العدد (4548) الثلاثاء 2019/ 17/11 (انتفاضة تشرين 2019)       المتظاهرون يستعيدون ساحة الخلاني.. وسط اعتقالات واغتيال ناشط       نكتة جديدة لمواجهة التظاهرات..الحكومة تحدد الرسوم المفروضة على "التكتك"       عبوات صوتية في التحرير..المفوضية تعلن حصيلة "الاعتقالات العشوائية" خلال يومين       متظاهرو العراق يتساءلون : أين ذهبت أموال النفط ؟       الديوانية تؤمّن ساحات التظاهر بعد تفجيري التحرير والحبوبي       ليل ساحة التحرير..هتافات في حب الوطن وبكاء على الشهداء       قمع الاحتجاجات يخلّف أكثر من 1000 حالة إعاقة بين المتظاهرين       ساحة التحرير... "عراق مصغّر" ينتفض .. مبادرات شعبية ومهنية ونشاطات ثقافية       مشاهدات من ساحة الخلاني..إجـراءات جديــدة ونشــاط "لافــت" للمتطوعــين     

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :58
من الضيوف : 58
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28602571
عدد الزيارات اليوم : 16968
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


دار المعلمين العالية ووثبة كانون الثاني 1948

جواد كاظم محيسن نـجم
سعت  الحركة الوطنية في العراق إلى التخلص من تبعات المعاهدة العراقية  البريطانية لعام1930 لاسيما بعد أن رأت بريطانيا متجهة نحو عقد معاهدة  جديدة تكون بديلة للمعاهدة السابقة، فضلاً عن تمسك النظام الملكي بالتعاون  مع بريطانيا. ولهذه الغاية تشكلت وزارة صالح جبر في التاسع والعشرين من  آذار عام 1947.


 وجرت المفاوضات بين الجانبين العراقي والبريطاني. وعقدت اجتماعات عديدة في لندن وبغداد. وفي الخامس من كانون الثاني عام1948، أرسل وفد إلى بريطانيا يرأسه صالح جبر لعقد معاهدة جديدة. وفي اليوم نفسه خرجت تظاهرات كبيرة قام بها طلبة كلية الحقوق رفضوا فيها المعاهدة العراقية-البريطانية، وألقوا هتافات ضد الصهيونية، لاسيما وأنها جاءت بعد التصريح الذي ألقاه فاضل الجمالي في لندن في الثالث من كانون الثاني 1948، وتحدث فيها عن المحادثات المنتظرة، وتناسى فيه الرغبة الشعبية الوطنية في إلغاء معاهدة 1930 المعقودة مع بريطانيا كما أغفل التطرق إلى قضية فلسطين. وقد أنظم طلبة دار المعلمين العالية إلى التظاهرات تضامناً مع طلبة كلية الحقوق فضلاً عن طلبة بقية المعاهد والكليات والمدارس، وعلى أثرها قامت الشرطة بمحاولة كبح جماح التظاهرات، فاستخدمت العنف والقسوة مع المتظاهرين فحاصرت طلبة كلية الحقوق، وأدت الاصطدامات بين الطرفين إلى إصابة عدد من الطلبة.
استنكرت الأحزاب السياسية المعارضة وصحافتها الاعتداء على الطلبة، وطالبت برفض المعاهدة، كما أعلنت مساندتها للمظاهرة والاضطرابات التي تولتها مختلف الفئات في البلاد. وأصدر مجلس الوزراء قراراً بغلق كلية الحقوق. وكانت الحركة الطلابية قد كسبت إلى جانبها أبناء البلاد بموقفها البطولي وتمكنت من تأليب الرأي العام ضد المعاهدة.
وفي اليوم التالي، السادس من كانون الثاني 1948، أعلن طلبة دار المعلمين العالية إضرابهم وقاموا بالتظاهر مع بقية طلبة الكليات والمعاهد والمدارس الثانوية تضامناً مع كلية الحقوق ومع القضية الفلسطينية، وقدموا مذكرات إلى الجهات المختصة تضمنت المطاليب الآتية:
1- إطلاق سراح الموقوفين من أخوانهم طلاب كلية الحقوق.
2- معاقبة المسؤولين عن حادث كلية الحقوق.
3- إلغاء المعاهدة العراقية-البريطانية الجائرة.
4- إلغاء قرار وزارة المعارف القاضي بإيقاف الدراسة في كلية الحقوق.
5- القيام بحل عاجل لقضية فلسطين وتخليصها من الاستعمار والصهيونية
عادت الظروف بصورة طبيعية بعد استجابة الحكومة لبعض المطاليب، إذ استأنفت الدراسة في كلية الحقوق وبقية المعاهد والكليات.
وبعد إبرام المعاهدة العراقية البريطانية في ميناء بورتسموث في الخامس عشر من كانون الثاني عام 1948، وقيام الصحف بنشر تفاصيل المعاهدة في يوم السادس عشر من كانون الثاني من العام نفسه. احتجت الأحزاب المعارضة ودعت إلى رفضها ومقاومتها، كما تجددت المظاهرات ابتداءً من يوم السابع من كانون الثاني 1948، ولمدة ثلاثة أيام، قام بها طلبة دار المعلمين العالية وطلبة كلية الحقوق وبقية طلبة المعاهد والكليات والمدارس، كما اشترك بهذه المظاهرة فئات أخرى من أبناء البلاد التي جاءت من أماكن مختلفة من بغداد. دفعت الحكومة إلى حشد قواتها واشتبكت مع المتظاهرين، أدى في النتيجة إلى سقوط عدد من القتلى والجرحى. ويذكر رئيس الوزراء وقتذاك بأن مظاهرة يوم العشرين من كانون الثاني، كانت مرتبة ترتيباً دقيقاً، وكان لبعض طلبة دار المعلمين العالية الدور في هذه التظاهرة. وعلى الرغم من قيام الوصي عبد الإله بإصدار بيان أعلن فيه بأن المعاهدة العراقية البريطانية لا تعبر عن المصالح الوطنية للبلاد، إلاّ أن المظاهرات قد تجددت بصورة أوسع في الأيام التالية نتيجة عدم وجود نية حقيقية لرفض المعاهدة من قبل رئيس الوزراء صالح جبر، الذي أكد في لندن تمسكه بالمعاهدة. وشهدت مناطق مختلفة من بغداد حشد هائل من الجماهير، ساهم فيه طلبة المدارس والمعاهد والكليات. ويذكر أحد المشاركين فيها بأن "الجماهير بدأت بالتدفق نحو منطقة باب المعظم فشاهد تجمعاً كبيراً من الشباب الثائر يحمل أكتافه أحد طلبة دار المعلمين العالية، ويبدو شاباً نحيفاً محمولاً على أعناق الشباب، قرب الساعة التاريخية هناك، يرفع سبابته بصلابة على تجمع أصابعه الأخرى، تتلوى وتدور حول نفسها، ثم تستقر لتنهض من جديد، وكان يبدو لي في أول الأمر أنه يخطب في الناس، إلاّ أنني أدركت بأنه يلقي شيئاً من الشعر، وتصرخ الحناجر من بعد، تطلب إعادة القصيدة، فتبين لي أن ذلك الشاب هو الشاعر بدر شاكر السياب، فهذه اللوحة ذات الإطار الثوري الدفاق بالأخلاص لتطلعات الشعب ومطامحه، ما زالت هي المنطلق الواقعي لمعرفتي بالسياب".
بعد عودة صالح جبر من بريطانيا في السادس والعشرين من كانون الثاني 1948، عقد اجتماعاً في البلاط الملكي، وكان التصريح الذي أدلى به بعد الاجتماع، يوضح تمسكه أيضاً بالمعاهدة، ولم يصغ إلى المطاليب الجماهيرية. مما أدى في اليوم التالي إلى قيام تظاهرات كبيرة وسقوط العديد من الشهداء والجرحى على جسر الشهداء، مما دفع الوصي الإيعاز إلى صالح جبر بتقديم استقالته في يوم السابع والعشرين من كانون الثاني، فقدم استقالته بعد أن استقال ثلاثة وزراء، ورئيس مجلس النواب، وعشرون نائباً.
تميزت وثبة 1948 بتوحيد جهود الحركة الوطنية وتلاحمها في موقفها، كما عبرت عن قدراتها وإمكانياتها في إفشال المعاهدة، كما تميزت باتساقها وشمولها، فقد شملت مختلف الفئات في البلاد إذ إنها لم تكن مقتصرة على العناصر المثقفة، ولا جماعات الأحزاب والفئات المنظمة. واتسمت مطاليبها وشعاراتها بوحدة الأهداف والمعاني وذات طابع وطني، وديمقراطي وقومي في وقت واحد.
أثبت طلبة دار المعلمين العالية من خلال موقفهم المساند ومشاركتهم في الإضرابات والتظاهرات قدرتهم وتأثيرهم في الحياة السياسية داخل البلاد، كونها جزءً من الحركة الوطنية الرافضة للوصاية الأجنبية، ومقاومة القيود الاستعمارية التي فرضت على البلاد، كما لعبت الدار دوراً متميزاً وأوجدت لها ثقلاً أساسياً في كفاح البلاد، والتفاعل مع بقية الكليات والمعاهد في إفشال المخططات الاستعمارية.
 عن: رسالة ( دار المعلمين العالية)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية