العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :22
من الضيوف : 22
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27991203
عدد الزيارات اليوم : 7456
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من ذكريات انتفاضة 1952

نصير الجادرجي
كانت (كلية  الصيدلة والكيمياء) في بغداد قد أدخلت تعديلات على نظامها الداخلي يجعل من  الطالب المعيد في بعض الدروس معيداً في مواضيع صفه كافة. "نص تعديل الفقرة  (ج) من المادة (34) من هذا النظام "على الطالب المعيد اعادة كافة مواضيع  الصف الذي يرسب فيه". فعد طلاب هذه الكلية ذلك التعديل اجحافاً بحقوقهم  كونه يكون بأثر رجعي، ما حملهم على الاحتجاج والاضراب عن الدوام اعتباراً  من يوم 26 تشرين الاول/نوفمبر من عام 1952،


 وقد اتسع الاضراب ليشمل كليات اخرى كالطب والحقوق والتجارة وغيرها، تضامناً مع كلية الصيدلة والكيمياء، حتى يُلغى التعديل المذكور.
كان الطلبة المضربون قد أعلنوا حينها عن تأييدهم لمطالب الأحزاب السياسية التي وردت في مذكرتهم المرفوعة للبلاط، كونها المعبر الحقيقي عن مطالب الشعب، مطالبين الحكومة بالاستجابة لها.
وقد هزأ وزير الصحة السيد (عبد الرحمن جودت) بالاضراب فلم يعره اهتماماً يُذكر في البدء، فلما استمر بضعة ايام، اضطرت الوزارة الى ادخال تعديل آخر في 16 تشرين الثاني/نوفمبر ألغت بموجبه مواد التعديل السابق.
والظاهر ان تدبير وزارة الصحة لم يُرضِ عمادة كلية الصيدلة والكيمياء فحدث مالم يكن في الحسبان، إذ دخل واقتحم ثلاثة اشخاص -قيل إنهم مجهولون- حرم الكلية في اليوم المذكور وانهالوا على بعض الطلبة ضرباً ولكماً، ما أثار استفزاز بقية زملائهم وغضبهم ليحدث اشتباك مباشر مع المُعتدين كان أكثر المتضررين جسدياً فيه الطالبين (مُنعم ابراهيم نعمان وجبار محمد) اللذين اصيبا على أثره بجروح عديدة.
كان يُعتقد أن عميد الكلية وأحد المدرسين المعيدين قد حرّض هؤلاء الاشخاص على الاعتداء على الطلبة.
والسبب كما قيل في حينه أن بعض الطلاب قد أسمعوا الطالبة (سهام محمود شكري) "التي لم تشارك في الاضراب" بعض العبارات المهينة، أما المعتدون فأذكر منهم: (فاضل شهاب) الملقب بـ(فاضل طويرني) من منطقة الفضل، و (طارق ناجي).
فأعلن الطلاب ان هذا الاعتداء كان مدبراً، وان الذي دبره، هو عميد الكلية الدكتور (يحيى عوني الصافي) ، وبعض الاساتذة، وأعلنوا الاضراب العام حتى يأخذ العدل مجراه ويقصى العميد ومن ساعده  بذلك الفعل عن الكلية.
استغلت حينها الاحزاب السياسية الوطنية ومنظمات الطلبة تلك الحادثة، فانتشر الاضراب ليشمل جميع الكليات والمدارس الأخرى، (بالرغم من منح العميد إجازة إجبارية) تضامناً مع كلية الصيدلة والكيمياء، لكن الطلبة أعلنوا استمرارهم بالاضراب حتى تُلبى مطاليبهم في هذه الكلية.
بعد كل تلك الاحداث، انتقل كل شيء الى الشارع، بعد أن ظهر من خلال ما حصل أن الحكومة هي التي تريد الاصطدام بالناس على هذا الشكل، ولكن الحكومة والبلاط لم يكونا يتصوران أن الامور ستتطور الى شيء لم يسبق له مثيل في العراق.
لم يكن للحكومة من بد إلا تهدئة الرأي العام، عبر اختلاقها للاسباب والذرائع لدخول المجهولين الى حرم الكلية المصان، فأصدرت بياناً مناقضاً لحقيقة ماجرى.
وأعقبه بيان آخر أصدره رئيس مجلس التعليم العالي (الدكتور ناجي الأصيل) في 20 تشرين الثاني/نوفمبر ناشد فيه الطلاب بألا يستمعوا الى الجماعات الصغيرة التي اضربت عن الدراسة.
كان لهذين البيانين الأثر البالغ في ازدياد الجو توتراً مرة اخرى جراء مطالبة الاحزاب بإجراء الانتخابات النيابية المباشرة، ووجوب اصلاح الاحوال الداخلية جذرياً، فحدثت اصطدامات استغلتها الاحزاب السياسية ومنظمات الطلبة، وانتشر الاضراب بين الكليات والمدارس الاخرى.
واجتمع الطلبة مرة اخرى في 21 تشرين الثاني/نوفمبر وقاموا بالتظاهرات والقيت الخطب والهتافات التي عبرت عن مشاعر الرأي العام. وتوجهوا الى باب المعظم ومنطقة "الفضل" حيث وقعت بينهم وبين قوة "الشرطة السيارة"اشتباكات بالحجارة والعصي، ما أدى الى وقوع عدد كبير من الجرحى بين الطرفين، وقد استمرت الاشتباكات بقسوة بالغة من جانب الشرطة التي قابلها المتظاهرون بهجمات مضادة أشد عنفاً. وكانت جماهير الطلبة تهتف "نريد خبزاً لا رصاصاً" وهو تعبير عن حالة الغلاء الفاحش التي اجتاحت البلاد انذاك.
التظاهرة الأولى
في صبيحة يوم الخميس الموافق التاسع عشر من شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1952 خرجنا في تظاهرة بعدد محدود متجهين نحو كلية الصيدلة والكيمياء، كنت برفقة عدد من زملائي الذين اتفقنا معا للخروج حينها.
وفي أثناء توجهنا الى الكلية المذكورة تصدت لنا قوة من الشرطة فدخلنا باحتكاك معهم، لكن التظاهرة لم تتفرق واستمرت بالمسير نحو شارع الرشيد، وعند وصولنا الى منطقة الميدان تعرضنا لهجوم آخر من الشرطة، لكن دون أن نتفرق أيضاً، وعدنا نحو كلية الصيدلة مرة ثانية، ثم الى كلية الحقوق.
ما كان مايجري عبارة عن عملية كرّ وفرّ بيننا نحن المتظاهرين وقوات الشرطة.
وفي خضمّ ذلك رأيت نشاطاً كبيراً يجري من قبل الشبيبة الشيوعية، ومن جملة ما يحضر ذاكرتي كان رؤيتي للشابة سافرة جميل حافظ وهي تتصدى لقوات الأمن بكل إصرار وشجاعة رغم ضربها بالعصي من قبلهم، وكذلك زميلتها بشرى عبد الجليل برتو وعدوية عبد اللطيف، إضافة الى الدور الكبير الذي لعبه عبد اللطيف العاني وجمال خليل وغيرهما.
الانتفاضة
في صباح يوم السبت الموافق 21 تشرين الثاني/نوفمبر، صحت بغداد على تلاحم الطلبة الجامعيين والمدارس الثانوية وشرائح الطبقات المثقفة وجمع غفير من جماهير الشعب الناقمين على الاوضاع الشاذة، مرددين الهتافات الوطنية الرافضة لما يحصل.
كنت أشاهد آلاف الجماهير محتشدة في الشوارع خلافاً لما رأيته في تظاهرة يوم الخميس، وقد التحمت تظاهرات الكليات (التجارة والاداب والحقوق) في منطقة (باب المعظم)، وتعرضنا الى ضرب من قبل الشرطة.
عند دخولنا الى شارع غازي (الكفاح فيما بعد) متَجهين نحو منطقة الفضل اندمجت جماهير تلك المنطقة معنا فازداد عددنا بشكل كبير، لكن الشرطة قمعتها بكل مالديها من قوة. ما ادى الى تفرقنا قرب منطقة قنبر علي.
وفي أثناء تفرقنا لم تستمر المظاهرة، لكن (المناوشات) بقيت بين الشرطة والجماهير لحين انتهاء كل شيء في ظهيرة ذلك اليوم.
وفي مساء اليوم ذاته اذيع بيان بتكليف (الوصي عبد الاله) السيد (جميل المدفعي) بتشكيل الوزارة بعد استقالة السيد (مصطفى العمري).
في يوم الأحد الموافق 22 تشرين الثاني/نوفمبر عادت الجماهير الى الشوارع متظاهرة، لكن بشكل أكبر هذه المرة آخذة منحىً آخر بالاحتجاج هو (الانتفاضة)، حيث بدأناها من منطقة (باب المعظم) وتواجهنا فيها مع الشرطة الذين فوجئنا بحشودهم الكبيرة. لكن كفة الاصطدام كانت لصالح المتظاهرين هذه المرة كوننا جئنا عليهم بسرعة (البرق) حاملين معنا العصي والحجارة، ما أدى الى تقهقرهم بسرعة فاجأتنا جميعاً.
حين وصلنا قرب كلية الملكة عالية (البنات) تقدمتُ جموع المتظاهرين مطالباً إياهم بعدم البقاء عُزَلاً أمام الشرطة، كوننا لم نخرج (لحفلة).
كانت أنظار الجماهير تشخص نحوي، فما كان مني، إلا أن أتوجه لجدار الكلية (المائل) مع بعض الزملاء وحث الجماهير على هدمه للاستفادة من حجارته لمواجهة الشرطة، وقد حصل ذلك الأمر بوقت قياسي، نظراً لكثرة الأيدي التي قامت بذلك العمل.
وفي ركضة موحدة توجهنا بحجارة ذلك الجدار نحو افراد الشرطة الذين سرعان ما تقهقروا أمامنا.
حينئذ انشطرت الشرطة الى قسمين، قسم اتجه نحو شارع الرشيد، والآخر اتجه نحو النهر قرب المستشفى، وهناك أصيب معاون الشرطة (ابراهيم ادهم) جراء قيام بعض المتظاهرين بضربه "نقل على أثرها الى المستشفى وتوفي فيها بعد تلوث جرحه واصابته بمرض الكزاز".
أما نحن فقد توجهنا نحو كلية الصيدلة وهناك حصل التجمع لنتجه بعدها الى شارع الرشيد.
لازلت أتذكر هذه الحوادث التي حفرت بالذاكرة ولن تمحى، رغم مضي كل تلك العقود من السنين عليها.

من كتاب (طفولة متناقضة ... شباب مُتَمرّد ..
طريق المتاعب ) دار المدى



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية