفاً خاصاً بتوفير الكتب، أن ينشأ مكتبة حكومية تدار بالتمويل الذاتي بعد الحصول على منحة مالية من الحكومة لشراء الكتب، وأشترط أن يكون له مطلق الحرية بإدارة تلك المكتبة. وافقت الحكومة بعد بعض المداولات وخصصت إحدى الغرف في السراي لهذه المكتبة وسميت بمكتبة الحكومة Government Bookshop. عاد مكنزي الى لندن واتفق مع بعض دور النشر والعديد من زملائه بائعي الكتب بشراء الكتب المطلوبة والدفع بالآجل لمدة ثلاثة شهور، تبين بعدها إن هذه المدة كانت كافية لإسترداد المبالغ المطلوبة، فأعاد مكنزي المنحة الحكومية لعدم الحاجة إليها.
وخلال وجوده في بريطانيا تسلل كينيث مكنزي الى مسقط رأسه في شمال أسكتلندا ليرتبط بفتاة كان على معرفة بها، وهي من عائلة مكنزي أيضاً، وكانت موظفة تدير مكتب بريد القرية، فتزوجا وإصطحبها معه الى بغداد.
انطلقت المكتبة بنجاح كبير وكانت تفتح أبوابها يومياً من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الثانية عشر ظهراً في أيام الصيف ومن التاسعة وحتى الواحدة بعد الظهر في أيام الشتاء، وفي أيام الأثنين والأربعاء والجمعة من كل إسبوع تفتح في المساء أيضاً من الخامسة وحتى السابعة والنصف في الصيف، ومن الرابعة وحتى السادسة والنصف في الشتاء.
إضافة الى الكتب المدرسية والتعليمية العلمية والأدبية كانت المكتبة توفر جميع الكتب الإنكليزية المختصة بالعالم العربي والأسلامي من كتب الرحلات والتاريخ والتراث القديمة والحديثة، ناهيك عن العديد من النشرات والدوريات الرصينة. يقول ريتشارد كوك، صاحب كتاب «بغداد مدينة السلام»، في مقالة له في إحدى الدوريات البريطانية إن مكتبة مكنزي أصبحت أفضل مكتبة متخصصة في الإسلاميات والتراث والرحلات الى العالم العربي، ليس في العراق والشرق الأوسط فحسب بل في العالم أجمع، حيث كانت طرود الكتب ترسل من المكتبة الى زبائن في مختلف البلدان من الولايات المتحدة وحتى اليابان، إضافة الى طرود بريدية إسبوعية الى بلاد فارس. وفي إعلان للمكتبة نشر في الدليل التجاري المطبوع في بغداد سنة ١٩٢٤، يقول الإعلان إن المكتبة مستعدة للبحث وتوفير أي كتاب أومصدر من جميع أنحاء العالم، وموضحاً إن المكتبة تستلم شحنات من الكتب إسبوعياً من دور النشر في بريطانيا والولايات المتحدة.
في إحد رسائلها الى زوجة أبيها في سنة 1923 ذكرت المس غيروترود بيل إن مكنزي طلب منها إعادة طباعة كتابها عن العراق «مراد الى مراد» المطبوع في لندن سنة 1911 وفيه وصف لمدينة بغداد عند زيارتها لها سنة 1909. قال لها هناك طلبات عديدة على هذا الكتاب النافذ وإنه مستعد لشراء 200 نسخة من الكتاب. وبالفعل صدر الكتاب بطبعته الثانية سنة 1924. وقام مكنزي بطبع بعض الكتب بالإنكليزية في بغداد، حصلت على بعض منها مثل كتاب دورثي مكاي «مدن العراق القديمة» المطبوع سنة 1926، وكذلك الكراس «طريق الصحراء من بيروت الى بغداد» سنة ١٩٢٦، وكتاب جارلس هوبر «القانون الدستوري في العراق» سنة 1928. ويضم الكتاب الأول قائمة في سبعة صفحات بالكتب التي تباع في المكتبة، وهي مجموعة نادرة من الكتب القديمة عن العراق من أوائل القرن التاسع عشر مثل كتاب رحلة كير بورتور 1822، وكتاب رحلة بكنغهام 1827، وكتاب رحلة بادجر 1852 وغيرها الكثير.
كان نشاط المكتبة بتوفير الكتب الحديثة والقديمة النادرة بشكل دائم يتطلب وجود شخص ثاني في بريطانيا للقيام بهذه المهمة. فطلب كينيث من شقيق زوجته، دونالد مكنزي، القدوم إلى بغداد ومساعدته في عمل المكتبة، بذلك أصبح الإثنان يتناوبان البقاء في بغداد ولندن لتوفير الطلبات من الكتب، إضافة الى ذهاب زوجته الى لندن في بعض المرات. في سنة 1921 تشكلت أول حكومة وطنية في العراق بعد تنصيب فيصل ملكاً على العراق، وحافظت «مكتبة الحكومة» التي يديرها مكنزي على إستقلاليتها الإدارية والمالية، إلا إن الحكومة رأت في سنة 1925 إن للمكتبة وضعاً شاذاً، فهي تابعة للحكومة وتشغل موقعاً في سراي الحكومة بدون أي سلطة للحكومة عليها فقررت إنهاء إرتباط المكتبة بها وبيعها في مزاد، ولم يكن المستفيد سوى كينيث مكنزي الذي سارع بنقل المكتبة الى بناية النادي البريطاني في الشارع الجديد (الرشيد فيما بعد) في جوار جامع السيد سلطان علي، من جهة السنك، وأصبح إسمها «المكتبة “The Bookshop، بعد رفع كلمة الحكومة، وتحتها لأصحابها مكنزي ومكنزي (Mackenzie & Mackenzie Proprietors). واصبحت المكتبة تفتح يومياً بنفس الأوقات السابقة، ومساء كل يوم بدلاً من ثلاثة أيام كما في السابق. بعد عدة سنوات أنتقلت المكتبة الى أحد محلات بناية لينج في شارع الرشيد وأصبحت تعرف بمكتبة مكنزي (Mackenzie Bookshop).
في مساء يوم السبت 21 من شهر كانون الثاني سنة 1928، وحين كان يعمل في المكتبة سقط كينيث مكنزي مغمياً عليه بعدما أصيب بالجلطة، نقل على عجل الى المستشفى وفارق الحياة بعد ساعتين لم يفق فيها من غيبوبته. شيعت بغداد بعد ظهيرة اليوم التالي جنازة كينيث مكنزي بحضور كبير من العراقيين والبريطانين ودفن في المقبرة البريطانية في الباب الشرقي. وأعلن محفل بغداد الماسوني العزاء له، فكان مكنزي عضواً فاعلاً فيه.
إستلم دونالد مكنزي، شقيق زوجته، إدارة المكتبة وأستمر على نهجها بنجاح كبير. ويذكر طارق إسماعيل أستاذ العلوم السياسية في كندا في كتابه عن الحزب الشيوعي العراقي المطبوع باللغة الإنكليزية سنة 2008، بأن دونالد مكنزي كان إشتراكي النزعة وإنه ساهم من خلال المكتبة بنشر الأفكار الإشتراكية واليسارية في العراق. ويشير طارق إسماعيل إن مكنزي إستمر يعمل في المكتبة حتى وفاته عام 1926. ومن المعروف إن المكتبة إنتقلت ملكيتها فيما بعد الى عراقي كان يشتغل في المكتبة، إلا أن مصادرنا تختلف عن هذا الشخص العراقي ومتى إستلم المكتبة وكيف.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية