العدد(36) الاثنين 2019/ 09/12 (انتفاضة تشرين 2019)       فاقد الشيء لا يمنحه: حين يكتفي الرئيس بأن "يتابع باهتمام"!؟       تظاهرات غير مسبوقة للطلبة تتحدّى العنف وانتقادات حادّة للجان التحقيق       فنانو الناصرية يبعثون برسائل السلام والإعمار عبر لوحات جدارية       تقرير فرنسي: "مذبحة السنك" نقطة تحول في مسار حركة الاحتجاجات       اشتباك في شارع الرشيد       عباس.. ابن تشرين       الأوبزرفر تكتب عن "المساء الدامي في السنك": بعد ساعة من المذبحة.. "ميدان الدماء" يمتلئ مجدداً!       المثقفون: مفترقات زمن الحراكات الشعبية والثورات تجسد الدور الحقيقي للمثقف       جولة سريعة في معقل الحرية    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :32
من الضيوف : 32
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 29113883
عدد الزيارات اليوم : 41213
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


رفائيل بطي وأبو القاسم الشابيّ

شاكر لعيبي
في النصف الأول من  السبعينيات كان التوتر بين الرئيس الراحل أنور السادات وجماهير الطلاب  والمثقفين والصحفيين وأقسام كثيرة من المواطنين، يتصاعد عاماً بعد آخر،  بسبب الخلاف حول قضايا عديدة كان من بينها: تحرير الأرض المحتلة وتوسيع  نطاق الديمقراطية والحفاظ على ما كان يصطلح على تسميته – آنذاك – بالمكاسب  الاجتماعية لثورة يوليو.


وسيعتبره رائداً آخر من روّاد ما نسميه اليوم بـ "قصيدة النثر". وإذا ما بدا الشابي في قصائده الأولى المؤرخ لها بعام 1923 تقليدياً في معجمه وموضوعاته وموقفه من العالم، فإن تحوُّلاً قد مسّ شعره بعد عامين تقريباً بفضل قراءته وتمثله للشعر المهجريّ اللبنانيّ الموسوم، بشكل عام، بروحٍ رومانسيّ يستجلب عذاب الوجود الغامض وحزن الذات الدافق مجهول المصدر. في عام 1925 سينحو الشابي منحى آخر، قد تكون قصائده النثرية لحظة من لحظاته المتوهّجة. لم يخرج الشعر المنثور الذي كتبه الشابي بالمصادفة السعيدة، ولم يكن محض (خواطر) أدبية كما قد يقول البعض. فهو يكتب في رسالة مؤرخة بالأول من آب 1929 إلى صديقه محمد الحليوي يقول عن أحدهم إنه تولى إدارة تحرير مجلةٍ وإنه: "تسلّم مني قطعة من الشعر المنثور عنوانها الشاعر تحت عنوان أكبر أود أن أكتب تحته مواضيع مختلفة...". كان الشابي إذن واعياً أن ما يكتبه هو نص يقف على تخوم الفنين الشعريّ والنثريّ، هذه القصدية التي نعتبرها شرطاً من الشروط الأساسية للاقتراب من القصيدة النثرية متوفرة في حالة الشابي. والحليوي أديب قيرواني ساعد الشابي- الذي لم يكن يقرأ بأي لغة أجنبية - على قراءة الشعر الرومانسي الغربي والتراث الشعري عند الأغريق والرومان والتعرُّف على أساطير الشعوب الأخرى. منذ الخامس من آب 1925 نعثر على أوّل قصيدةٍ نثريةٍ كتبها الشابي بعنوان "بقايا الشفق"، لتتوالى بعدها خمس عشرة قصيدة من النمط نفسه آخرها "الذكرى". جميع هذه القصائد تتسم بلغةٍ موغلةٍ في رومانسيتها الصافية وتتشابه موضوعاتها كأنها نصّ واحد ممتدّ على مقاطع. يمكن تفسير لغة الشابي الرومانسية بواقعة تعرُّفه عبر صديقين أديبين، منهم الحليوي، يجيدان اللغة الفرنسية على شعراء فرنسا الرومانسيين، وعلى رأسهم "لامرتين". إن تأثر الشابي بالأدب المهجريّ، خاصة جبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي، وبشعراء مثل لامارتين وغوته يقع التخفيف منه في الكتابات النقدية التونسية الحالية، مثلما يقع التخفيف من تأثر رائد آخر من رواد قصيدة النثر في العراق، رفائيل بطي (1898-1954) بالشعر المهجري نفسه، خاصة بأمين الريحاني (سوى من بين آخرين د. يوسف عز الدين الذي يلحّ عن حق على ذلك). مجموعة بطي (الربيعيات) طُبعتْ سنة 1925، وهي تشتمل على أربع عشرة قصيدة في مائة صفحة من القطع الصغير، وقصائدها مُذيَّلة بتواريخ تعود إلى الأعوام 1920 -1925 وكانت المجموعة من منشورات مجلة (الحرية) التي كان بطي نفسه يرأس تحريرها. إذا ما استبق بطي أبا القاسم الشابي في تلقف الشعر المنثور بأربع أو خمس سنوات فذلك راجع، في الغالب إلى فارق السن الطفيف بينهما، وإلى اختلاف المناخ الثقافي السائد في الوسطين العراقيّ والتونسيّ لحظتئذ. استبق رفائيل بطي أيضاً معروف الرصافي (تلامَسَ مع الشعر المنثور عام 1922) ومراد ميخائيل (تلامَسَ مع قصيدة النثر عام 1927) في كتابة هذا النوع الجديد من الشعر، وبإيمانٍ عميق، لا أظنه تراجع عنه. بدوره تأثر الريحاني في ديوانه (هتاف الأودية) سنة 1910 بوالت وايتمان كما نعرف، وكان ترويجه للشعر المنثور قد وجد أصداء كبيرة في جميع أقطار العالم العربي، في لبنان ومصر والعراق، وعلينا الآن إضافة تونس. وهي أقاليم ثقافية كانت تمتلك نوعاً من الوحدة المعرفية التي انحسرت كثيراً منذ انحسار الاستعمار وتأسيس الدول العربية التي كان من نتائجهما كليهما الانغلاق على الذات المحلية والتشديد على ريادات منفصلة في هذا الحقل الإبداعيّ أو ذاك. وإذا ما عدنا إلى أجواء الانفتاح الثقافي الطبيعيّ بين أمصار العالم العربي سنوات العشرينيات لرأينا أن قناعة رفائيل بطي بالشعر المنثور تماثِل قليلاً قناعة الشابي لأنهما مُستلهَمِيْن من مصادر واحدة متماثِلة، واصلة للإقليمين بطرقٍ متعددة، مباشرة أو غير مباشرة، آخذين السياق المحليّ بنظر الاعتبار. بل يمكن أن يُعتبر السياق الثقافيّ التونسيّ الأكثر جموداً من مثيله العراقي تلك السنوات في صالح الشاعر التونسي. تعرَّض الشاعران كليهما لنقدٍ عنيف من الوسط الشعري الذي هيمنت عليه التقليدية وتقديس الماضي الشعري وثبات المعايير. كلاهما كان يمضي قدُماً في تصوُّراته التحديثية، وكلاهما لم ينحنِ للعاصفة، فقد كتب بطي ضد الأكليروسية المسيحية، وقد وقف الشابي، وهو ابن شيخ تخرّج من الأزهر، ضد الجمود العقليّ. كلاهما شغف بجبران: الأول معترفاَ صُراحاً بذلك والثاني بالقليل من التصريح. على أن أهمّ ما أنجزه الشابي من قصائد لم يكن من الشعر المنثور بل من الشعر الموزون، بينما تخلى بطي عن كتابة الشعر لصالح مشروعٍ معرفيٍّ نقديّ والكتابة السياسية والتاريخية. لم تُدرس بعد مرجعيات كتاب الشابي (الخيال الشعري عند العرب)، وهي قد انتقدت مرة بشدة، ومُدحتْ مرة أخرى بإفراط.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية