العدد(76) الاحد 2020/ 19/01 (انتفاضة تشرين 2019)       ساحات الاحتجاج تعلن تأييدها الكامل لذي قار لتنفيذ المطالب المحقة       مركز حقوقي يوثق مقتل واختطاف 5 ناشطين في العراق خلال 24 ساعة       سينما الثورة: الانتفاضة العراقية وأفلامها في خيمة       لا أمريكا ولا إيران... الملعب بالتحرير الملعب!       فايننشال تايمز: محتجو العراق من الشباب لا يثنيهم عنف القمع       مهلة ذي قار مهلة وطن.. أهازيج وهتافات التحرير والحبوبي       الثورة العراقية       متظاهرو بغداد يرفعون أعلام الأمم المتحدة طلباً لتدخل أممي       حكاية شهيد..مصطفى الغراوي.. الثائر المقدام الذي أبت خطاه التراجع تحت أي ظرف    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :60
من الضيوف : 60
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 30038296
عدد الزيارات اليوم : 13170
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


عزيز علي ..فنان المونولوج الهادف

د. مصدق الجنابي
الفن الهادف يحمل رسالة المجتمع بأمانة ويعيش حالته الحضارية، ويعكس ممارساته الإنسانية، ويبرز الصفحات المضيئة فيه.. وهذا ما تجسد تماما في المقالات الغنائية لعزيز علي، والتي مارسها تأليفا وتلحينا وإنشادا من إذاعة بغداد منذ تأسيسها عام (1936) حتى أواخر عام (1958)، أي إننا يمكننا أن نستشرف الحركة الفنية لحقبة تاريخية مهمة جدا من تاريخ العراق الحديث.


الفن الهادف يحمل رسالة المجتمع بأمانة ويعيش حالته الحضارية، ويعكس ممارساته الإنسانية، ويبرز الصفحات المضيئة فيه.. وهذا ما تجسد تماما في المقالات الغنائية لعزيز علي، والتي مارسها تأليفا وتلحينا وإنشادا من إذاعة بغداد منذ تأسيسها عام (1937) حتى أواخر عام (1958)، أي إننا يمكننا أن نستشرف الحركة الفنية لحقبة تاريخية مهمة جدا من تاريخ العراق الحديث.. وهي بدايات تأسيس الدولة العراقية مرورا بمرحلة النمو السياسي والفكري إلى مرحلة الإنتقال إلى النظام الجمهوري. وقبل التوغل في الموضوع.. أود توضيح معنى كلمة "مونولوج" .. فهو مصطلح يوناني- لاتيني مركب من كلمتين (مونو) وتعني (واحد- فرد) و (لوج) وتعني (كلام- مقال) وتركيبها يعني الكلام الفردي أو المقال الفردي.. ويجوز أن يكون نثرا أو شعرا ويصلح أن يلقى أو يلحّن تلحينا. ولم يكن هذا اللون معروفا أو مألوفا في أوساطنا الشعبية على الإطلاق، وليس هناك أي شبه بينه وبين المربع أو أي لون آخر.. لا من حيث المضمون ولا من حيث الأداء.لقد اتخذ عزيز علي مسارا يختلف تماما عن كل الإتجاهات الفنية السائدة، وذلك لسبب بسيط ولكنه جوهري.. وهو إن الظروف الجديدة للإنسان العربي في العراق والحاجة الحضارية الاجتماعية للون من الغناء ينتقد الواقع ويشحذ الهمم ويحفز قوى الثورة والتغيير لدى الجماهير. أن عدم قدرة أي من الألوان الغنائية السائدة آنذاك من إستيعاب حاجات الجماهير وطموحاتهم على إختلاف أذواقهم وإنتماءاتهم ومستوياتهم الفكرية، هو ما جعل عزيز علي يبتعد عن اداء المقام ويتجه إلى هذا اللون الغنائي الذي أحبه كل أبناء العراق وتوحد ذوقهم فيه، والذي أصبح بحق مدرسة فنية عراقية رائدة نبغ فيها عزيز علي وأبدع، خصوصا وأن هناك بونا شاسعا بين عزيز علي وقرّاء المقام آنذاك. إذ كما يقول المحقق الشيخ جلال الحنفي في كتابه "المغنون البغداديون والمقام العراقي" بأن الاميّة تغلب على قراء المقام العراقي بينما نجد عزيز علي فنانا ناقدا في مرحلته الفنية الأولى من 1937-1939 وناقدا سياسيا بعد هذه المرحلة، بل أصبح من أكثر الداعين إلى الثورة.. ونتاجه في هذه المراحل كلها يدل على نضج فكري ووعي سياسي وإلتزام مبدئي. وهذا يتضح في موقفه المعلق ومساندته ومشاركته الفعلية في ثورة مايس 1941 وإعتقاله وسجنه بسببها، ثم في مناهضته لكل أنواع التنكيل والإضطهاد والإرهاب ومصادرة الحريات الفكرية وضياع المقاييس وتعريته للمواقف التي تعارض مصالح الشعب وآمال الأمة. لقد تناولت مقالات عزيز علي الغنائية الكثير من الأمور الجوهرية في حياة المواطنين حتى بات يمثل صوت الجماهير وضميرها، وأصبح كل من يستمع أليه يقول "هذا ما كنت أود قوله" وإلى يومنا هذا. لقد تحدث عزيز علي بلغة الشعب، بمنطق الجماهير وبأفكارها.. عاش معاناتها وآلامها وطموحاتها.. عرّى القوى الإستعمارية الطامعة وأساليبها في بث التفرقة والفساد، ومقاله "منّه منّه" تحليل رائع للدور المقيت الذي لعبه "صاحبنا" والتدخل السافر لـ "مختار ذاك الصوب" في الشؤون الداخلية للبلاد. وانتقد مجلس الأمن -وما أشبه اليوم بالبارحة- ومواقفه السيئة المشينة تجاه قضايانا المصيرية، وعتب على "جامعتنا الما لمتنه"؟. وأنتقد اسلوب الجامعة العربية الهزيل في معالجة قضايا الأمة العربية ونادى بحقوق الإنسان وحرية الفكر وحرية الرأي وحرية اللسان والعيش بإطمئنان، ورفض التمييز العنصري بمقاله "مسعود ومسعودة". لقد خاطب عزيز علي كل فئات الشعب وعلى مختلف مستوياتهم الثقافية والفكرية والاجتماعية، خاطبهم باللغة التي يفهمونها وبالمفردات التي يتداولونها.. فغنى "بستان" يخاطب الفلاح وكأنه أبن الريف وفي "السفينة" يخاطب الملاحين وكأنه النوخذة، وفي "دكتور" يخاطب الطبيب وكأنه الصيدلاني، وهكذا في معظم مقالاته الغنائية، ولم ينس عزيز علي مقالاته بالأمثلة الشعبية التي تمثل خلاصة التجربة الإنسانية للمجتمع. كان إيمانه بالثورة حتميا ويقينا مطلقا، ولذا جاء مقاله "هذي السنة سنة" في بداية عام 1958 "وكل حال يزول" في آذار 1958. وقد كرر هذين المقالين في أواخر عام 1967 عندما طلب منه "مدح" حلف بغداد.. فرفض وكلفه ذلك وظيفته. هذا هو عزيز علي .. الفنان الكبير، روحا وفكرا وفنا، عاش بسيطا ومات فردا مسجونا من أبناء الشعب.. أحب العراق وأخلص له وضحى من أجله، لم يمالئ ولم ينافق ولم يرتزق من فنه برغم معاناته من شظف العيش، مات وكانت أمنيته الوحيدة.. أن يُرَد له أعتباره الوطني، بإعادة الجنسية العراقية التي سحبها نظام صدام منه.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية