العدد (4547) الثلاثاء 2019/ 14/11 (انتفاضة تشرين 2019)       معتصمو التحرير يدعون لمليونية جديدة فـي "جمعة الصمود"       اختناق عشرات الأطفال في مستشفى الناصرية بالغاز المسيل للدموع       "غرباء يلتقطون صوراً لخيم الاعتصام ويختفون" واشنطن بوست: المحتجون يخشون الذهاب إلى المستشفيات       في ساحة التحرير.. المحتجون يحكمون أنفسهم ويرفضون الحكومة       احتجاجات تشرين " تذيب النزاعات العشائرية في العراق       سلمية الاحتجاجات تنتصر على العنف والاستبداد       نساء ساحة التحرير يكسرن حاجز الخوف و"ينتفضن" على القيود       "غرد مثل خلف" يرد على تصريحات المتحدث باسم عبد المهدي حول "المطعم التركي"       شذرات من ساحة التحرير    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :37
من الضيوف : 37
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28583495
عدد الزيارات اليوم : 16755
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


مهدي المخزومي في فردوسه المفقود

ستار الحسيني
من اين ابدا  بالكتابة عن عالم جليل لا حصر لجهوده واثاره النحوية واللغوية من اين ابدا  باستاذ كان يعاني ويتالم في نهايات عمره , اذ آلمتني زيارتي الاخيره له  قبيل ان يودعنا في تسعينيات القرن الماضي ..... وهو من القلة القليلة  الباقية انذاك والتي كانت تنير دروب الباحثين في مسالك العلم , وفي كل لقاء  كنت التقيه  اعرب له عن خجلي  من نسيانه من غير ذنب  , فهذا الشيخ العالم  الذي لايستغني عنه باحث في تخصصه او الاستعانة باثاره في النحو كان الاجدى  بالمتخصصين في ميدان التعليم  ان يذكروه ونترك الامر الى وقت يحين  به ذكر  العلماء


فذات مساء ذهبت بمعية من الاقارب والاصدقاء من محبي الدكتور مهدي المخزومي لزيارته في بيته الواقع في حي الداوودي في ضاحية المنصور بعد ان بلغنا تدهور واعتلال صحته ومراجعته لعيادات اطباء قد لا يعرفون قدره , استقبلنا ابو مهند بحفاوة , وهدوء نفسي ودماثة استاذ مربي لاجيال تعترف لاجيال واجيال بفضله , وهو لايقوى على السير بمفرد قدميه , الا على عكاز وهذا العكاز تاكل مسنده في الارض فبات يرتجف بين يديه وبالكاد يثبته ليخطو باتجاه ضيوفه , استقبلنا وهو يفيض حبا بمقدمنا فبيننا طلاب علم نهلوا من مدارس علمه وجامعاتها وهم الان اساتذة ودكاترة في الجامعات ومنهم من كان على توافق او اختلاف فكري معه او ضده بيد ان ظرف تلك السنين كانت تجمعهم برؤيا واحدة .
 في هذه الجلسة كنت ارنو ونحن في ضيافة جل علماء النحو وفقه اللغة عبر كتب ومجلدات كان يسند بعضها الاخر وقد تراصفت على حائط ضاق ولم يضق بها هذه الكتب كان استاذنا قد التهم صفحاتها بوله شديد ايام دراسته للماجستير في القاهرة فدرس الخليل بن احمد الفراهيدي وسيبويه الذي انتهى الى انه راس مدرسة نحوية سميت فيما بعد بمدرسة البصرة ثم مالبث ان واصل دراسته للدكتوراه فدخل الكوفة من اوسع ابوابها وبحث في علي بن حمزة الكسائي الذي رآه يرسم حدود مدرسة اخرى كان لها انصار وتلاميذ وهو ايضا راس مدرسة نحوية سميت فيما بعد بمدرسة الكوفة هذه الكوفة التي تبعد اميالا عن ضريح الامام علي بن ابي طالب وبظاهرها منازل النعمان ابن المنذر والحيرة والخورنق والسدير والغريان وما هنالك من متنزهات واديرة كثيرة والتي حلم بها معن ابن زائدة الشيباني اذ ضمت تلك البقعة من الكوفة دير هند فقال فيها
 
الا ليت شعري هل ابيتن ليلة
لدى دير هند والحبيب قريب
فنقضي لبانات ونلقى احبة
ويورق غصن للسرور رطيب
 
وغير هذا الدير فهنالك دير الجماجم ودير اللج ودير الحب واديرة كثيرة .
ونجد رملة حمراء تخالطها حصاء سميت بسببها الكوفة  حسبما قال ياقوت الحموي في معجمه للبلدان , اظنني ابتعدت كثيرا عن هذه الجلسة الجميلة ورحت  بعيدا , لكني كنت اقرأ عناوين هذه المجلدات واشعر برحلة العلم التي ركبها استاذنا المخزومي وابدع فيها ايما ابداع عبر مؤلفات واثار غزيرة , بل قدم للعالم العربي اثرا نفيسا من اثار استاذ عالم فاضل انجبته مدينة النجف في العراق كما قال عنه استاذه المشرف على رسالته للدكتوراه الاستاذ مصطفى السقا كما انجبت شاعرنا الكبير مهدي الجواهري ومصطفى جمال الدين واخرين بعقول منفتحة على العلم والحياة 
 
وفي هذه الجلسة كان استاذنا المخزومي يتابع ويسمع ويجيب ويسال على سائله بدقة وهدوء متناهيين ثم سالت بجانبي صديقي الدكتور العالم ( ع.  ع.  ) الذي اقصي من عمادة احدى كليات الاداب في السنين الاخيرة , سالته عن استاذة وهل اثقل الزمن ذاكرته وفكره وعلمه وهو يصل للثمانين من عمره فاخبرني ان كل شيء في جسد هذا العالم معرض للتلف والاعتلال لاسمح الله بذلك – الا فكره الثاقب وذاكرته المتوقدة بالعلم وعقليته اللامعة دائما .
حدثنا الاستاذ المخزومي عن التعب الذي بدا يظهر على جسده نتيجة ثقل السنين الاخيرة عليه – طبعا هذه الزيارة كانت في نهاية عام 1992 – وعن الفطريات التي احدث خطا تشخيصها قلقا والما بدا يخف بعد اخذه جرعات من الدواء المركز ثم ذكر سلوته التي تبعده عن النكد المستمر وغير المستمر وغابته العذراء التي يعيش فيها او التي داسها عبر نظره وفكره هذه الغابة المشرأبة اليه والتي افنى زهرة شبابه فيها هي المكتبة فالف وقرأ وكتب ومازال يقرأ وقتها ( والقراءة ملاذي ) لاغير كما يقول .
ان استاذا جامعيا وباحثا لغويا له من الدقة والانات وطول التتبع واصالة الفكر وغزارة المنهج ما يجعلنا نفخر به وننحني اجلالا لمكانته العلمية الرفيعة اقول هذا وقد تعالى غبار النسيان على اسوار بيته ومكتبته ولم يذكره الا محبوه وبعض ممن يقدر العلم والعلماء واهل العلم قليلون وهو في كل هذا وبروحه في الفردوس كان ومازال زاهدا .



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية