القتل على الهوية.. " الوطنية "..!       الثلاثاء 2019/ 22/11 (انتفاضة تشرين 2019)       مفوضية حقوق الإنسان توثق انتهاكات جديدة ضد المتظاهرين: استمرار القتل والاختطاف!       ساحة التحرير.. عراق مصغر       تقرير أممي       مشاهدات من ساحة التحرير..يكتبها سعدون محسن ضمد       شذرات احتجاجية       قنابل دخان ورصاص حي..عملية اقتحام "فاشلة" على جسري السنك والأحرار لفض الاحتجاجات       محامون "متطوعون" للدفاع عن المتظاهرين المعتقلين       الـ"تك تك": الملاك الحارس لشباب الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :50
من الضيوف : 50
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28694746
عدد الزيارات اليوم : 652
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


احتجاج البغداديين على شركة لنج للملاحة النهرية سنة 1909

علي مدلول راضي الوائلي
عندما  عزمت الدولة العثمانية على بيع بواخر الادارة النهرية العاملة في نهري  دجلة والفرات  ومنشآتها في بغداد والكوت والعمارة والبصرة إلى شركة لنج  للملاحة  قوبل هذا الاجراء بمعارضة شديدة من العراقيين لان هذا الاجراء  سيؤدي إلى احتكار شركة لنج للنقل النهري وستصبح وسائط النقل محصورة في  ايديها ، الامر الذي يضر كثيراً بالتجارة نتيجة لارتفاع اجور الشحن  ،


 وشهدت بغداد في كانون الأول عام 1909 مظاهرات وتجمهر الاهالي في ساحة باب المعظم حيث القيت الخطب الحماسية التي تندد بالامتياز الجديد وكان من بينها خطبة لكاظم الدجيلي اثارت مشاعر المتظاهرين الذين نادوا بسقوط وزارة حسين حلمي واعتبروا اقدامها على بيع بواخر الادارة النهرية لشركة لنج للملاحة اجحافاً بحقوق العراقيين وترجيحاً للبريطانيين على اهل البلاد  ، ورفع المتظاهرون في النهاية عريضة احتجاج وانتدبوا جعفر ابو التمن لتقديمها إلى والي بغداد ناظم باشا ،  كما شكل المتظاهرون لجنة لتمثيلهم تألفت من خمسة اشخاص من بينهم التاجر عبد القادر الخضيري  الذي وصفه البريطانيون بانه المحرض الرئيسي للاحتجاج ضد دمج الادارة النهرية العثمانية مع شركة لنج  والتاجر محمود الشابندر الذي اتهم شركة لنج بتهديد الملاحة الوطنية من خلال تزويد بعض العشائر بالبنادق  وعبد الجبار خياط.
بعث عبد القادر الخضيري باسم المتظاهرين ببرقيات إلى اهالي البصرة والموصل يحثهم على التعاون مع اهالي بغداد لمنع دمج الادارة النهرية مع شركة لنج  التي كانت تقبض على التجارة والملاحة في العراق بايدي من حديد وحولت التجارة العراقيين إلى وسطاء  وسرت شائعات بين الأهالي في بغداد بان الحكومة العثمانية باعت العراق وتسلم ناظم باشا برقية اخرى وقعها عدد من الوجهاء جاء فيها ان ثلاثين الفاً من اهالي بغداد سيتظاهرون ضد بيع الادارة النهرية إلى شركة لنج وفي العشرين من كانون الأوّل عام 1909 كان ممثلو المتظاهرين في انتظار الوالي ناظم باشا وبناء على طلبهم سار معهم الوالي إلى دائرة البريد واتصل من هناك بالصدر الأعظم حسين حلمي ورجاه تلبية مطالب الجماهير البغدادية وعدم بيع الإدارة النهرية إلى شركة لنج للملاحة ، اما وزير الداخلية العثماني فقد بعث ببرقية إلى ناظم باشا نفى فيها بيع البواخر إلى شركة لنج واعلن ان المشروع المقترح هو تكوين شركة مشتركة يكون في ادارتها اربعة من العثمانيين وتجار من بغداد واضاف الوزير العثماني ان اهالي بغداد اذا كانوا يخشون من وقوع اسهم الشركة الجديدة بيد شركة لنج للملاحة فلا مانع من بيعها في بغداد.
لم يقتنع اهالي بغداد بهذا الرد وظل ممثلوهم في دائرة البريد حتى صباح اليوم التالي الحادي والعشرين من كانون الأوّل 1909 وسرت شائعات بينهم ان ثلاثة من الوزراء العثمانيين تلقوا رشاوى من شركة لنج قدرها خمسون الف ليرة عثمانية لتأييد بيع الادارة النهريةوقد تأكدت شكوك الاهالي بعد ان اكد السفير البريطاني في استانبول ان اربعة من الوزراء العثمانيين يؤيدون بيع الادارة النهرية إلى شركة لنج  . في الكاظمية اعلن الاهالي الاضراب العام واغلقت الاسواق وتعطلت الاعمال مطالبين بوقف بيع الادارة النهرية إلى شركة لنج وارسل عبد القادر الخضيري ومحمود الشابندر برقيات شديدة اللهجة إلى الصدر الاعظم وغيره من المسؤولين العثمانيين اتهموا فيها شركة لنج بانها تدبر اموراً مع بعض العشائر ومطالبين بالحد من الامتيازات الكبيرة التي منحتها الحكومة العثمانية لشركة لنج والتي ادت إلى زيادة النفوذ البريطاني والذي بدأ يتفاقم وينذر بالخطر بعد ان استفحل في خليج البصرة  فقد اخذ المهندسون البريطانيون في البحث عن المكان المناسب لانشاء ميناء في البصرة.
لم تعرض الحكومة العثمانية الاتفاق مع شركة لنج على مجلس المبعوثان استناداً إلى المادة المائة من الدستور التي تنص على عدم عرض الامتيازات التي لاتكلف الدولة اعباءً مالية على مجلس المبعوثان الا ان الحكومة وتحت ضغط مجلس المبعوثان وافقت على رفع الاتفاق مع شركة لنج إلى المجلس  وقد تلقى مجلس المبعوثان تقريرين من نائب الديوانية محمود شوكت باشا ومن نائب بغداد إسماعيل حقي بابان طالبا فيهما بالاستفسار من الصدر الاعظم حسين حلمي عن سبب عدم عرض اتفاق الحكومة مع شركة لنج على المجلس خلافاً للمادة الخامسة والخمسين من الدستور التي توجب على الحكومة عرض أي مشروع على مجلس المبعوثان كما استفسر النائبان عن اسباب منح الحكومة امتياز بيع البواخر إلى شركة لنج الذي يضر بمصالح العراق  ويقوض تجارته ويؤدي إلى تنافس بريطاني ألماني على أرضه.
حصل تطابق في المواقف بين النواب العراقيين والعرب وبعض النواب الاتراك حول مخاطر امتياز شركة لنج وشهد اليوم الأوّل لاجتماع مجلس المبعوثان تزايد اعداد النواب المعارضين للاتفاق مع شركة لنج  . وكانت فكرة نائب البصرة طالب النقيب وغيره من النواب احراج مركز الوزارة واسقاطها فاذا نجحوا في مسعاهم قضى على مشروع بيع بواخر الادارة النهرية إلى شركة لنج، وكانت وسيلة النواب لاسقاط الحكومة هي التمسك بضرورة الحصول على تفسير رسمي عن الاسباب التي دفعت الحكومة إلى عدم عرض الاتفاق مع شركة لنج على مجلس المبعوثان رغم انها تحمل الدولة اعباء مالية  مثل اعفاء لوازم سفن الشركة البخارية من رسوم الكمارك عند استيرادها.
حدد النائب إسماعيل حقي مطالب النواب العراقيين بتوجيه السؤال التالي إلى مجلس المبعوثان للتصويت عليه " هل كان على الحكومة ان تقدم الامتياز إلى المجلس ام لا " وقد صوت معظم النواب على ضرورة عرض الامتياز على مجلس المبعوثان وكان الصدر الاعظم حسين حلمي يعتقد بان التصويت سيكون إلى جانب حكومته لذلك احرج موقفه كثيراً وكان عليه تقديم استقالته لان اغلبية النواب قد خذلوه ولكن رئيس مجلس المبعوثان أحمد رضا بك اراد تفادي استقالة الحكومة فاعلن رفع الجلسة.
اعتقد رجال تركيا من جمعية الاتحاد والترقي ان النجاح الذي احرزه النواب العراقيون في احراج موقف الحكومة من الاتفاق مع شركة لنج لايعتبر نجاحاً لمعارضة امتياز شركة لنج فحسب، وانما رأوا فيه مقدمة لانهيار سيطرتهم على الحكم، ولهذا فعندما انعقد مجلس المبعوثان في اليوم التالي الرابع عشر من كانون الأوّل عام 1909 لمتابعة مناقشة الامتياز احاط بالمجلس جمع غفير من الجماهير يقدر بخمسة الاف شخص وتبين ان هذا الجمع قد اعد للاعتداء على النواب الاتراك الموجودين داخل المجلس اذا ما صوتوا إلى جانب النواب العرب ضد الاتفاق مع شركة لنج.
حققت وزارة حسين حلمي نصراً في مواجهة المعارضين للاتفاق وحتى تحمي الحكومة نفسها من الاعباء المالية التي قد تثقل كاهل خزينة الدولة في حالة مطالبة شركة لنج بالتعويضات في حالة انخفاض مناسيب المياه في نهري دجلة والفرات فقد وضع الباب العالي شروطاً جديدة في الاتفاق مع شركة لنج للملاحة نصت على انه في حالة توقف الملاحة في نهري دجلة والفرات بسبب مشاريع الري فان شركة لنج تفقد أي حقوق لها عند الحكومة العثمانية  وبعد وصول نبأ موافقة مجلس المبعوثان على الاتفاق مع شركة لنج عقد عدد من وجهاء مدينة بغداد اجتماعاً في نادي جمعية الاتحاد والترقي وبدأوا في اجراء اتصالات مع المسؤولين العثمانيين مؤكدين فيها عزمهم على الدفاع عن حقوق العراق وتخليص الملاحة فيه من ايدي البريطانيين كما اعلنوا استعدادهم لان يقبلوا امتياز الملاحة في الانهار العراقية ويقدموا المبلغ الذي تدفعه شركة لنج  الا ان الحكومة العثمانية رفضت طلب وجهاء مدينة بغداد وبدأت بتسليم الادارة النهرية العثمانية إلى الشركة الجديدة اعتباراً من 13 آذار عام 1914 مبتدئة من البصرة.

( شركة لنج للملاحة 1861-1914-دراسة تاريخية)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية