العدد(79) الاربعاء 2020/ 22/01 (انتفاضة تشرين 2019)       "لا سنّي ولا شيعي والروح تبقى عراقية" تصاعد وتيرة الاحتجاجات فـي بغداد ومدن الجنوب       بعد إنكار "خلف" وجود قتلى .. حقوق الإنسان تعلن مقتل 10 متظاهرين خلال يومين فقط!       يوميات ساحة التحرير..استشهاد مصور وانتشار فديوات لأصوات تعذيب المتظاهرين       الشهيـــد القــائـــد       تقدم المتظاهرين.. "عمر المختار" في ساحة التحرير       حفظت أسماءهم.. "أم عباس" خبّازة محتجي الناصرية ومحبوبتهم       ماذا تستخدم السلطة في قمع المتظاهرين؟.. خلية الخبراء تنشر صوراً ومعلومات       مَن هو الجوكر؟ ومَن هم الجوكرية..؟!       ما الرسالة من نشر صور "معتقلي التصعيد السلمي"؟    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :46
من الضيوف : 46
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30096371
عدد الزيارات اليوم : 8162
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


جواد سليم نظرة في أعماله وسيرته

إسماعيل الشيخلي
فنان تشكيلي راحل
كان  لوفاة جواد سليم المفاجئ في 22/1/1961 الأثر الكبير على الحركة التشكيلية  في العراق والوطن العربي، كما كان له وقع أليم على جميع أصدقائه ومعارفه  وطلابه، فقد كان على صلة وثيقة بأصدقائه من الفنانين. وفياً مخلصاً متجرداً  في علاقاته معهم، وقد منحه الباري عز وجل ذكاء حاداً وخلقاً عالياً  وقابليات فنية فذة


 وهكذا كان لفقدانه المفاجئ وقع كبير ومؤثر على أصدقائه في جماعتي الرواد وبغداد للفن الحديث قبل غيرهم، كما كان لذلك ردود فعل كبيرة وعميقة في أوساط المثقفين لذا فقد أنبرى الكتاب والشعراء والفنانون والنقاد في الكتابة والبحث والتأليف عن سيرته وفنه محللين أعماله ومفسرين أقواله وكتاباته ومقيمين إنجازاته في الرسم والنحت وبعد مرور أثنين وعشرين عاماً على وفاته.

بدأت تظهر بين فترة وأخرى كتابات وتحليلات مختلفة في الصحف والمجلات المحلية والعربية تبدو لنا نحن الذين نعرف جواد عن كثب أنها تحمل الكثير من التأويلات والتصورات أو التفسيرات الخاطئة وحتى المبالغة العاطفية حيث أننا نكاد لا نعرف الشخصية الفنية التي نقرأ عنها تلك النصوص والكتابات رغم معرفتنا التامة بان الفنان الأصيل يبقى مصدر بحث واكتشاف على مرور الزمن، ولهذا السبب طرح موضوع دراسة جواد سليم مجدداً في ضوء التجارب الجديدة التي حصلت في الفن التشكيلي خلال الفترة التي أعقبت وفاته بعيداً عن العواطف الشخصية وفي أطار التقييم الموضوعي لأعمال ومنج الضوء مجددا على أهمية تلك الأعمال ومدى تأثيرها الفاعل على الحركة التشكيلية في القطر والوطن العربي.
ليكما نصل إلى الفهم النقدي الأشمل لتجربته الفنية ولكي يطلع على هذه الخلاصة جيل الشباب من الفنانين لابد من العودة إلى الظروف الموضوعية والاجتماعية والسياسية التي كانت سائدة في تلك الفترة محلياً وعربياً ودولياً وهي الفترة التي أنجز فيها جواد معظم أعماله المشهورة الرائدة في الرسم والنحت والمحصورة ما بين عامي (1950 – 1951) سنة وفاته وهي فترة قصيرة نسبياً في حياة كل فنان أما الفترة التي سبقت سني الخمسينات فقد كانت مرحلة دراسة وبحث وهي فترة مهمة جداً في تكوين هوية الفنان وأسلوبه في التفكير وفي بلورة أعماله.
لم يكن في العراق آنذاك سوى عدد قليل من الفنانين المتميزين نذكر منهم (فائق حسن، أكرم شكري، عطا صبري، حافظ الدروبي) غير أن جواد سليم وفائق حسن كانا من أبرز فناني تلك الفترة لأنهما أخذا عملياً يقودان الحركة الفنية التشكيلية كل من موقعه وبطريقته وخاصة في المجال التربوي حيث كان لتوجيههما طلبة معهد الفنون الجميلة والتفاف العديد من الفنانين الشباب حولهما أثر واضح في تأسيس جماعتي الرواد وبغداد للفن الحديث العرفتين في الوسط الفني حينذاك إضافة إلى ما قدمنا من أعمال فنية كانت تعد رائدة في حينها.
لقد عاد جواد إلى بغداد أواخر عام 1949 من لندن، ومن الجائر القول بأنه في هذه الفترة قد أكمل مراحل الدراسة والتقصي والبحث إذ سبق له أن درس في باريس وروما ثم عمل في المتحف الوطني العراقي ثم أشتغل مدرساً للنحت في معهد الفنون الجميلة وعلى هذا الأساس فأنني أعتقد بأن هوية جواد لم تتحدد قبل ذلك التأريخ كما لم تتحدد معالم مسيرة الفن العراقي المعاصر إذ كانت أعمال الفنانين التشكيليين عموماً لا تتعدى حدود رسم المناظر الطبيعية أو الوجوه بصورة تقليدية أكاديمية الأسلوب ألا ما ندر من الأعمال التي تخرج من هذا لأسباب متفرقة معروفة حينذاك.
لقد بدأ نشاط جواد يتعمق وينمو بعد عودته من لندن، وحملت أعماله الفنية مدلولات جديدة مؤثرة وفاعلة لأنه طرح فيها أفكاراً وقيماً جديدة هي في واقعها جزء من منطلقات الفن العالمي المعاصر وقيمته الحديثة، حيث كانت مفاهيم الفن التكعيبي والتجريدي ما زالت هي المحركة والفاعلة في أوربا والعالم أجمع، وكانت تجارب بيكاسو وبراك أعمق الفنانين المعاصرين تأثيراً في معظم تجارب الشباب، وبعض النزعات الفنية التي أعقبت تلك الفترة يومذاك ظهرت ولأول مرة بوادر الاهتمام بفنون الشعوب الأخرى وتراثها القومي كما برز الاهتمام بقيمها الفنية الرائعة وكان لمعرضي الفن الهندي والمكسيكي المتجولين في أوربا الأثر العميق في نفوس الفنانين الشباب من دون العالم الثالث، وعلى الأخص الفنانين العرب المقيمين أو الدارسين هناك في تلك الفترة نظراً الأهمية ما طرح في المعرضين المذكورين من مفاهيم جديدة كانت تتسم بروح المعاصرة المستندة إلى التراث القومي والملامح الوطنية لتلك الشعوب
أن تأثر الشباب من الفنانين العرب وغيرهم يعود بلا شك إلى شعورهم العميق نحو الاستقلالية كما يعود في نفس الوقت إلى حدة الصراع الفكري والسياسي القائم بين الشعب العربي وبين قوى التسلط السياسي والفكري والثقافي الأجنبي تلك القوى التي حاولت طمس الملامح القومية العربية في الثقافة والفنون ونشر المفاهيم والأفكار الغربية البديلة.
لقد عاد جواد وهو يحمل أفكاره وتطلعاته الجديدة مستفيداً من إتقانه للغات عديدة منها الإنكليزية والفرنسية التي أتاحت له التعرف بدقة على أحدث الأفكار والمنطلقات الجديدة في الفن والثقافة بصورة عامة.
لقد ولد جواد ونشأ في وسط عائلي يهتم بالثقافة والمعرفة والفنون فقد كان والده رساماً ومديراً عاماً وأخواته فنانين أيضاً (رشاد وسعاد ونزار) إضافة إلى أخته نزيهة كما كان الرسام عبد الكريم محمود معلمه واحد أقربائه لقد هيأ له هذا الوسط بعض مستلزمات التقدم والتطلع 
والممارسة اليومية وكان دار العائلة في الفضل ملتقى الفنانين العراقيين والأجانب مثل باريما، وماتوشاك، وجابسكي ومدام ستن لويد، وكنت وود).
كل هذه الظروف الملائمة ساعدت جواد على مواصلة بحثه الفني كما ساعدته ظروف وجوده في لندن ما بين عام 1946 و 1950 وهكذا عاد إلى بغداد ليطرح في الوسط الفني العراقي خلاصة الأفكار والقيم الجمالية الجديدة والآراء المتطورة في مفهوم الفن التي أكتسبها خلال رحلاته تلك فكان لها تأثير كبير في تطور الحركة الفنية في العراق. إذن فأن وضع دراسة جديدة لأعماله المحصورة بين عامي 1950 و 1961 لا يتم ألا في ضوء ما تقدم من خلفية تاريخية لأعماله في الرسم والنحت ومن ثم تقييمها بروح موضوعية، فإعماله في الرسم (وهي الأكثر عدداً والأكثر تأثيراً بالنسبة للنحت) طرحت أفكاراً وقيماً جمالية تعد رائدة في تلك الفترة. فقد وجد في الرسم والتخطيط والدراسة الملونة مادة سهلة لطرح أفكاره وأرائه بعكس النحت الذي كان يحدده بسبب طبيعة المواد الوسيطة المستعملة فيه Medium تقسم إعمال جواد إلى ثلاثة مجاميع تميزها ثلاثة أساليب رئيسية مختلفة لم تكتمل فيها الرؤية الخاصة Vision والشخصية المتميزة Stil ألا على النطاق المحلي، قياساً إلى ما طرح من أمال في الوسط الفني آنذاك لقد توصل جواد إلى اكتساب تلك التجارب الصفة الشخصية من خلال ما كان يتمتع به من أحساس مرهف في الخط واللون وخاصة عندما كان يعالج مواضيع محلية بغدادية وعراقية بذكاء وفطنة، ومع هذا كانت تلك الأعمال عبارة عن تقليد ذكي وتطبيق عملي لقيم ومفاهيم معروفة ومكتشفة من قبل فناني أوربا. أما مجموعته التي عرضها في جماعتي الرواد 
وجماعة بغداد للفن الحديث والتي تمثل مناظر طبيعية أو وجوها شخصية فكانت لا تتعدى تجارب الانطباعيين وما بعد الانطباعية، أما المجموعة الثانية فيمكن حصرها في مجال التأثر بمدارس فنية معروفة منها التكعيبية والتجريدية الهندسية أو التجريدية المطلقة كما في لوحاته ( أطفال يلعبون، القيلولة، البستاني، الكوفة، بغداد) فنحن نلاحظ فيها تأثيرات واضحة ومتعددة لفناني تلك الفترة كبيكاسو أو براك وحتى الفنان المكسيكي (تمايو) رغم قلتها ولابد من الإشارة هنا إلى أن معظم الفنانين العراقيين في تلك الفترة على قلتهم كانت تنتهل من مصادر إلهام تكاد تكون واحدة، لآن معظم الفنانين الرواد الذين عادوا من أوربا في أوائل الخمسينات كانت تأثرات المدارس الأوربية لا زالت مؤثرة بشكل أو بأخر على معظم نتاجاتهم أو تفكيرهم أما الاختلاف الحاصل بينهم فيمكن في القابليات والثقافات والتجارب الفردية لكل منهم، ولم تتحدد هوية الفن العراقي ألا بعد مرور زمن ليس بالقصير حيث تبلورت أساليب الفنانين وظهرت سمات واضحة لمسيرة الفن العراقي. أما المجموعة الثالثة من أعمال جواد وهي الأكثر أصالة في اعتقادي باعتبارها تعكس فكر جواد الحقيقي وتحمل قضيته فهي الأعمال التي حاول فيها استلهام التراث العربي وبشكل خاص التراث البغدادي تكنيكياً وشكلياً أي الاستفادة من العناصر الأساسية في تكوين اللوحة عند يحيى الواسطي على سبيل المثال وهي في نظري تمثل البداية السليمة للانطلاقة الجديدة في الفن العراقي، وعلى الأخص لدى شباب الفنانين ويعود الفضل في ذلك لذكاء هذا الفنان الفذ وقابلياته وما قدمه 
من أعمال جميلة ورائدة اعتبرت الأولى من نوعها في العراق كلوحاته المعروفة: (مجلس الخليفة، مكر النساء، عيد الشجرة) وغيرها فكان تأثر جواد برسوم يحيى الواسطي مباشراً وعميقاً وخاصة في أسلوب تكوين اللوحة وتوزيع المساحات اللونية وطريقة رسمها وتخطيطها دون التعميق في جوهرها، والتأثر اللاواعي بروح العصر الذي ظهرت فيه لقد رسم جواد مواضيع بغدادية بأسلوب تراثي ولكن بفكر الفنان المعاصر، ومع ذلك لم تؤثر تلك الأعمال القليلة العدد نسبياً التأثير المباشر الواضح على الفنانين الشباب من بعده لأنها لم تتكامل نظرياً كما لم تتركز معالمها أو أسلوبها العملي ولأخطها الفكري أيضاً، ومع ذلك فقد بقي مدلولها المعنوي أو ألتأريخي بالنسبة للحركة فكانت مؤشراً وحافزاً جيداً بالنسبة للتجارب اللاحقة لما لها من إشارات واضحة نحو الاتجاه الذي كان يجب أن تصب فيه روافد الفن العراقي خاصة ما يتعلق منه بالتراث حيث كانت البداية أساساً لتكون فن وطني وقومي ومعاصر في نفس الوقت ولهذا السبب بالذات تكونت جماعته (جماعة بغداد للفن الحديث) أما أعماله في النحت فهي قليلة نسبياً، ويمكن حصر المشهورة منها والتي لا تتجاوز أصابع اليد، ومع ذلك نرى بوضوح تعدد الأساليب والرؤية منها حيث لم تنضج شخصيته بشكل كامل ألا في نصب الحرية الشامخ وهو بحق يستحق أن تفرد له دراسة كاملة. أما تلك الأعمال النحتية القليلة فلم يكن لها تأثير واضح على حركة النحت في العراق ألا بشكل محدود كما أنها لا تعطي مدلولا واضحاً عن أفكار جواد في الفن وقيمته الإبداعية بعكس أعماله في الرسم كما وأضحت سابقاً فإذا أخذنا على سبيل المثال أعمالاً نحتية مثل (وجه فتاة) خشب (أم طفل) خشب (أم وطفل صغير) خشب (القروية) جبس نحت بارز، (السجين السياسي المجهول) وأخيراً نصب الحرية، ونجري دراسة مقارنة بين هذه الأعمال فأننا نجدها  
وبكل وضوح تنتمي إلى أساليب مختلفة تماماً ونرى بوضوح التأثر بالعديد من المفاهيم الفنية المعاصرة. فإذا أخذنا مثلاً السجين السياسي المجهول) الذي أنجزه في سنة 1953ونصب الحرية الذي أنجز دراسته في عام 1959 فأننا سنرى بوضوح الفرق الشاسع بين الأسلوبين والقيم الفنية المطروحة في كليهما لأنهما أنجزا وفق رؤيتين مختلفتين تعودان لمرحلتين زمنيتين متباعدتين نمت خلالها نظرة جواد الفنية وتعمقت جذور أصالته، كما نلاحظ ابتعاده شيئاً فشيئاً عن تأثيرات الفنون الأوربية.
أن نصب الحرية يعد بحق من أكبر الأعمال وأعظمها في النحت المعاصر، حيث حقق جواد في هذا الإنجاز الرائع كل ما كان يصبو إليه من قيم فنية لذا فأننا نرى فيه خلاصة ما كان يريد أن يقوله ويعبر عنه منذ أن تأثر بفنون وادي الرافدين ودراسته في باريس مع أستاذه (جانيو) الذي يعد من أكبر فناني النحوت البارزة في فرنسا، ودراسته في كل من روما ولندن بعدئذ حتى انتهت به هذه المسير القصيرة من عمره الفني بهذا الإنجاز الكبير ((أن العودة إلى التراث والفنون القومية يظهر بشكل غير إرادي وبصورة غير مباشرة بل هي عملية استيعاب وطرح من حيث لا يعرف الفنان كيف ومتى تظهر)).
كما يقول الناقد (جبرا إبراهيم جبرا) وأعتقد أن نصب الحرية يقع ضمن هذا المنظور من الأعمال الخالدة لا صالتها الفنية.
يبقى جواد فناناً عراقياً أصيلاً ومبدعاً فتح أفاقاً رحبة وواسعة أمام الكثير من زملائه وأصدقائه وطلابه في البحث والاستقصاء وإنارة الطريق لهم .. وعلى الأخص في استلهام تراث الأمة وتأريخهاً في أطار من القيم المعاصرة والرؤية المتقدمة وبإعماله تلك دفع عجلة الفن العراقي إلى أمام في فترة كانت تعتلج في أرواح الشباب المتطلع للمستقبل ثورة وجدانية وفكرية وسياسية هدفها السير بالوطن والأمة نحو التقدم والدخول إلى معالم الحضارة الإنسانية الحديثة.

 عن مجلة الرواق 1982



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية