القتل على الهوية.. " الوطنية "..!       الثلاثاء 2019/ 22/11 (انتفاضة تشرين 2019)       مفوضية حقوق الإنسان توثق انتهاكات جديدة ضد المتظاهرين: استمرار القتل والاختطاف!       ساحة التحرير.. عراق مصغر       تقرير أممي       مشاهدات من ساحة التحرير..يكتبها سعدون محسن ضمد       شذرات احتجاجية       قنابل دخان ورصاص حي..عملية اقتحام "فاشلة" على جسري السنك والأحرار لفض الاحتجاجات       محامون "متطوعون" للدفاع عن المتظاهرين المعتقلين       الـ"تك تك": الملاك الحارس لشباب الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :52
من الضيوف : 52
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28693757
عدد الزيارات اليوم : 17248
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


من تاريخ الانتفاضات الوطنية في العراق انتفاضة آل أزيرج سنة 1952

حميد حسون العكيلي
كانت علاقة  الإقطاعي بالفلاح في لواء العمارة علاقة سيئة جداً فقد استطاع الإقطاعيون،  ان يستحوذوا على قوت الفلاح وثمرة عمله، وان لا ينزلوه إلى أسفلِ مدارج  الفقر والإملاق فحسب وإنما، امتد نفوذهم أيضاً إلى مجلسِ النواب والأعيان  وسائر أجهزة الدولة ودوائرها المختلفة.


 فكان من الطبيعي جداً ان لا يجد الفلاح الذي أُوصدت امامهُ كل الطرق لتخفيفِ الظلم عنه والحصول على بعضٍ من حقوقهِ المشروعة إلا الانتفاضة المسلحة ضد الإقطاعيين الظلمة الذين تجسد ظلمهم في كلِ مظاهر حياة الفلاح.
كان السبب الأهم لانتفاضةِ آل أزيرج، التي تفجرت في خريفِ العام 1952، هو التخلص من ظلمِ الإقطاعيين واستعبادهم للفلاحين، ولا يتم ذلك إلا بحصولِ الفلاحين على الأرضِ، الذي سمح قانون منح اللزمة رقم 42 لعام 1952، للفلاحين بالحصولِ عليها. وذلك عندما نص القانون المذكور على توزيع ما يحوز عليه الملتزمون الأولون (الإقطاعيون الكبار) على أبنائهم وأقاربهم والفلاحين، وعليه فقد طَمع بعض الفلاحين من سكنةِ قُرى السلام والهدام بالحصولِ على الأراضي، فشكلوا وفداً برئاسة حاتم مذكور أحد وجهاء فرع آل جبينه من آلِ أزيرج، لبحث ذلك مع الإقطاعي عبد الكريم الشواي الذي كان مساحة لزمته تقدر بـ 138  ألف دونم، غير انه استشاط غضباً عندما سمع مطلب الفلاحين العادل، فقام وضرب أحدهم بالخيزران، صارخاً بهم: لا أريد أي فلاح يتحدث عن توزيعِ الأراضي، وان الذي يتكلم بذلك فإن مصيره سيكون الموت.
لم يثنِ تهديد الإقطاعي عبد الكريم الشواي الفلاحين من مواصلةِ مطالبتهم بحقوقهم العادلة  فشكلوا وفداً لمقابلة متصرف لواء العمارة مراد الشاوي، وقدموا عريضة ضمنوها مطلبهم الأساس وهو الحصول على الأرض طبقاً للقانون. قابلهم المتصرف بالوجوم والانزعاج، وقال لهم : "لا يحق لكم قانوناً الامتناع عن دفع حصص الشيوخ من المحاصيل الزراعية، وثانياً ليس من مصلحتكم ان تزعجوا شيوخكم، هؤلاء زعماؤكم الحريصون على مصالحكم، وهم يحمونكم من اعتداءات العشائر الأُخرى، وفوق كل ذلك إنهم أعضاء في المجلس النيابي، يمثلون مصالحكم هناك الأمر الذي يزيد من قيمةِ عشيرتكم , وجعلها موضع الحسد من عشائرٍ أُخرى". رد عليه أحد أعضاء الوفد قائلاً :"نحن أيضاً في خدمةِ الحكومة، وأبناؤنا يخدمون في الجيشِ، ولنا حقً على الحكومةِ، التي يجب عليها ان تقف إلى جانبِ الحق والعدل ولا نريد منها أكثر من ذلك". على أي حال، لم يحصل وفد عشائر آل أزيرج على أي شيء من المتصرفِ.
أدى الموقف غير المسؤول الذي قابل به المتصرف الفلاحين المظلومين إلى تعاطفِ الكثير من إخوانهم معهم، فشكلوا وفداً أكبر من الوفدِ السابق وتوجهوا إلى بغداد لمقابلةِ رئيس الوزراء مصطفى العمري ،الذي كان يشغل منصب وزير الداخلية بالوكالةِ, لكنهُ رفض مقابلة الوفد، غير ان الوفد التقى بمستشارِ وزارة الداخلية البريطاني (دجيرن Degrain) الذي خاطبهم قائلاً : "عليكم ان تخدموا شيوخكم، ونحن لا نعمل إلا بما أتفق عليه آباؤكم".
لم يدخلُ اليأس إلى نفوسِ الوفد في المطالبة بحقوقهم، لذلك توجهوا صوب ديوان وزارة الزراعة لمقابلةِ وزيرها عبد الجبار الجلبي. استهل الحاج مونس آل رضيوي أبرز المتحدثين في الوفدِ حديثه مع الوزير بالقولِ، نحن عشائر آل أزيرج، غير محكومين، وان عشائرنا هي التي تحكُمنا، أما بالنسبة لشيوخنا سبب الشكوى فقد فُرضوا علينا من قبلِ البريطانيين، وان أراضينا تابعة للدولةِ، وعليه فإننا نطالبهم بتوزيع الأراضي على الفلاحين، ونتعهد بأن نسدد ضريبة الأرض للحكومةِ. رد الوزير المذكور على ذلك، بأن الشيوخ منكم وفيكم، وإن اعتماد الدولة عليهم، وانها سوف توصي الإقطاعيين ان يهتموا بشؤونِ الفلاحين وان يعاملوهم بالحسنى. رأى الحاج مونس ان الفرصة مؤاتية فأخذ يشرح أنواع الظلم والتعسف الذي يلاقيه الفلاحون من الإقطاعيين في لواءِ العمارة بشكل معروف مما أثار انزعاج الوزير، الذي أنهى المقابلة بقولهِ :" لا أسمح بهذا الكلام عن الإقطاعيين". لا تخلوا من مغزى ان أخبار الوفد الفلاحي ومقابلاته وجدت لها أصداء في الهوسات والأهازيج الشعبية في منطقة الهدام وأم اكعيدة.
تحولت أم كعيدة، التي كان يسكنها الإقطاعي مطلك السلمان, إلى أهم بؤر تحرك الفلاحين بفضل تحركات الحاج مونس وولديه فاخر ورزاق، بعد سلسلة من التطورات لم يجد الفلاحون من عشائرِ آل أزيرج في أم كعيدة والهدام والسلام بداً من رفع السلاح والخروج عن طاعةِ الإقطاعيين عبد الكريم الشواي ومطلك السلمان، وامتنعوا عن دفعِ أي  شيء لهم لأن الأرض أرض أميرية ليست ملكاً لأحد. أرسل الشيخ مطلك السلمان جلاوزتهِ لردعِ الفلاحين الثائرين باستخدامِ الرصاص ضدهم غير ان ذلك لم يفت من عَضدِ الفلاحين الذين حصلوا على تأييد العديد من القرى التي انضمت للانتفاضة، ومما يستحق الذكر هنا, ان فلاحاً طاعناً في السنِ وقف أمام كوخه، وكلهُ فخر واعتزاز بما قام به اخوانه الفلاحون بوجه الإقطاع صادحاً بإهزوجه ظلت عالقة بأذهانِ الكثيرين من الفلاحين (برة الشيخة السلطانية، تحيا الشيخة السبطانية) معيداً إلى الأذهانِ أمجاد فلاحي آل أزيرج في مقاومتهم للعثمانيين وترديدهم هذه الإهزوجة، التي تعني رفض الخضوع للزعامة العثمانية، والتمسك بالزعامة المنبثقة من بين صفوفهم أي الزعامة الأبوية.
كان من الطبيعي جداً ان يتحرك الإقطاعي مطلك السلمان، الذي عَد الانتفاضة الفلاحية موضوع البحث، تهديداً خطيراً لمصالحهِ ونفوذه ووجوده كإقطاعي، فقام بزيارة كبار الإقطاعيين المجاورين لمقاطعاتهِ محذراً إياهم من انتقالِ عدوى الانتفاضة الفلاحية إلى فلاحيهم بقولهِ " إذا تغدوا الفلاحون بيّ اليوم،  سيتعشون بيكم"، المهم انه ألب العديد من الإقطاعيين ضد انتفاضة فلاحي آل أزيرج، ونجح في نهايةِ المطاف من إرسالِ قوة من شرطةِ سيارة العمارة بقيادةِ الضابط حسين فوزي يعاونه القائد العسكري عزرا ورده إلى المناطق الثائرة.
بعد فشل المفاوضات التي أجرتها القوة العسكرية مع ممثلي الفلاحين، بدأ هجوم الشرطة في صباح يوم 18 تشرين الأول 1952 على مركز تجمع الفلاحين في نهر الرفيش، قاوم الفلاحون المنتفضون الهجوم على الرغم من عدمِ تكافؤ القوة بين الجانبين، وقدموا خمسة شهداء وعدد أكبر من ذلك من الجرحى. وما ان حل ظهر ذلك اليوم حتى أنجلى الموقف عند دخول الشرطة معظم المناطق المنتفضة وإخمادها.
ظن إقطاعيو آل أزيرج بأنهم انتصروا على هذه الانتفاضة موضوع البحث، التي تحولت بفعلِ قانون تراكم التطورات والأحداث العامودي إلى واحدة من مقدمات ثورة 14 تموز التي اقتلعت الإقطاع اقتلاعاً نهائياً . لا نبالغ إذا ما ثبتنا هنا، ان انتفاضة آل أزيرج قد تردد صداها في الأوساطِ الشعبية في العراقِ. فقد رَفعت إحدى مظاهرات بغداد هتافا عالياً "عاشت انتفاضة آل أزيرج، وليسقط الإقطاع". وتضامن عمال الميكانيك في بغداد مع فلاحي آل أزيرج من خلال برقية أرسلوها إلى جريدة "الجبهة الشعبية"، ضمنوها إدانتهم ورفضهم للأساليبِ الوحشية التي أُستخدمت ضد الفلاحين، وطالبوا في الوقتِ نفسه بتوزيعِ الأراضي على الفلاحين. وفي الوقت نفسه تلقت جريدة "الجبهة الشعبية" رسالة من أهالي النجف استهجنوا فيها معاملة الإقطاع للفلاحين والموقف المزري للحكومةِ من الإقطاعِ . معلنين تأييدهم الكامل لفلاحي العمارة، مطالبين سحب قواة الشرطة من مناطقِ آل أزيرج، وإطلاق سراح جميع الموقوفين.
كما أثارت أنتفاضة آل أزيرج ، الذين لم يعملوا شيئاً سوى مطالبتهم بحقوقهم المشروعة، الكثير من المحامين فرفعوا طلباً إلى الحكومةِ، طالبوا فيه بتوزيعِ الأراضي على الفلاحين وإلغاء قانون اللزمة الذي عزز كثيراً من سلطةِ الإقطاع، وطالبوا أيضاً بإطلاقِ سراح الموقوفين وسحب قوات الشرطة وإعادة النازحين إلى أراضيهم.
الغريب حقاً ان الحكومة العراقية نفت ان تكون هناك انتفاضة فلاحية في مناطقِ عشيرة آل أزيرج، وزعمت في بيانها الذي أعلنته مديرية الدعاية العامة، بأن هناك حادثة سرقة كمية من الشلب، فأصدرت المحكمة قرارها بإلقاءِ القبض على السارقين، وعندما حاولت الشرطة تنفيذ أمر القضاء حصل صدام بين الطرفين، سقطت على اثره ثلاثة قتلى وأربعة جرحى بينهم شرطي واحد.
يلحُ علينا القول هنا، ان إقطاعيي آل أزيرج ولئن حاولوا الانتقام من الفلاحين المنتفضين، من خلال سجن البعض منهم، واستخدام البعض الآخر في أعمالِ السخرة مدة أطول لكنهم في نهايةِ الأمر حاولوا ارضاء أولئك الفلاحين, لاسيما في أم كعيدة وباب الهوا وأم عصيبة وأبو نعيجة في تقسيمِ الحاصل بطريقةٍ فيها شيءُّ من العدالةِ. وان الإقطاعي فهد المهاوي قَبل بأن يعطي فلاحي الخُمس ثلثي الحاصل.
عن رسالة (علاقة الإقطاعي بالفلاح
 في العراق 1932- 1958)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية