العدد(43) الاثنين 2019/ 16/12 (انتفاضة تشرين 2019)       فرادة انتفاضة أكتوبر ودلالاتها: سلميتها، ووحدة شعاراتها ومواقفها..       حقوق الإنسان عن "جرائم" الاغتيالات: على الحكومة اتخاذ خطوات جريئة       في ساحة التحرير.. مائدة "غير طائفية" تجمع العراقيين       موجة عنف جديدة.. مهاجمة متظاهري “الوثبة” بالقنابل الدخانية       التضامن الشعبي لدعم الاحتجاجات يساعدها على الصمود       الجمهوريات المتخيلة، التحرير نموذجاً       صور ضحايا تظاهرات العراق على شجرة ميلاد       موجز أنباء المدن الثائرة       الاحتجاجات الطلابية مستمرة في عموم المحافظات : لن نعود    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :57
من الضيوف : 57
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 29306550
عدد الزيارات اليوم : 6077
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


غاندي وتولستوي

ضياء نافع
لا زال هذا الموضوع  الكبير والمهم فعلا مطروحا – وبقوة وحيوية - أمام القراء العرب لحد الآن  حول الكاتب الروسي الكبير ليف نيقولايفتش تولستوي ( 1828 – 1910 ) , ونحن  في أواسط العقد الثاني من القرن الحادي و العشرين , وأذكر ان أحد الزملاء  العرب من الوفد الفلاني قد تناقش مع زميل عربي آخر من الوفد الفستاني ((في  الباص الذي نقلنا من موسكو الى ياسنايا بوليانا اثناء انعقاد اجتماع المكتب  الدائم لاتحاد ادباء آسيا و افريقيا في ايلول 2014 لزيارة بيت تولستوي ))


حول موقف هذا الكاتب الروسي من الدين الاسلامي ( وهو موضوع كان ولايزال يثار حوله نقاش طويل وعريض في اوساطنا العربية والاسلامية ( حصرا فقط لا غير) وخصوصا في السنين الاخيرة منذ ان بدأت ( الفتاوي !!! ) تدق بابنا , عندما بانت ( ثم بدأت الآن تتلامع) رؤوس الحراب!!!!! ), ولما وصل هذا النقاش الى نقطة متأزمة ومتشنجة ومتناقضة كليا ولا رجعة فيه بين الجانبين , اقترح احدهما ان يستمع الى رأيي الشخصيّ حول ذلك الموضوع في محاولة لانهاء هذا النقاش الفلسفي والمتشابك باعتباري طرفا ثالثا ومتخصصا عربيا في الادب الروسي وتاريخه و ( محايدا في هذا النقاش ) , اذ اني كنت طوال الوقت صامتا ومبتسما وأصغي بكل انتباه الى أقوالهما ونقاشاتهما الحادة و المتناقضة جدا حول ذلك , وعندما حاولا – كلاهما – الاستماع الى وجهة نظري قلت لهما فقط ( في محاولة لتهدئة الخواطر المتأججة والملتهبة جدا والمتطرفة كما هي العادة في نقاشاتنا العربية !!) , ان تولستوي هو فيلسوف روسي ويعد واحدا من ابرز الشخصيات المؤثرة في تاريخ هذه الفلسفة , وان العالم يعرف ان من تلاميذه الروحيين – ان صحت التسمية - هو غاندي , وسألتهما – هل هما متفقان حول ذلك , فأجابا كلاهما – نعم , هذا صحيح , فقلت لهما وانا أبتسم , اذا كنتما متفقين بشأن ذلك , فان موضوع نقاشكما محسوم عندها , اذ من الواضح للجميع تماما من هو غاندي , وبالتالي سيكون واضحا ايضا من هو استاذه الروحي تولستوي , ولا نريد في مقالتنا هذه الاستطراد في طبيعة ذلك النقاش الذي جرى بينهما حول موقف تولستوي من الاسلام , لان ذلك موضوع آخر في مسيرة تولستوي ومكانته في تاريخ الافكار , اذ اننا نعتقد ان القارئ العربي لا يعرف الكثير حول ذلك الموضوع , ومع ذلك , وعلى الرغم من ذلك , فان بعضهم قرر اعتبار تولستوي يقف مع هذا الجانب او ذاك دون الأخذ بنظر الاعتبار الوقائع المحددة في حياة ومسيرة هذا الاديب والفيلسوف الروسي الكبير.
نعود الى المهاتما غاندي ( 1869 – 1948 ) ونتوقف عند علاقته الفكرية مع تولستوي . لقد تناولت كل الدراسات والبحوث الروسية – ومنذ زمن بعيد - هذا الموضوع وبتفصيل كبير , وعرضت حتى نصوص المراسلات المتبادلة بينهما باللغتين الانكليزية والروسية , والتي تشير الى ان الرسالة الاولى كتبها غاندي نفسه الى تولستوي بتاريخ الاول من اكتوبر / تشرين الاول عام 1909 ووقعها بـ ( خادمكم المطيع ) , وأجابه تولستوي بتاريخ 7 اكتوبر / تشرين الاول من نفس العام , ثم كتب له غاندي بتاريخ 4 ابريل / نيسان عام 1910 وبنفس التوقيع المذكور , وأجابه تولستوي بتاريخ 25 مايس / ايار عام 1910 طبعا , وكتب غاندي آخر رسالة الى تولستوي بتاريخ 15 آب / اغسطس من نفس العام واجابه تولستوي بتاريخ 7 ايلول, وهي آخر رسالة له الى غاندي , اذ انه توفي بعد شهرين فقط من تاريخ تلك الرسالة . وحتى المصادر العربية تحدثت – بشكل او بآخر – حول هذا التناغم الفكري بينهما, ولكن بطريقة عرضية وبدون تعمق , وقد راجعت معظم تلك المصادر ووجدت انها تقر وتعترف بتأثير افكار تولستوي على غاندي منذ ان أطلع على كتابه الشهير ( مملكة الرب في أعماقكم ) والتي جاءت بمختلف الاجتهادات في الترجمات العربية مثل – ( الخلاص في انفسكم / الله في اعماقكم / .. الخ ) , وان غاندي وجد في تعاليم تولستوي سندا معنويا قويا وحاسما له حول المبدأ الذي آمن واقتنع به وهو مبدأ ( المواجهة السلمية ) او ( عدم العنف ) او ( اللاعنف ) او ( المقاومة السلمية ) او ( اللامقاومة ) او ( العصيان المدني) الى آخر هذه التسميات كما جاءت في مختلف تلك المصادر , وان غاندي استخدم هذا المبدأ في كفاحه العظيم من اجل تحرير الهند من الاستعمار البريطاني , ونجح في ذلك نجاحا باهرا كما هو معروف على الرغم من نهايته التراجيدية, ونجد في نص الرسالة الاخيرة التي كتبها تولستوي نفسه الى غاندي بتاريخ 7 ايلول / سبتمبر عام 1910 كما أشرنا أعلاه الكلمات الآتية - ( .. المحبة ..هي شريعة الحياة الوحيدة والعليا .. وهذه الشريعة اعلنها حكماء الكون جميعا .. واعتقد ان أجلى صياغة لهذه الشريعة جاء بها المسيح ...وكل انسان عاقل يعرف ان ممارسة العنف لا تتوافق مع المحبة بوصفها قاعدة الحياة الاساسية ..) , ومن الطريف الاشارة هنا الى الرأي الذي كتبه المفكر المصري الكبير عباس محمود العقاد ( 1889 – 1964 ) حول ذلك في موسوعته الاسلامية ( المجلد الثاني ) , اذ انه اكّد على هذه الحقائق والوقائع في حياة غاندي و كتب ما يأتي – ( ..وقيل ان غاندي قد تتلمذ في هذه الحركة على المصلح الروسي الكبير ليون تولستوي , وقيل بل هو احرى ان يعرفها من آداب البرهيميين والبوذيين التي تحرم ايذاء الحيوان فضلا عن الانسان , قبل ان يشرٌع ليون تولستوي مذهبه الجديد .) وهذه ملاحظة صحيحة ودقيقة , اذ ان افكار تولستوي فعلا كانت بالنسبة لغاندي سندا آخر كما اشرنا اعلاه , وهو سند قوي وحاسم طبعا قبل الشروع بتنفيذ افكاره والانطلاق بها في مسيرة التطبيق العملي والحياتي .
ان الخلاصة في هذا الموضوع تكمن في ان تولستوي قد أخذ من كل النظريات التي اطلع عليها ومن كل الاديان التي درسها بعمق نقاطا محددة واستخلص استنتاجات معينة , وان افكاره بشأن ( اللاعنف ) قد استمدها من المسيحية – قبل كل شيء - كما يشير هو في رسالته الى غاندي , اي ان فلسفة تولستوي هي مزيج حيوي متناسق من كل النظريات و الاديان ولا يمكن – بالتالي - اخضاع فلسفته وافكاره تلك الى دين واحد , و الخلاصة الاخرى في هذا الموضوع تكمن في ان غاندي قد وصل الى فكرة (اللاعنف ) من اطلاعه على التراث الهندي العميق اولا , وانه وجد التناغم والانسجام مع افكار تولستوي في هذا المجال.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية