العدد(4512) الاثنين 23/09/2019 (عدد خاص عن مجلس الإعمار في العهد الملكي)       شيء عن مجلس الاعمار.. عندما اصبح العراق ورشة عمل كبيرة       تذكروا "مجلس الإعمار" في العهد الملكي       صراع بريطاني ـــ امريكي في مجلس الاعمار في الخمسينيات       متى تأسس مجلس الإعمار وما هي مشاريعه؟       مجلس الاعمار وتطور العراق في الخمسينيات       مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق       أسابيع مجلس الاعمار الثلاثة.. صفحة عراقية لامعة       العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :34
من الضيوف : 34
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27402811
عدد الزيارات اليوم : 11512
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


مصطفى جواد وتسييس اللغة

د . مالك المطلبي
لأن مصطفى  جواد معني بمفاجأة متلقّيه بما هو مميّز وجديد، سواء أكان ذلك على صعيد  انتقاء المادة أم على صعيد أسلبتها”وضعها في اسلوب ما “، فإنه يعمد دائماً  إذا ما ووجه بالتكرار أن يمنحه إطاراً خاصّاً يجعل السامع، الذي مرّ عليه  الموضوع ذاته، وكأنه بإزاء موضوع آخر لم يطرق سمعه من قبل! هذه المناورة  الأدائية هي إحدى مميزات مصطفى جواد.


 وعنها صدر برنامجه الإذاعي الشهير”قُل ولا تقل “ وكان هدفه في الظاهر، هو مواجهة الأخطاء والانحرافات في اللسان اللغوي المعاصر بعد ان نسجت اللغات المهاجمة طبقة فوقها.

غير أن الذي ينعم النظر في هذه الظاهرة”قل ولا تقل “ يجد أن هناك ما هو أبعد من هذا:
إنه ما يتصل بما يعرف بمنهج علم اللغة المستوى البراغماتي pragmatics. وهذا المستوى معني لا باللغة بل بتداولها:
من يتكلم ومن يسمع، وما القوانين اللغوية المتحكمة بالسلوك اللغوي، ما القناة الناقلة، وما السياق المحيط. والأعراف التي تكون المتلقي...؟ الخ.
***
من هذا المنطلق، انتقل مصطفى جواد بالمحاضرة التعليمية الى المحاضرة الاعلامية واختار القناة الأوسع انتشاراً آنذاك وهي الإذاعة.
هذا ما أسميّه بتسييّس اللغة العربية الفصيحة، بجعلها جزءاً من المحكومين، بعد أن كانت جزءاً من النخبة الحاكمة”التي تحكم في اروقة الجامعات “ ولاتتجاوز اسوارها.
أدرك مصطفى جواد أن الرسالة اللغوية الفصيحة لا يمكن قبولها خارج موضعها المحدد”وهو أقسام اللغة العربية “ وحتى في هذا الموضع تُسمع الثنائية اللغوية”العامية / الفصيحة “ بوضوح. فإذا تجاوزت هذه الرسالة صندوق بريدها الى صندوق آخر، أثارت موجة من السخرية العارمة. ومن المؤكّد، على حسب معرفتنا بالرجل، أنه كان على وعي تام بأن مبعث السخرية متأت من التقاطع بين عقدين مختلفين أحدهما ينص على تداول عاميّ والآخر على تداول فصيح، وإحلال أحدهما محلّ الأخر يثير موجة من الاستغراب والدهشة والسخرية ويشبه هذا الآخر أن يدخل أستاذ الجامعة على صهوة حصان الحرم الجامعي، لأن العقد”غير المكتوب، وانما تحدده الاعراف اللاواعية المستندة الى العادة “ يتطلب أن يدخل الاستاذ الجامعي بوساطة سيارة أو راجلاً.
 هذه اللغة العربية الفصيحة، لغة عقيدتنا ومجازنا وإبداعنا وتراثنا، وقبل كل ذلك معجزة نبينا، هل جرّبت أن تتداول بها أفكارك وحاجاتك في الشارع مثلاً؟ كأن تقول لصاحب التاكسي.
- من فضلك، أبغي النزول في المنعطف الثاني من على يسارك!
جرب ولسوف ترى أن السائق سيصاب اول الامر باستفزاز ما، ثم سيحاول تحديد هذا الكائن في إطار ثقافي واجتماعي معينين، إطار يتسم بالعزلة. وربما سيصمت. وربما سيقول: ماذا قلت؟
أدرك مصطفى جواد كل هذا، فماذا فعل ليخرق قانون التواصل اللغوي المبني على ثنائية النطق والكتابة؟
من ناحية إجرائية نقل”الرسالة “ من المتكلم”الفصيح “ وجعلها جزءاً من وظائف التداول لدى السامع”العامي “ وكما يقال جعل الكرة في ملعب السامع اينما كان: في الشارع والبيت والسوق والمقهى... الخ أي إنه نقل الرسالة الفصيحة من مركز التداول النخبوي الى الاطراف الشعبية.
ومن ناحية الأداة، استخدم قناة صوتية تتصل بالسمع، وهي القناة التي لا تعرف اللغة سواها لأن اللغة المكتوبة ليست سوى رسم للغة وليست اللغة ذاتها ومن ناحية الاسلوب استخدم صوتاً ذا نغمة،مشتقة من نغمته الطبيعية، متكلفة بعض الشيء، من جراء لعبهِ بحروف المدّ ووضع ذلك في إطار أسلوب ساخر.
ومن ناحية المضمون اختار مواقع تداول يومية كالمتحف والشطيرة”اللفّة “ والصيدلية … الخ
***
وصلت الرسالة! كان حديث البغداديين خاصة والعراقيين عامة، هو مسكوكة مصطفى جواد: قل ولا تقل. وذلك هو المعنى السياسي للرسالة. لقد نجح نجاحاً منقطع النظير. كان على لسان كل مخلوق في الطبقات الشعبية المسحوقة خاصة: العمال والجنود وسائقي التاكسي وبائعي الخضروات … الخ وقد وصل الى سوق هرج”سوق اللصوص التاريخيين في بغداد إذ سمعت شخصياً، وكنت بصحبة الراحل القاص موسى كريدي، أحد بائعي الملابس المستخدمة”المعروفة في اللغة الدارجة باللنكات “ يقول وهو ينادي على بضاعته”قل ملابس عتيقة ولا تقل لنكات!! “ محاولاً تقليد صوت الدكتور مصطفى جواد.
ولعلَّ أهم ما أحدثته رسالة”قل ولا تقل “ في المجتمع البغدادي هو أنها صارت جزءاً من المخيّلة الشعبية، التي سعت الى بناء قصص ومواقف خيالية بطلها دائماًَ مصطفى جواد وأحد المنسوبين الى الطبقات السفلى!
وأختم هذه العجالة بطرفة جرت لي مع الدكتور مصطفى جواد”رحمه الله “ وكنت وقتها في الصف الاول في كلية الآداب وكانت الحصة هي حصة”كتاب قديم “ وعادة ما نكون في مكتبة الكلية لتدريبنا على استعمال المصادر والمراجع فإذا بي ألمح الدكتور مصطفى جواد يبحث هو الاخر في مسرد index المصادر والمراجع فتقدمت منه وسألته في مسألةٍ سألنا أحد أساتذتنا عَنها وحرنا في جوابها. وضَن علينا هو بالجواب!
ـ دكتور لم صرفنا صفة أول في قولنا يقسم الموضوع الى ثلاثة أقسام
أولاً
ثانياً
ثالثاً
وحكمها ألا تصرف لعارضي الوزن والوصف؟
فأغمض عينيه، وحلقة الطلاب تزداد حوله ليقول بأدائه المميز:
ـ أول الأمر قل يقسم الموضوع على ثلاثة أقسام ولا تقل الى ثلاثة أقسام..
فأصابتنا الدهشة، وظل بعضنا يتأمل بعضا وإذا بصوته يبدد حيرتنا، فيقول بخليط من العامية والفصيحة:
”عندك شي اتقسمه إليهم لو عليهم؟ “
فأجاب أكثرنا”انقسمَه عليهم “
فأردف:”عال: القسمة على!
أمّا القول اولاً فهذا مما لا تعهده اللغة العربية الفصيحة، وربما انتقل اليها من قول الأعاجم Firstly!
وإنما القول يقسم الموضوع على ثلاثة أقسام أولها وثانيها وثالثها... الخ “
***
ظل هذا اللقاء عالقاً في ذاكرتي حتى يومنا هذا غير أني اكتشفت بعد ان تخصصت في علم اللغة العربية ومناهج علم اللغة الحديثة ان المرحوم استاذنا كان مهتماً بالتركيب والدلالة غير معير ايقاع اللغة اهتماما يذكر ولهذا كنت بعد ذلك افسر ورود اولاً وثانياً وثالثاً تفسيراً مرده الى التناغم الايقاعي الذي تطلبته ثانياً وثالثاً... الخ.
وهو ما يسمى بالايقاع المتقدم وفي القرآن الكريم.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية