العدد(43) الاثنين 2019/ 16/12 (انتفاضة تشرين 2019)       فرادة انتفاضة أكتوبر ودلالاتها: سلميتها، ووحدة شعاراتها ومواقفها..       حقوق الإنسان عن "جرائم" الاغتيالات: على الحكومة اتخاذ خطوات جريئة       في ساحة التحرير.. مائدة "غير طائفية" تجمع العراقيين       موجة عنف جديدة.. مهاجمة متظاهري “الوثبة” بالقنابل الدخانية       التضامن الشعبي لدعم الاحتجاجات يساعدها على الصمود       الجمهوريات المتخيلة، التحرير نموذجاً       صور ضحايا تظاهرات العراق على شجرة ميلاد       موجز أنباء المدن الثائرة       الاحتجاجات الطلابية مستمرة في عموم المحافظات : لن نعود    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :59
من الضيوف : 59
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 29306563
عدد الزيارات اليوم : 6090
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


أحمد فؤاد نجم شاعر تكدير الأمن العام

صلاح عيسى
في النصف الأول من  السبعينيات كان التوتر بين الرئيس الراحل أنور السادات وجماهير الطلاب  والمثقفين والصحفيين وأقسام كثيرة من المواطنين، يتصاعد عاماً بعد آخر،  بسبب الخلاف حول قضايا عديدة كان من بينها: تحرير الأرض المحتلة وتوسيع  نطاق الديمقراطية والحفاظ على ما كان يصطلح على تسميته – آنذاك – بالمكاسب  الاجتماعية لثورة يوليو.


وكانت وسيلة الطلاب للتعبير عن آرائهم هي فرخ ورق بريستول مقاس 70 × 100 سم، وقلم فلوماستر، يستخدمونهما في إصدار عشرات الصحف، يعلقونها على حوائط الكليات، وعلى أشجارها، أو يفرشونها على الأرض ويثبتونها بقطع من الأحجار ليقرأها زملاؤهم وأساتذتهم وضباط الحرس الجامعي، ومؤتمرات يدعون إليها الصحفيين والكتاب والأدباء والساسة، وتختم عادة بدخول رجل متوسط القامة، مهوش الشعر، نابت الذقن، ممصوص القوام، يتجاوز عمره الأربعين – يرتدى – أحياناً – قميصاً قديماً وبنطلوناً ناحلاً، وغالباً ما يرتدي جلباباً بلدياً ويضع في أقدامه صندلاً أو بُلغة فاسي، يتأبط ذراع رجل نحيف، أبرز ما في وجهه هو نظارة سوداء كبيرة يخفي بها عينيه الكفيفتين، ويسحبه ليصعدا إلى منصة المدرج فيستقبلهما الطلاب بعاصفة من التصفيق المدوي، تستمر وقتاً طويلاً، ثم يبدأ الشاعر "أحمد فؤاد نجم" في إلقاء قصائده، ويغني الشيخ "إمام عيسى" ما لحنه من تلك القصائد، قبل أن يخرج الجميع في مسيرة صاخبة، تدور في أنحاء الحرم الجامعي، وهى تهتف بالحياة والسقوط!
وفي مواجهة تلك الظاهرة، كانت الحكومة تلجأ في كل عام إلى توجيه ضربة أمنية وقائية تقبض خلالها على مئات الطلاب بتهمة بث دعايات مثيرة من شأنها تكدير الأمن العام، وتقبض على هامشها على عدد من الكتاب والصحفيين والأدباء والمحامين والعناصر العمالية النشطة، تصفهم عادة بأنهم من العناصر المندسة، التي تسيء إلى القاعدة الطلابية السليمة، وتقودهم إلى السجون فيقيمون بها أسابيع وشهوراً لا يكف خلالها الرئيس السادات عن الهجوم على الطلاب والتنديد بما كانوا يكتبونه في صحفهم، أو يقولونه في مؤتمراتهم، أو يرددونه من أشعار وأغان، كان يصفها عادة بأنها.. "رذالات".. و"بذاءات".. و"شتائم".. و"سخائم"!!
وكان الشاعر الصعلوك وصديقه المغني الكفيف في مقدمة الذين تطولهم حملات الأمن الوقائي في مفتتح كل عام.
وفي سنة من تلك السنوات، وقف نائب بمجلس الشعب – هو المرحوم "زكريا لطفي جمعة" – ليعلق على بيان كان الرئيس السادات قد ألقاه أمام المجلس بمناسبة الحملة السنوية للقبض على الطلاب، داعياً إلى تأييد ما ورد في خطاب الرئيس.. فقال: "إن القاعدة الطلابية سليمة، وإن المندسين من عملاء مراكز القوى، هم الذين يحرضون الطلاب على معارضة النظام، بما يلقونه في المؤتمرات الطلابية من خطب وأشعار مثيرة، تحرض على الفوضى"، ثم ارتفع صوته وهو يقول إنه استطاع أن يحصل على وثيقة هامة هي قصيدة مما كان يلقي على مسامع أبنائنا الطلاب – الأبرياء – من "الرذالات".. و"البذاءات".. و"السخائم".. من تأليف الشاعر البذيء "أحمد فؤاد نجم".. وأنه سيقرؤها ليعرف النواب الحقيقية، واتخذ النائب الوضع الذي ظنه ملائماً لإلقاء الشعر، وأخذ يهتز مع إيقاع الأبيات، وقد نفرت عروقه، وهو يتلو القصيدة التي كانت تقول:
قل أعوذو
مد بوزه
الجبان
ابن الجبانة
كل غدانا
قام لقانا
شعب طيب
كل عشانا!
وذهل النائب لأن زملاءه النواب لم يشمئنطوا، بل وسرت الهمهمات بينهم، وعلت البسمات وجوههم، كاد بعضهم يصفق وخاصة أنه كان قد اندمج في الإلقاء، فمد بوزه إلى الإمام، واستدرك المرحوم حافظ بدوي – رئيس مجلس الشعب أيامها – الموقف قائلاً: "إن اللائحة لا تجيز إلقاء مثل هذا الشعر الرذيل، وأمر النائب بالكف عن ضرب الأمثلة، والمختزلين بشطب القصيدة من المضبطة. وفي أثناء الاستراحة احتشد النواب في البهو الفرعوني حول النائب "زكريا لطفي جمعة" يطلبون إليه أن يقول أعوذو ويمد بوزه، ويعيد إلقاء القصيدة عليهم ليحفظوها بعد أن صدر الأمر بحذفها من المضبطة.
والغريب أن الشاعر الصعلوك "أحمد فؤاد نجم" لم يكن من عملاء مراكز القوى، أو من الذين يرتدون قميص عبد الناصر – وهو الوصف الذي كان الإعلام الرسمي يطلقه على معارضي الرئيس السادات – بل كان من المعارضين لحكم عبد الناصر، ومن المعتقلين في أواخر عهده، فقد أمضى السنوات – بين منتصف عام 1968 ومنتصف 1971 في سجن القناطر الخيرية معتقلاً بسبب أشعاره السياسية، ولم يفرج عنه هو وزميله المغني الضرير إلا عندما قرر الرئيس السادات تصفية المعتقلات بعد انتصاره على خصومه ومنافسيه على السلطة من مراكز القوى في مايو 1971.
وبعد اعتقاله بعام، انتهز الزعيم الفلسطيني "نايف حواتمه" – رئيس الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين – فرصة لقاء بينه وبين الرئيس عبد الناصر، فقال إن لديه طلباً يتمنى أن يكرمه الرئيس فيحققه له..
وابتسم عبد الناصر قائلاً:
- أأمر يا نايف.
فتشجع نايف حواتمه، وقال إنه علم أن هناك ثلاثة من الكُتاب والأدباء معتقلون بالسجون المصرية، هم: الشاعر "أحمد فؤاد نجم" والشيخ "إمام عيسى" وكاتب هذه السطور – ولم أكن أعرف نجم أو إمام حينذاك – وأنه يتمنى أن يستجيب الرئيس لوساطته فيفرج عنهم.
وتجهم وجه الرئيس عبد الناصر.. وقال بجفاء لم يفلح في إخفائه:
- ما تتعبش نفسك.. التلاتة دول مش ح يطلعوا م المعتقل طول ما أنا عايش!
وذلك ما كان!
أما الأكثر مدعاة للدهشة، وربما للذهول، فهو أن "أحمد فؤاد نجم" لم تكن له أى صلة بالسياسة أو بشئون الحكم ولم يكتب في أيهما شعراً قبل 5 يونيو 1967.
وفي ذلك التاريخ كان "نجم" قد بلغ الثامنة والثلاثين من عمره، يقترب من سن الكهولة، الذي تنفد على مشارفة عادة، طاقة التمرد في الإنسان، ويصفي على عتبة تمرداتهم، ولم يكن في حياته قبل هذا التاريخ شيء ينبئ أنه سيفعلها.. كان مجرد طفل يتيم في شجرة عائلته "الكريمة" أخ كان لصاً للخزائن، وآخر كان "ابن ليل" كل علاقته بالوطنية أنه كان يمارس شقاوته أحياناً ضد معسكرات جيش الاحتلال الإنجليزي في منطقة قناة السويس. فيسرق مع عصابته بعضاً من مهماتها.
أما هو فكان قد ولد ذات يوم من عام 1929، بإحدى قرى محافظة الشرقية المتاخمة لمنطقة القنال، وأطلق عليه أبوه – على سبيل التيمن باسم صاحب الجلالة "أحمد فؤاد" ملك مصر في ذلك الزمان، لكن الرياح أتت بما لا يشتهي والده ضابط البوليس "الفاقد" "عزت أفندي نجم".. فمات تاركاً أصغر أبنائه ليواجه المصير الطبيعي لطفل يتيم فقير، ابن فقراء ويتامى.
وتثقل مئونته الواهية على أقاربه، فيبحثون عن داهية يودعونه فيها، فلا يجدون إلا ملجأ للأيتام بمدينة الزقازيق، وبين زحام اليتامى الفقراء، تثقله مشاعر الوحدة، فيغيب في فترات صمت طويلة حتى يبدو لمن يحيطون به أنه نسي الكلام، وتقرب مشاعر الوحدة بين جدران الملجأ بينه وبين يتيم وحيد نحيل من زملائه، ينتمي لقرية الحلوات القريبة من قريته اسمه "عبد الحليم شبانة" وفي حجرة الموسيقى بالملجأ يكتشف الاثنان أن الغناء يعزي المحروم ويؤنس غربة اليتيم فيغنيان، ويحفظان المقامات والتواشيح والأدوار والطقاطيق.. ويعشقان الطرب.. ليصبح ثانيهما – فيما بعد – علماً لا ينساه الناس الذين غنوا معه ربع قرن من الزمان، وعرفوه – ومازالوا يعرفونه – باسم "عبد الحليم حافظ".
أما "أحمد فؤاد نجم" فقد غادر الملجأ – كما دخله – يتيماً وفقيراً ووحيداً.. ليندفع مع تيار الوحدة، فيعيش حياة الصعاليك الذين كانوا يزحمون أرض الوطن، يلتقط رزقه من بين أنياب الوحوش في بلد محتل ومشندل.. وبدلاً من أن يصبح ملكاً – كسميه صاحب الجلالة الملك أحمد فؤاد الأول – أصبح أجيراً في أحد التفاتيش الزراعية المملوكة لصاحب الجلالة.. ولكن الحظ السيئ يترصده، فيفصل من وظيفته، ليعيش عاطلاً فترة، ثم يلتحق بمنزل خاله فيعمل به خادماً إلى أن يجد عملاً في معسكرات جيش الاحتلال، ويتركه في نهاية عام 1951 مع آلاف العمال المصريين الذين استجابوا لنداء حكومة الوفد في تلك السنة وتركوا أعمالهم في المعسكرات لإجبار المحتلين على الرحيل بعد أن ألغت الحكومة معاهدة 1936.
وتفي الحكومة بوعدها، فتعوضه عن وظيفته التي تركها بوظيفة حكومية في أحد فروع السكك الحديدية، وبعد سنوات يفكر في أن يتزوج فلا يجد مالاً ولا سكناً.. وببساطة يشترك مع أحد السعاة في تزوير بعض المستندات ويتقاسمان مقابلها النقدي، إلى أن يأتي اليوم الذي يجد نفسه فيه في السجن يقضي عقوبة مدتها ثلاث سنوات مداناً بتهمة التزوير واختلاس الأموال الأميرية!
ويكتشف ضباط السجن أن المزور المرتشي سمي صاحب الجلالة، يكتب شعراً جميلاً، فيدهشون، وتسعدهم قصائد النفاق التي كتبها في مزايا سعادة الباشا المأمور، وحضرة صاحب العزة ضابط العنبر. فيتباهون به، ويقدمونه في حفلات المصلحة.. وينشر المجلس الأعلى للآداب والفنون ديوانه الأول "من الحياة والسجن".. ويفرج عنه عام 1962 ليجد الطريق ميسراً لوظيفة من وظائف المجلس، تكفل له أن يكون – كما كان شاعر البؤس "عبد الحميد الديب" – مشرداً رسمياً.. يتقاضى مرتباً دون أن يؤدي عملاً!
ويذهب ليبحث عن غرفة يقيم بها، وتقوده أقدامه إلى حارة مملوكية قديمة تلتف على نفسها كوليد في رحم أمه، تحمل اسم "حارة حوش قدم" – وهي عبارة فارسية بمعنى قدم الخير – وهناك يلتقي بمغن ضرير صعلوك، بدأ حياته مقرئاً للقرآن، ثم مؤذناً ومنشداً في حلقات الذكر، ثم عمل سنيداً مع الشيخ زكريا أحمد فيتقاسمان غرفة في أحد بيوت الحارة، ويكونان "دويتو" يجوب الأفراح، وحفلات الطهور وجلسات المزاج، التي يقيمها أهالي القاهرة المملوكية، ومجاورو الأزهر والحسين.
وقبل شهور قليلة من يوم الهزيمة، كان نجم قد ضحك على ناشر غلبان، يملك مطبعة حروف يدوية كحيانة في أحد دكاكين شارع محمد على، فأقنعه بأن ينشر له ديوانه الثالث، عن كرة القدم، لعله يعوض خسارته في ديوانه الثاني، وكان عن الأهلي والزمالك، ولم يكن حتى ذلك الحين قد كتب شعراً سياسياً، أو اهتم بشيء خارج عالمه المحدود.
وفجأة وقعت هزيمة 5 يونيو 1967.
وفي تلك الشهور البعيدة من صيف 1967، كنا نسير ونحن نتخفى لأن عار الهزيمة يجللنا، وإكليل شوكها يتوجنا.
أيامها نسينا الشعر، وهجرنا القص وكرهنا الغناء وعرفنا السهد وتقلبنا على الجمر، بعد أن انهارت كل أحلام جيلنا بعالم سعيد، وأصبحت أطلالاً نجوس بين أكوام حطامها، ونحاول أن نتوقى فخاخ الإحباط التي كانت تنتشر كالسرطان في الأرض الخراب.
أما "نجم" فقد هجر أفراح المعلمين. واحتفالات الفتوات بطهور أبنائهم واختفى بحجرته الضيقة أياماً، خرج بعدها وقد كتب البلاغ رقم واحد لتمرد الجيل وفي ساعات كان صديقه الشيخ "إمام عيسى) قد لحن القصيدة / البلاغ وغناها، وكان مطلعها يقول:
الحمد لله خبطنا تحت بطاطنا
يا محلا رجعة ضباطنا من خط النار
يا أهل مصر المحمية بالحرامية
الفول كتير والطعمية
والبر عمار
ح تقول لي "سينا".. وما "سيناشي".
ما تدوشناشي
ما ستميت أتوبيس ماشي
شاحنين أنفار
إيه يعني شعب في ليل ذله
ضايع كله
دا كفاية بس أما تقوله
إحنا الثوار!
كان البلاغ إدانة صريحة للبيروقراطية العسكرية، التي وصفها عبد الناصر – فيما بعد – بأنها كانت السنارة التي اصطادت بها الإمبريالية العالمية رأس نظامه.
وتتالت البلاغات الشعرية.. طارت على أشعة الشمس.. وتخللت نسمات الهواء، لتستنشقها صدورنا المصدومة الذاهلة، الأشبه بفرخة مذبوحة ترفرف بجناحيها من حلاوة الروح فتعيد إلينا الأمل، بأن الهزيمة ليست نهاية التاريخ، وأن الانتصار ممكن، وأن الأعداء داخل جلودنا كما أنهم خارج حدودنا، وتتدافع جموعنا إلى حجرته الضيقة في ذلك المنزل القديم في تلك الحارة الضيقة من حواري الوطن فنذهل حين نراه شاعراً كهلاً.. نحيل القامة.. كحيان.. ومغن ضرير غلبان.. وغرفة ناحلة لا تضم سوى كنبتين من الخشب.. ومقعد بثلاث قوائم ورف ومرآة مكسورة.
كان آخر ما يمكن أن نتصوره، هو أن يكون هذا الشاعر الصعلوك هو صوت الغضب القادم، وأن تكون تلك الغرفة الفقيرة العاطلة عن الجمال والجلال، هي مجمع أحزاننا المستجدة وبئر أحلامنا العميقة.. مع أنها – مكاناً وسكناً – تكاد تخلو من كل المؤهلات التقليدية التي تجعلها صالحة لذلك، فلا "تاريخ نضالي" ولا "عذاب سيزيفي" ولا "غربة وجودية".. بل مجرد غناء عذب، شجي، بسيط وصوت واثق قوي، وسخرية تفجر الضحكات والدموع.. وجسارة لا تخاف ولا تتردد ولا تحسب، لأنها لا تملك ما تخاف عليه، ولا تسعى لكى تملك ما قد يجعلها تخاف عليه.
في تلك السنة التي كان عارها يجللنا، وهزيمتها تتوجنا بأكاليل الشوك، ومذاقها في حلوقنا كطعم الخل، تخلق الظلام فولد "أحمد فؤاد نجم" بين أطلال الهزيمة.. ليكون هو ذاته "أحمد الزعتر".. الذي وصفه "محمود درويش" بأنه "أحمد العادي".. المولود من حجر وزعتر.. القائل دائماً: لا.. جلده عباءة كل فلاح سيأتي من حقول التبغ كي يلغي العواصم ويقول: لا.. جسده بيان القادمين من الصناعات الخفيفة والتردد والملاحم نحو اقتحام المرحلة ليقول: لا.. ويده تحيات الزهور.. وقنبلة مرفوعة كالواجب اليومي ضد المرحلة.. لتقول: لا"!
فيما بعد كنت أتأمل ظاهرة "نجم" الإنسانية بشيء من الدهشة الممزوجة بالإعجاب البالغ.. وكنت أتساءل: كيف حدثت هذه المعجزة؟ من الذي حوّل هذا الكائن الجذاب خفيف الروح المؤهل تماماً لكي يكون نصاباً دولياً يبيع شعره في أسواق النخاسة والموالد وسراديب القصور، إلى يد مرفوعة بالواجب اليومي ضد المرحلة؟!
واكتشفت وأنا أتأمل مشاعري تجاه "نجم" الإنسان، و"نجم" الشاعر، و"نجم الفاجومي" العنيد، العصي علىالإفساد، أنني أمام ابن البلد الحقيقي، الذي أتمنى أن أكونه، وأن جلده هو فعلاً عباءة الفلاحين القادمين من حقول القمح، وبيان القادمين من الصناعات الخفيفة ليقوموا بالواجب اليومي ضد الهزيمة، وأن هذا هو الشعب الذي أحببته وعشقته، وعجزت عن التعبير عن ذلك كما يجب، وأنه يغني من قلبي، ويستلهم شعره من روحي، وأن كل ما مضي من عمره كان تهيئة لتلك اللحظة التي يغمر فيها الطوفان كل شيء، فإذا روح الشعب القوية، هي سفينة نوح التي تنقذ أرواحنا وجنسنا ووطننا وأمتنا من الانهيار، تهاوت الأحلام الأوهام وسقطت "المؤسسة" بكل زخارفها اللفظية وطقوسها الشكلية، وعنترياتها الكلامية، وآن الأوان لأن يغني ابن الشعب أحمد "العادي" فؤاد نجم.
كلمات وصور وتراكيب شعرية بسيطة.. تذهل لأنها أصبحت شعراً حقيقياً جميلاً ورقيقاً.. يشق الطريق إلى القلب والروح بلا مقاومة مع أنك تسمعها. أو ترددها – كل يوم.. ومع أنها هي نفسها دون تغيير حتى ليخيل إليك أنها قفزت الآن من النافذة المطلة على الحارة، لتسكن هذا البيت أو ذاك من القصيدة، لكنك مع ذلك تستعيد سماعها مرة، واثنتين، وعشراً، وعشرين، لتكتشف أمام ابن البلد، ذي السبعة ألسن، والسبعة وجوه، والسبعة أرواح، لذلك يعطيك شعره جمالاً مختلفاً في كل مرة.. وتكشف عند كل استعادة أن له معنى "مختلفاً" فتوقن أنك أمام مكتشف لآلئ.. غربل البحر بغرباله الذي لا يخطئ لؤلؤة.. ولا يستبقي حصاة، فاختار من بين كلمات الحياة اليومية تلك الصور والتراكيب والإيقاعات التى ظلت تتدحرج في حواري التاريخ، تدوسها سنابك الغزاة والطغاة، وتشحنها روح الذين استشهدوا في معارك الشوارع، وتنضح بعرق الذين صنعوا الأسبلة وزخرفوا القباب وكفتوا النحاس، وأينعوا الورور والسنابل، تحمل جمالهم الخاص، وحلاوتهم المميزة الطعم، وتشع بحكمتهم – البسيطة – الجميلة.
كلمات تحزن وتحن وتخاف وتحلم.. تفرح وتبهج وتسخر وتطبطب تحصب وتردح وتهجو وتذوب عشقاً وتتفجر قوة وصلابة وثقة في الغد الآتي، وفي هؤلاء الزعر والجعيدية والأحمد زعترات.. الذين ينتمي إليهم "أحمد" – العادي – فؤاد نجم!
تلك ملامح من ظاهرة هذا الصعلوك العجيب الذي تسرب في طيات الرماد ذات ليلة من عام 1967، ليرفض الهزيمة والقهر ويعلن العصيان الشعري العام.. فأقامت أشعاره الدنيا وأقعدتها.. وكتب عنه "لويس عوض".. و"محمود أمين العالم".. و"رجاء النقاش".. وطلب "محمد حسنين هيكل".. و"أحمد بهاء الدين" أن يستمعا إليه، واختلف نقاد الموسيقى والشعر حول قيمة أشعاره وألحان صديقه، حتى كادوا يمسكون بتلابيب بعضهم البعض.. وأعدت عن أشعاره رسائل ماجستير ودكتوراة في عدد من جامعات العالم.

 عن: كتاب شاعر تكدير الأمن



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية