العدد(4527) الاثنين 14/10/2019       في ذكرى تأسيس الاتحاد العراقي لكرة القدم سنة 1948       في ذكرى رحيلها في 9 تشرين الاول 2007..نزيهة الدليمي وسنوات الدراسة في الكلية الطبية       من معالم بغداد المعمارية الجميلة .. قصور الكيلاني والزهور والحريم       من تاريخ كربلاء.. وثبة 1948 في المدينة المقدسة       من تاريخ البصرة الحديث.. هكذا تأسست جامعة البصرة وكلياتها       مكتبة عامة في بغداد في القرن التاسع عشر       في قصر الرحاب سنة 1946..وجها لوجه مع ام كلثوم       العدد (4525) الخميس 10/10/2019 (عز الدين مصطفى رسول 1934 - 2019)       العدد (4524) الاربعاء 09/10/2019 (سارتر والحرية)    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :20
من الضيوف : 20
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27991150
عدد الزيارات اليوم : 7403
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


تذكروا "مجلس الإعمار" في العهد الملكي

رشيد الخيّون
بعد التاسع مِن  أبريل 2003 بدت البنية الاقتصادية والعمرانية، وهي التي تقوم عليها الحياة  كافة، هشة بل معدمة في أكثر النَّواحي، والسبب يعود إلى سنوات الحصار  العجاف، والسياسة العسكراتية المدمرة، وما أسفر عن الحرب العِراقية  الإيرانية ثم غزو الكويت، وما استكمله الفساد المالي والتردي الإداري  والانحطاط العلمي والأكاديمي، ودعم الجهل في مختلف مناحي الحياة في ما بعد.


كم يحتاج العِراق إلى العمران المنقذ مِن العشوائية، التي سادت؟، وبطبيعة الحال لا يُنجز العمران إلا أصحاب الكفاءات العلمية والحرفية، أي حكومة التكنوقراط (الفنيون)، ففي زمن البناء الحاجة إلى هؤلاء لا إلى المناضلين المجاهدين كما هو زمن المعارضة التي تعتمد العشوائية بلا حرج، وهو الفرق بين الهدم والبناء. قد يستطيع المناضل المجاهد هدم السلطة لكن بناء سلطة جديدة أمر مختلف، وما حصل أن مرافق مختصة بالعمران وإعادة البنية التحتية سُلمت حسب الخدمة الجهادية، والولاء الحزبي، لا حسب الخبرة والحرفة.
لدى العِراق تجربة رائدة في مجال الإعمار، ألا وهي "مجلس الإعمار" في العهد الملكي، شُرع قانون هذا المجلس مِن قِبل المجلس النيابي في 25 أبريل 1950، وبمقترح من وزارة توفيق السويدي (ت 1968)، أما المقترح فجاء مِن وزير المالية آنذاك عبد الكريم الأُزري (ت 2010)، وهو الذي قدم لائحة المشروع على اعتباره وزيراً للمالية وهو صاحب الفكرة (الأُزري، تاريخ في ذكريات العِراق(.
أما رئيس الوزراء فلم يطنب عند هذا المشروع الريادي سوى كلمة مقتضبة جاء فيها: "ومِن الأعمال المهمة التي قمنا بها في وزارتي تشريع قانون مجلس الإعمار، الذي أكملناه على خير وجه عملي ومقبول، وقد صار مجلس الإعمار المذكور بعد مباشرة أعماله في سنة 1952-1953 مضرب المثل في الجد والتَّنظيم والتَّقدم العمراني في الشرق العربي" (السُّويدي، مذكرتي) .
تأسس مجلس الإعمار كمؤسسة كبرى مسؤولة عن تصميم وتنفيذ المشاريع العُمرانية، مِن مشاريع الرَّي والصناعة والبناء وغيرها، ونص قانون المجلس على تخصيص إيرادات النِّفط كلها لمشاريع الإعمار، ثم صدر قانون بعد ذلك، أي في وزارة نوري السَّعيد (قُتل 1958)، التي أعقبت وزارة السويدي خفض مخصص المجلس إلى الـ 70 في المئة مِن إيرادات النِّفط، والـ 30 في المئة الأخرى تذهب إلى الخزينة العامة لتسديد شؤون الدَّولة.
وقد بلغت حصة الإعمار مِن إيرادات النَّفط 1952 (22 مليوناً و233 ألفاً و588 ديناراً)، وارتفع المبلغ عام 1953 إلى (34 مليوناً و823 ألفاً و438 يناراً)، وبلغ في 1954 (38 مليوناً و752 ألف دينار)، ثم وصل في عام 1955 إلى (42 مليوناً و308 آلاف دينار) مع علمنا أن الدينار العِراقي كان يُعادل حوالى ثلاثة دولارات أميركية (عن الأُزري، تاريخ في ذكريات العِراق) ..
قلنا كان مجلس الإعمار يقوم بمهام التصميم والتنفيذ، وهو في تلك المهام يعتمد على الخبرات المحلية والأجنبية، ويجمع بين المراكز السياسية، لتسيير خططه، والمراكز المهنية مِن أهل الخبرة الأعلمية في شؤون التخطيط والتنفيذ، وكان مرتبطاً بمجلس الوزراء، ورئيس الوزراء رئيساً، وعضوية وزير المالية، وشخصيات ممَن لهم دراية بالمال والاقتصاد، وتضمن المجلس عضواً فنياً بريطانياً وآخر أميركياً، أحدهما ذو خبرة في الشُّؤون المالية، والثاني كان مهندساً في شؤون الرَّي.
وكان وزير المالية عبد الكريم الأُزري قد رشّحَ لمجلس الإعمار مِن أهل الاختصاص، وهم خريجو أرقى الجامعات العالمية، وبينهم وزراء سابقون للاقتصاد والمالية. لكن هناك مَن حاول تغليب المناصب السياسية أو موازنتها مع المؤهلات العلمية، ومع ذلك لم يحدث شرخ كبير فقد اعتمدت الخبرة وإمكانية استيعاب الحضارة العلمية واتقان لغة أجنبية، فالتعامل سيكون مع مؤسسات عالمية غربية.
كان يُراد لمجلس الإعمار أن يكون فوق الوزرات، وأنها تأخذ منه توصيات التصميم والتَّنفيذ، وهو يشرف على أدائها في مجال الإعمار، ووضعت له قوانين تحدد مهامه، وتحد مِن التدخل في شؤونه، لكن بعد فترة نشأت وزارة تحت عنوان وزارة الإعمار حسب قانون رقم 37 لسنة 1953، مع وجود مجلس الإعمار، وهناك تنازلت وظيفته إلى مستوى الوزارة، أو أخذت الأزدواجية طريقها إليه، وصارت كبقية الوزارات، لا جهة عليا مسؤولة عن الإعمار.
أخذ المجلس يكلف شركات استشارية دولية حسب الاختصاص كشركة عن شبكة الرَّي وإصلاح الأنهار، وأخرى عن إنشاء مصنع للإسمنت، وظهرت جهود المجلس بما يسمى بأسبوع الإعمار، وهو ما يمر أسبوع إلا ووضع حجر الأساس لمشروع عمراني، أو افتتاح مشروع قد اكتمل، ويحضر الافتتاح عادة الملك أو مَن ينوب عنه.
ومِن الشؤون التي في متناول المجلس تحديد استثمار الأموال في الاقتصاد العراقي، وتحديد السِّياسة المالية والاقتصادية. كانت الفكرة مِن تأسيس هذا المجلس، إضافة إلى شأنه في التصميم والتنفيذ، هو أن المؤسسات الدولية، ومنها البنك الدولي، لا يُقدم القروض إلى الدولة العراقية بعذر عدم وجود جهة مسؤولة عن صرفها لشأن الإعمار، فالجهات متعددة والفساد يستشري عادة في مثل تلك الأحوال، وبوجود مجلس يعلن عن خططه في التصميم والتنفيذ تكون المؤسسات المالية الدولية مطمئنة على ديونها.
لسنا بحاجة إلى التّذكير بأن العهد الملكي ليس عهداً مثالياً، لكن لا يستحق مجلس الإعمار ما كُتب وأشيع ضده لأغراض سياسية، وربما كان هذا المجلس مِن فضائل ذلك العهد، وتجربة رائدة على المتأخرين الأخذ بها، وبما أن تعامله مع الأموال فلابد من اختيار أهل النَّزاهة والعفة له، وليس مِن حق القائمين على مثل تلك المجالس أن يجمعوا بين التجارة والوظيفة.
ولحد الآن لم تتوقف التجارات ولا العمل في العقارات، بل أخذت تتكاثف وتتوسع، بينما نجد أن الأزري يوم رُشح لوزارة المالية، ثم عضوية مجلس الإعمار، استدعى المدير العام لدائرة الأموال المستوردة ناظم الزَّهاوي (ت 1964)، وسلمه إجازات الاستيراد التي تقدم بها لما كان تاجراً، وطلب إلغاءها حال تسلم مهام وزارة المالية (تاريخ في ذكريات العِراق). على أية حال، تلك تجربة رائدة، حاولها رجال لهم و عليهم، لا يصلح لإنجاحها غير نزيه صاحب خبرة، تتدبرونها أو مثلها.

عن/ الشرق الاوسط



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية