العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :29
من الضيوف : 29
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27991070
عدد الزيارات اليوم : 7323
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


سارتر ومفهوم الحرية

عبد الفتاح الديدي

الحرية في المذهب الوجودي من أهم وأخطر نظرياته. ولعلنا نستطيع أن نصفها بأنها العمود الفقري الذي تدور حوله كل فلسفات الوجوديين مهما اختلفوا بصدد المشكلات الأخرى. والفلسفة الوجودية إذ تنادي بهذه الفكرة إنما تريد أن تدع للإنسان فرصة التفكير في نفسه والرجوع إلى ذاته والاحتكام إلى رأيه الخاص في كل مشكلة تعرض له وفي كل موقف يتخذه بمناسبة من المناسبات. فمرد الإنسان إلى ذاته دائماً عند إتيان الأفعال وإبراز الحركات في الفلسفة الوجودية. ومن هنا تمحى كل آلية ويبقى الإنسان محافظاً على جدته وبكارته الأولى.


فالحرية بهذا المعنى تؤكد البدء دائماً، وبالتالي هي الجسر الدائم من اللاوجود إلى الوجود، من الإمكان إلى الواقع الحي. وننبه هنا بهذه المناسبة إلى شيء في غاية الأهمية، وهو أن الوجود الإنساني في حد ذاته لا يعد وجوداً ولا ينظر إليه بوصفه واقعاً، وإنما هو إمكان مطلق، فمجرد وجودي أنا إمكانية فحسب لا تتحول ولا تصير وجوداً ولا تتجسم في هيئة واقع إلا بعد أن أتحرك وبعد أن آتي جملة من الأفعال. فهذه الحركات وتلك الأفعال هي التي يتوقف عليها الوجود الإنساني الذي يكون حاصلاً بالفعل. وما دام من المستحيل على كل إنسان أن يأتي أفعاله من غير ارتكان إلى نوع الاختيار أو قل ما دام كل عمل يصدر عن الإنسان هو تصرف مبني على فكرة خاصة، كان للحرية أكبر مقام في نفس الإنسان وأخطر أثر في حياته. وواضح أن قيمتها لا ترجع إلى أنها طريقة في العمل ووسيلة إلى التأدية فقط، وإنما ترجع إلى ضرورتها بالنسبة إلى الحياة بأكملها. فالحياة لا يمكن إلا أن تكون فعلاً، والوجود هو وجود العمل والحركة. إذ ما قيمة إنسان حي مغطى بالتراب في باطن الأرض ما دام لا يقوى على العمل وإصدار الحركات وإتيان الأفعال؟ أو قل إذا افترضنا وجود إنسان مغمض العينين، ساكن الجسم، لا يصحو ولا يتحرك، ولا يؤذي ولا يطمع، ولا يمرض ولا يموت، ولا يتمنى ولا يطلب. . إلى آخر هذه الصفات الإنسانية؛ فهل يمكن أن نطلق كلمة الإنسان على هذا المخلوق؟ لا بطبيعة الحال، لأن الوجود وجود خصائص معينة وارتباطات قائمة وأفعال ظاهرة وحوادث في الخارج وليس لأشياء وحاجات، فالوجود وجود أفعال، والأفعال لا تحدث بغير اختبار، والاختيار قائم على إرادة حرة. . وبذلك ندرك خطورة الحرية في حياة الإنسان.

فالحرية على هذا النحو هي الفيصل بين وجود الإنسان وغير الإنسان؛ بل إن الحرية هي الإنسان في رأي سارتر. وإذا شئنا أن نبدأ بتحليل أولي لهذه الفكرة عنده فلا بد من الرجوع إليها في تفرقة وضعها (هيدجر) أولاً ثم توسع فيها جان بول سارتر بعد ذلك في كتابه المسمى بالوجود والعدم. ففي هذا الكتاب - وهو بمثابة الإنجيل في الوجودية المعاصرة - يذهب سارتر إلى أن هناك نوعين من الوجود: وجود الإنسان وهو الوجود لذاته، ووجود الأشياء وهو الوجود في ذاته.

والوجود لذاته - أي وجود الإنسان - هو الوحيد الذي يمتاز بين قسمي الوجود حسب تفرقة سارتر في خاصية التفريغ والانقسام على نفسه بحيث يصبر بعضه مقدماً أو معطى أو حاضراً بالنسبة إلى بعضه الآخر. فوجود الإنسان يتكون عادة من فرعين ويحدث بين هذين الفرعين نوع من الإحالة المتبادلة وشيء من التكيف الظاهر. أما الوجود في ذاته فلا يعرف الانقسام ولا يحدث فيه تجويف ولا يصيبه الفراغ. ولذلك نلاحظ أنه على الرغم من أنه كان يكون طبيعياً جداً ظهور العدم في طيات الوجود في ذاته، لا نكاد نجد له أثراً هناك ولا نكاد نعثر على شيء منه لديه، وتفسير ذلك تبعاً لنظرة سارتر خاصة أن وجود الأشياء لا يعرف الزمن أولاً ولا يدرك معنى الحرية ثانياً، أما الإنسان فهو وحده الذي يستطيع أن يحس بالحرية وأن يشعر بمدلولها ويفهم المراد منها.

وإذا تساءلنا عن السر الذي يجعل الإنسان من بين نوعي الوجود قادراً على استيعاب فكرة الحرية والتأثر بها فإننا نجده في هذه الظاهرة البسيطة والغريبة في آن معاً وهي أن الإنسان وحده من بين نوعي الوجود يحتوي على ما نسميه في الفلسفة بالعدم؛ بل عن العدم يضرب في بطن الوجود الإنساني بحيث يستفرق كيانه باجمعه، ويختلط بحياته على نحو يشعرنا بالرابطة الأصلية بين كل منهما. فالوجود بالنسبة إلى الإنسان خاصة عبارة عن إعدام كل ملامح (الوجود في ذاته) فيه، والتخلص من آثار الشيئية التي تداخل تركيبه. وعملية الإعدام هذه إنما تأتي من جانبين أو تحصل من جهتين: أولهما أن الإنسان يحاول دائماً ألا يجعل المكان الأسمى في نفسه للأشياء الجامدة التي يتركب منها ويسعى جهده من أجل السيطرة عليها وتسييرها حسب إرادته ومشيئته، ولا يكون عبداً لها، خاضعاً لما تقتضيه ظواهرها، اعني بذلك أن الإنسان مكون من مادة؛ ولولا أن هذه المادة قد داخلت تركيب الإنسان لصارت في نطاق القسم الثاني، قسم الأشياء في ذواتها، ولذلك يحاول الإنسان ألا يجعل لها الأولية في تكوينه وأن يعدمها إعداماً ليخرج في النهاية بوجوده المعروف لدى البشر. وثانيهما أن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يحس بالوجود؛ وبالتالي هو الكائن الوحيد الذي يدرك معنى العدم، لأن العدم على خلاف ما نظن أو يبدو لنا من أول وهلة لا يعرفه إلا الموجود الذي يشعر بأنه موجود، لم يكن هناك عدم قبل الوجود، بل الوجود هو الذي كان، فكان العدم، فنحن نعرف العدم لأننا وجدنا ولو لم نوجد لما عرفنا دلالته ولا أحسسنا بماهيته، إذا فالوجود هو الأصل في الإحساس بالعدم والاهتمام بأمره، ولا عدم إلا بالوجود، وما دام المعدوم معدوماً فلا وجود هنالك، ولا عدم أيضاً بناء على ذلك، فالمعدوم لا يلم باسم العدم ولا يدل العدم عنده على شيء، فالإنسان يوجد، وساعة يوجد ينفذ إليه العدم ويخترق الصفوف نحوه ويبزغ أمامه في عقله وفي شعوره، ومن هنا نستطيع أن نقول عن العدم أنه وليد الوجود وإنه ناشئ عن حدوث ظاهرة الحياة.

والعدم النفسي هو الذي يهمنا إذا تكلمنا عن الوجود الإنساني لأننا لا نستطيع أن نتكلم عن العدم الحقيقي ما دام لم يدخل حتى الآن في تجربة واحد من البشر. وإذا شئنا تحديد مظاهره فإننا نستطيع أن نلمسها من ثلاث نواح:

أولاً: من ناحية إعدام الماضي

ثانياً: من ناحية إعدام الممكنات

ثالثاً: من ناحية العدم الذي يفصل بين الوجود وما هو عليه وبين الوجود وما يصير إليه، ومن هذه الإعدام الثلاثة سننتهي إلى الحرية وسنجد ثغرة ندخل منها إلى مفهوم الحرية كما ترد على لسان الملحدين الوجوديين خصوصاً.

فمن الناحية الأولى نلاحظ أن وجودنا في الحاضر لا معنى له إلا من حيث ارتباطه بسلسلة من الأفعال والحركات التي سبق إتيانها في حياتنا والتي سبق إلحاقها بتاريخنا الخاص، والعمل في الحاضر إنما هو عمل من أجل إبعاد الحاضر وزحزحته عن مكانه وإسقاطه من دائرة الوجود. ولذلك نستطيع أن نحكم على كل فعل من الأفعال بأنه متوقف على انعدام ما سبق فعله وانتهاء مرحلة من مراحل الحياة أنتهاءاً كلياً. فالحاضر متوقف على أنقضاء الماضي. ويعتمد على الفراغ الذي يحدثه استبعاد جانب من الجوانب. ولكنك مع ذلك تحكم حريتك في كل لحظة زمنية تمر بك وفي كل فترة تنقضي عليك، ولا مناص من استخدام الحرية في كل فعل من الأفعال التي تعلن انقفال الماضي وتشييع أحداثه وحاجته، فأنت في كل لحظة تريد أن ترفع الماضي من طريقك لتضع جديداً وكلما أتيت على محاولة من هذا القبيل، لإحلال الجديد محل القديم، اضطررت اضطراراً إلى استعمال الحرية. وإلا فكيف يمكنك أن تأتي فعلاً من الأفعال؟ إن الإنسان بطبيعة تكوينه مضطر أن يكون حراً كما يقول سارتر، بل أنه لا يملك الحرية في ألا يكون حراً. وإذا تمثلت الحرية المقضي على الإنسان بها أو التي حملها الإنسان في شيء من الأشياء فإنما تتمثل في الأفعال التي يأتيها والأعمال التي يندفع نحوها من أجل تحقيقها.

وترجع أهمية الماضي بالذات في تقرير فكرة الحرية هاهنا إلى أنه الأصل الذي يؤدي بدوره إلى نوع من الالتزام. فكما أن إعدام الماضي يتمثل في قضاء فترة، يتمثل كذلك في تحطيم اللوازم ورفع الضوابط وإزالة القيود. فالماضي ضروري من أجل سير الحاضر ومن أجل تهيئة الحرية بإيجاد نوع من الالتزام الذي لا توجد حرية بغيره ولا تتوفر إرادة بدونه. فالقيد أو الالتزام ضروري لإيجاد الحرية لأن الحرية ستتضح من الوقوف وجهاً لوجه بازاء هذا القيد وذاك الالتزام والعمل على رفعه ومحوه وإزالته بالثورة عليه. يقول سيمون في تعليقه على هذه النقطة من فلسفة سارتر: ينبغي أن تنبعث الحرية الصحيحة في الفعل وفي التاريخ وهي لا توجد ما دامت محتواة في المشروع الذاتي للحكم والتأمل أيضاً، إنها تفرض التزاماً إذاً، ولكن الفعل ليس حراً تماماً إلا إذا كان ثورة على قوى العالم. . فالالتزام شرط ضروري للتصرف الإنساني الحر، بيد أنه ليس شرطاً كافياً إن الشرط الكافي هو الثورة التي هي روح للحرية.

والإنسان بازاء فعل من الفعال (وهذا يتبع النقطة الثانية) يتخذ أسلوباً خاصاً به وينتحي منحى لا يشاركه فيه سواه. قد يكون هذا متماشياً مع ظروفه وتابعاً لما تقتضيه مناسباته ولكنه مع ذلك يقحم حريته إقحاماً ويدخل إرادته إدخالاً يتمثل في عملية الاختيار: ويتخلل عملية الاختيار صعوبات كثيرة تشكك في أمره وتشعرنا بضعف مركز الحرية إذا قيس إليها. ولكن شيئاً ما لا يجعلنا نؤمن بالحرية الإنسانية في عملية الاختيار قدر ما تجعلنا هذه الصعوبات نفسها نؤمن بها. لأن الحرية إنما تعرف بالحيلولة بينها وبين الوجود وبالعقبات التي تصادفها وبالموانع التي تبطل عملها أكثر مما تعرف بالانسياب المطلق والإرادة البريئة والاستقلال التام. إن الشعب المستعبد هو الذي يتحدث عن الحرية، والعبد وحده، من بين خلق الله، تجول بذهنه فكرة العمل الفردي البعيد عن المؤثرات والرغبات الأخرى. ويقول سارتر نفسه في مقال له بعنوان جمهورية الصمت في الجزء الثالث من كتابه (المناسبات) الذي ظهر أخيراً: لم نكن قط أكثر حرية مما كنا تحت ظلال الاحتلال الألماني حيث فقدنا كل حقوقنا وبالتالي فقدنا حق الكلام، فقد كانوا يشتموننا في وجوهنا كل يوم، وكان ينبغي علينا أن نسكت. وكانوا ينفوننا جماعات جماعات كالعمال والمعتقلين السياسيين. وكنا نجد في كل مكان، على الحوائط وفي الصحف وفوق شاشة السينما، تلك الوجوه القذرة الباهتة التي حاول مستعمرونا أن يعطوها لنا عن أنفسنا. وبسبب هذا كله كنا أحراراً.

أرأيت إذا إلى هذه الحرية الغريبة عند سارتر. إنها تتوقف كما ترى على الحوائل والموانع أكثر مما تتوقف على الأنفكاك والطلاقة. إنها حرية تنبئ على الوضع القائم ولا تجنح إلى الخيال. وتنبع من صميم الوجود الحاضر المتمثل في الظواهر المحيطة والأشياء المجتمعة. لقد سبق أن قلنا عن المعدوم أنه لا يعرف العدم وأن الميت لا يدري قط معنى الموت؛ أما الحي فهو عالم تماماً بالموت ومدرك تماماً لمدلوله، وكذلك هنا نستطيع أن نقول عن الحرية أنها لا يعرفها إلا العبيد والمأسورون والمحاطون بالقيود والحواجز.

وهذه الحرية، بالإضافة إلى ذلك، قائمة على أساس اختيار غاية من الغايات وانتقاء هدف من الأهداف، وبكلامنا في هذا العنصر وتوضيحنا لهذا المعنى سنقرر أولا كيفية استكمال ما قصدناه في النقطة الثانية، وسنبدأ ثانياً بالحقائق والشروح التي تتضمنها النقطة الثالثة. فأنا حين أختار غاية دون غيرها من الغايات آتي على فعل واضح كل الوضوح بالنسبة إلي وهو أنني قد آثرت شيئاً على سواه. وينبغي أن نلاحظ هنا الفارق الكبير الموجود بين عملية الاختيار وبين عملية الانتقاء. فهذا الأخير عبارة عن تفضيل شيء بحكم فائدته المرجوة ونفعه المنتظر، وبحكم امتيازه من ناحية القيمة الكامنة فيه واللذة التي تعود من ورائه على صاحب الشأن. أما الاختيار فلا ينصب على الأفضل وإنما ينصب على الأوفق مهما كانت درجة انحطاطه وسخافته ومهما بلغ من التفاهة في أنظار الناس الاختيار بريء من الغرض وخال من المنفعة وقد يكون من ورائه ضرر أي ضرر. ولذلك نباعد بينه وبين التفضيل والانتقاء؛ ونذهب إلى أبعد من ذلك فنقول إن الاختيار أكثر التصاقاً بالحرية ما دام ينبني على أخطار أكثر وعلى مآزق أشد وعلى مجال أضيق. ثم إنني في الاختيار بغير انتظار لمنفعة وبدون أمل في كسب أنشد غاية من الغايات وألغي ما عداها. فأحس بأنني حددت من وجودي مرة واحدة بلا مقابل وانصرفت إلى جانب واحد أعيشه وأجلب ممكناته. وفي الوقت نفسه أعدمت بيدي سواها من الغايات حيث لا ضمين لي على حسن الاختيار ولا شفيع لي عندما تؤدى إلي أدنى وضع وأخس درجة.

عن كتاب تيارات فلسفية معاصرة



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية