العدد(43) الاثنين 2019/ 16/12 (انتفاضة تشرين 2019)       فرادة انتفاضة أكتوبر ودلالاتها: سلميتها، ووحدة شعاراتها ومواقفها..       حقوق الإنسان عن "جرائم" الاغتيالات: على الحكومة اتخاذ خطوات جريئة       في ساحة التحرير.. مائدة "غير طائفية" تجمع العراقيين       موجة عنف جديدة.. مهاجمة متظاهري “الوثبة” بالقنابل الدخانية       التضامن الشعبي لدعم الاحتجاجات يساعدها على الصمود       الجمهوريات المتخيلة، التحرير نموذجاً       صور ضحايا تظاهرات العراق على شجرة ميلاد       موجز أنباء المدن الثائرة       الاحتجاجات الطلابية مستمرة في عموم المحافظات : لن نعود    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :62
من الضيوف : 62
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 29307452
عدد الزيارات اليوم : 6979
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الحريات اولا


في ساحة التحرير.. المحتجون يحكمون أنفسهم ويرفضون الحكومة

 مصطفى حبيب
كان من المفترض  أن تكون تظاهرات اعتيادية شهدتها ساحة التحرير  خلال السنوات الماضية، ولكن  هذه المرة ذهبت الى حد بعيد، وقت مختلف وجيل مختلف، جيل يافع تربى في عصر  الفيسبوك، ولعبة البوبجي، جيل ثوري متعجل للتغيير، بينما تبدو السلطة عجوزة  وكسولة غير قادرة على مواكبة الاستجابة الضرورية.شعور غريب ينتاب المرء  عند الدخول الى الساحة الممتدة على طول شارعين متراصفين، فوضى هادئة،


على جوانب الساحة عند الأرصفة تنتشر صناديق مكومة من المياه والمشروبات الغازية والفواكة المتنوعة، هناك نساء يطبخن بقدور كبيرة، وآخرون يصنعون الخبز بكيمات كبيرة، كل هذا الطعام يُعطى بالمجان للمتظاهرين، وأيضاً للزائرين.
مصدر هذه الأطعمة متبرعون مجهولون كما تقول إحدى النساء المشرفة على إعداد الطعام، تجار وأشخاص عاديون رغم عدم قدرتهم على التظاهر بسبب أعمالهم ومشاغلهم، لكنهم يريدون التواجد هناك بشدة عبر دعم المتظاهرين الذين اصبحوا طريقاً للخلاص من الوضع القائم، تأتي عجلات كبيرة صباحاً ومساءً محملة بهذه الأطعمة.
وبين هذه الصناديق وقدور الطبخ، تنتشر أفرشة وأغطية معدة لنوم المتظاهرين، المئات منهم يرفض مغادرة الساحة، يقول ماهر جاسم الذي لم يتجاوز عمره (19) عاماً لـ "نقاش" حول وجوده في الساحة "أنا هنا منذ ثلاثة أيام كاملة، إنها أرضنا الآن، إذا انسحبنا قد نخسرها الى الأبد، منها نحقق حلمنا في تغيير وضعنا السيئ".
الى الأمام قليلا، تنتشر خيم تضم عدداً من الأسرّة، هي عبارة عن مستشفى صغير لإسعاف الجرحى الذي يسقطون عند نهاية هذه القطعة من الأرض حيث الاشتباكات مع قوات مكافحة الشغب، بنات يافعات بردائهن الأبيض الملطخ بعضها ببقع دماء يركضون داخل الخيمة لاستقبال ثلاث مصابين بضيق التنفس بسبب القنابل المسيلة للدموع التي تطلقها قوات الأمن بكثافة على المتظاهرين.
من هذه المستشفيات الصغيرة وعلى مسافة نحو مائة متر من مكان النصب المستطيل الشهير يمكن سماع دوي صياح المتظاهرين، هناك تحت النصب بشكل يجعلك عاجزاً عن الوصف.
تشعر أن آلاف الناس متحدون معاً، رغم اختلاف ما تقوم به كل مجموعة وشخص، هنا تسمع الأغاني الوطنية وبالجوار مجموعة تستمتع الى أناشيد دينية، رجل يقرأ القران بصوت عالٍ، وآخر جالس على الرصيف معلقاً الصليب وهو يقرأ الإنجيل، مجموعة أخرى ترقص على وقع أغان غربية وشعبية عن الحب والرومانسية.
تخلو الساحة تماماً من السيارات، ولا يوجد سوى  ايقونة التظاهرات الـ"تك تك" تلك العجلة الصغيرة الهندية التي وجدت نفسها في بغداد يستخدمها الفقراء لنقل الأشخاص بثمن أرخص بكثير من أصحاب التكسي، تطوع المئات من هؤلاء الفقراء الذين لم تتجاوز أعمارهم (18) عاماً لنقل الجرحى الى هذه المستشفيات أو الى مستشفيات المدينة القريبة من الساحة.
تحولت الجدران المحيطة بالمكان الى لوحات فنية كبيرة، عشرات الشباب رسموا عما يحلمون به من الحرية والحياة الجيدة، أبرز اللافتات تلك التي تشير الى قوة المرأة ودورها في الحياة الى جانب الرجل، وعلى الأرض تحت هذه الرسوم انتشرت مكتبات صغيرة تحوي مئات الكتب، ليست للبيع، وإنما مجاناً لمن يريد يأخذها لنفسه أو يعيدها لاحقاً بعد الانتهاء من القراءة.
لا يريد الناس مبارحة المكان مطلقاً، لم تعد فقط مكاناً للاحتجاج على السلطة لتلبية مطالب معينة، بل أرض للإحساس بالحرية، بعيداً عن القيود والقوانين، اطلق المتظاهرون مقولة تحولت الى مثل شعبي يتم تداوله عبر آلاف الهاشتاغات "الذي  لا يزور هذا المكان فقد اضاع عمره"، حاول قائد الجيش في بغداد الاثنين الماضي الدخول الى الساحة قائلاً إنه يريد حمايتهم لا غير، سمح له المتظاهرين بالدخول بعد موافقتهم، التقط بعض الصور وخرج فوراً.
رفع أحد الشباب لافتة كتب عليها "احلفك بالله يا رئيس الوزراء لا تلبي مطالبنا، لأننا فرحون في هذا المكان"، لافتة أخرى رفعها متظاهر آخر "يسقط رؤساء الوزراء الذين سيأتون بعد رئيس الوزراء الحالي"، في إشارة الى مدى رفض المتظاهرين للسلطة، وهي أحدى الصعوبات التي تواجه الحكومة في كيفية التفاوض معهم، مطالبهم تجاوزت الكثير من الأمور، ولهذا لم يكترثوا بعشرات القرارات التي اتخذتها الحكومة في منح نصف مليون وظيفة، وراتب لمن لا يمتلك وظيفة.
ما يجري في الساحة من أحداث وظواهر ومشاهد كثيرة، دفعت بعض المتظاهرين الى إصدار صحيفة خاصة بهم حملت اسم "تك تك"، رغم إنها فقط من أربع صفحات، لكنها تضمنت مقالات رصينة، ومطالب الى السلطة.
في نهاية الساحة وعند منتصف الجسر الرابط بينها وبين المنطقة الخضراء حيث مقرات الحكومة ومنازل المسؤولين، جرت معركة دامية، حيث حاول عشرات المتظاهرين الشباب تجاوز قوات الأمن الواقفة خلف أسوار كونكريتية وهي تطلق بكثافة الغاز المسيل للدموع، يسقط من حين وآخر متظاهر، سرعان ما تصل اليه عربة تك تك لنقله الى المستشفيات الصغيرة في منتصف الساحة، بعض المتظاهرين يقتلون فوراً بسبب اختراق قنبلة الغاز رؤوسهم التي قامت قوات الأمن بإطلاقها صوبهم.
وعلى يمين الجسر ، مبنى عالٍ مهجور مكون من عشرة طوابق يسمى "المطعم التركي"، تحول الى رمز للمتظاهرين، يقيم فيه مئات المحتجين، يرفضون تركه، غطت جدرانه لافتات ضخمة من العلم الوطني وشعارات احتجاج قوية ضد السلطة.
يقول ليث الطائي الذي اصيب بحالة اختناق شديد وتم نقله الى العلاج، لـ "نقاش" "يجب أن نقاوم عند الجسر، نريد العبور، هناك يقيم من ظلمونا، واذا لم ننجح في العبور، فأننا نحمي الساحة لتبقى مكاناً آمناً للمتظاهرين، لو انسحبنا من الجسر، فإن قوات الأمن ستتقدم نحو الساحة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية