العدد(4512) الاثنين 23/09/2019 (عدد خاص عن مجلس الإعمار في العهد الملكي)       شيء عن مجلس الاعمار.. عندما اصبح العراق ورشة عمل كبيرة       تذكروا "مجلس الإعمار" في العهد الملكي       صراع بريطاني ـــ امريكي في مجلس الاعمار في الخمسينيات       متى تأسس مجلس الإعمار وما هي مشاريعه؟       مجلس الاعمار وتطور العراق في الخمسينيات       مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق       أسابيع مجلس الاعمار الثلاثة.. صفحة عراقية لامعة       العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :38
من الضيوف : 38
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27402735
عدد الزيارات اليوم : 11436
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


في العشرينيات كتاب الكيمياء واضراب طلاب الثانوية المركزية

خنساء زكي شمس الدين
في عام  1928 حين ألف عبد المحسن السعدون وزارته الثالثة في 14 كانون الثاني من  العام نفسه، اسند وزارة المعارف إلى توفيق السويدي، الذي بدوره قرر اعادة  النظر بالمناهج الدراسية للدراستين الابتدائية والثانوية، فاصدر قانون  المعارف، رقم (28) لعام 1929، وانظمة المدارس والامتحانات العامة، وتألف  قانون المعارف العام من (38) مادة وزعت على ثمانية فصول،


 وبموجب القانون الجديد اصبحت مدة الدراسة الثانوية خمس سنوات بدلاً من اربع سنوات وقسمت إلى مرحلتين متوسطة ومدة الدراسة فيها ثلاث سنوات، تنتهي بامتحان عام (البكلوريا) واعدادية ومدة الدراسة فيها سنتان موزعة على فرعين علمي وادبي، ويطلق على المدرسة التي تضم صفوفاً متوسطة واعدادية في بناية واحدة تحت ادارة واحدة (المدرسة الثانوية الكاملة) ، مثال على ذلك المدرسة الثانوية المركزية في بغداد، ونتيجة لتلك التغيرات التي حصلت في مدة الدراسة الثانوية، صدر منهج مؤقت عام 1929 ليحل محل المنهج القديم الذي صدر لاول مرة عام 1926.
كما قامت وزارة المعارف بتشكيل لجنة علمية في عام 1929 غرضها ترجمة المصطلحات ، ووضع اسماء حديثة للمصطلحات والمسميات، من اجل التخلص من الجمل والمفردات المستخدمة من مخلفات اللغة والثقافة التركية، إلاَّ أَنَّ اللجنة لم يكتب لها الاستمرار بسبب العراقيل والمشاكل التي واجهتها من بعض الموظفين المسؤولين في وزارة المعارف، مما اثر في عملها وادى الى توقفها. الا ان وزارة المعارف اعادت النظر مرة اخرى في موضوع تاليف تلك اللجنة وذلك في عام 1938 حين عهدت بدراسته إلى مكتب الشؤون الفنية في وزارة المعارف من اجل انشاء مجمع علمي على غرار المجاميع العلمية في العالم والبلدان العربية وان يكون مستقلا عن وزارة المعارف الا ان الاخيرة اعترضت عليه بسبب قلة المخصصات المالية للوزارة فاصبح في طي النيسان.
أما المنهج الجديد فقد أضيفت اليه لغات جديدة، فضلاً عن اللغة الانكليزية، كاللغة الالمانية واللغة الفرنسية وجرى تطبيقه في الثانوية المركزية، إلى جانب اللغة الانكليزية واعتباراً من العام الدراسي 1929. كما قررت وزارة المعارف تدريس مادة الكيمياء في السنتين الاخيرتين في المدرسة الثانوية المركزية ببغداد باللغة الانكليزية وكانت تبريرات الوزارة في تدريس الكيمياء باللغة الانكليزية، إن ذلك يساعد الطلاب على اتقان اللغة الانكليزية التي تساعدهم على اكمال دراستهم العالية في الجامعات الاوربية والامريكية  ورغم منطقية هذا القرار الذي اقترحه من قبل المستر سمث، عندما طلب اتخاذ اللغة الانكليزية، لغة رسمية في المدارس الثانوية واستعمالها في تدريس العلوم الطبيعية الانكليزية لكن طلبه لم يلق الترحيب في بداية الامر من الاوساط التعليمية وظل مهملاً في وزارة المعارف لحين مجيء خالد سليمان وزيرا للمعارف، اذ لقي ذلك الاقتراح تربة خصبة، فوافقت وزارة المعارف على تدريس الكيمياء باللغة الانكليزية.
وقد اثار ذلك الامر ضجة كبيرة في الثانوية المركزية ولم يلق الاستجابة المطلوبة حتى أَنَّ تقرير الحكومة البريطانية المرفوع إلى عصبة الامم عام 1929 اشار إلى ذلك الموضوع حيث جاء فيه: ((إن تجربة تعلم قسم من الكيمياء في السنتين الاخيرتين باللغة الانكليزية، وبالرغم من تصديق مجلس الوزراء على ذلك، لم تسلم هذ التجربة من اصحاب الدعاية وحتى من مساع مبذولة لتنظيم اعتصام في المدرسة...)).
رفع طلاب الثانوية المركزية في 25 تشرين الأول 1930 عريضة إلى وزير المعارف خالد سليمان، طالبوا فيها ايجاد حل لتلك المسألة ، ومما جاء في تلك العريضة قولهم ((إن وزارة المعارف كانت قد قررت في العام الماضية 1929-1930 تدريس الكيمياء باللغة الانكليزية، فقبلناها بادئ الامر إذ لم يكن من الممكن أَنَّ نقول شيئا فيها ونحن لم نقف على اضرارها الفادحة، فردية كانت ام عمومية فدرسناها مدة غير قليلة، وكانت دراستنا عن كره منا، حتى بدات الصعوبة تتجلى اثناء الدرس، فرفعنا الامر اليكم فامهلتونا اولا، ثم كررنا الطلب فجاء الجواب، إن المدة التي مرت عليكم في دراسة الكيمياء، غير قابلة لصحة التجربة فسلمنا، وها قد مضت عام على التجربة وسعادتكم قد لمستم الفشل الذي ظهرت في نتائج الامتحانات، على الرغم من المساعدات التي قام بها حضرات المدرسين ونحن اليوم نعاني اشد الصعوبات في دراستها زيادة على ذلك ضاع الوقت بدون جدوى)).
وأضافوا في عريضتهم تلك قولهم: ((أنتم تعلمون اننا مكلفون بدراسة علوم عديدة كل منها قائم بنفسه، واللغة الانكليزية احدى هذه العلوم القائمة بنفسها، فلا يكون والحالة هذه أَنَّ تصبح اللغة الانكليزية، لغة تدرس فيها العلوم واذا احتججتم علينا لضعفنا في هذه اللغة فيمكنكم أَنَّ تسدوا هذا الخلل من ناحية اخرى، واننا نرجو أَنَّ يجد طلبنا هذا عندكم قبولاً)).
وقد أيد مطالب الطلاب مدرسو الكيمياء انفسهم حيث اعترضوا على المنهج الجديد ولم يستطيعوا اكماله، بسبب صعوبة فهم الموضوع باللغة الانكليزية ونتيجة لتلك الاعتراضات والضغوط كتبت وزارة المعارف إلى سكرتارية مجلس الوزراء في 23 تشرين الثاني 1930، تطلب الموافقة للسماح لها بتقسيم الصفين الاخيرين من المدرسة الثانوية المركزية، إلى قسمين في درس الكيمياء، قسم يدرس الكيمياء باللغة العربية والاخر يدرسها باللغة الانكليزية، مع ترك الخيار للطلبة في الانتساب إلى احد القسمين أو الاختيارين.
واجهت خطوة الوزارة انتقادات عنيفة في الصحافة وتذمر القسم الكبير من الطلاب خاصة بعد أَنَّ علقت ادارة المدرسة على لوحة اعلانات المدرسة، دعوة موجهة إلى طلبة الصف الرابع العلمي تدعوهم لشراء كتاب الكيمياء العملية (Practical Chemistery) من مكتبة (مكنزي) في شارع الرشيد، وان تدريس دروس الكيمياء سيكون بموجب مفردات ذلك الكتاب الذي سيتولى تدريسه الاستاذ تحسين ابراهيم مدرس الكيمياء في الثانوية المركزية.
رفض طلاب الفرع العلمي مضمون الاعلان وتمردوا على امر الادارة وامتنعوا عن دخول قاعات الدروس ومن بين الطلاب الذين احتجوا وتمردوا على ذلك الامر كل من كمال السامرائي (الطبيب المعروف) وعبد الجبار عبد الله (أول رئيس لجامعة بغداد) واخرون ، فرفع مدير المدرسة (سعيد فهيم) ، تقريراً بما حدث إلى وزارة المعارف التي بدورها سارعت واوفدت سكرتير الوزير (طالب مشتاق) الذي كان سابقاً مديراً للمدرسة ليطلع على طبيعة الاوضاع، ويقنع الطلاب بالعدول عن قرارهم، فاجتمع الطلاب والمدرسون في قاعة المدرسة، ووقف (طالب مشتاق) أمام الطلاب قائلاً: ((الاضراب لاي سبب حق مشروع، ولكنه من غير المنطق أَنَّ يكون ذلك على حساب التعلم)).
واضاف: ((اريد أَنَّ اعرف سبب رفضكم دراسة مواضيع الكيمياء باللغة الانكليزية وهذا ما جئت من أجله لأعرف السبب منكم مباشرة)).
فتعالت اصوات الطلبة، وتكلم عدد منهم ليبدي رأيه والاسباب التي دفعتهم للاحتجاج على ذلك، والجميع اجاب بان اللغة الانكليزية يصعب تعلمها، ويقصدون بذلك أَنَّ المادة العلمية لهذا الموضع صعب فهمها باللغة الانكليزية، وهكذا استمع طالب مشتاق إلى اراء عدد من الطلاب دون أَنَّ يقاطعهم.
اذن هذا سبب اضرابكم عن دخول قاعات درس الكيمياء يا اولادي؟
فاجاب الجميع بكلمة نعم يا استاذ، فصمت مكتفياً بالنظر اليهم، ثم قال بحسرة وبلهجة شعبية (يا حيف ووسفة) عليكم ياشباب، كنت اتوقع أَنَّ ترفضون دراسة الكيمياء باللغة الانكليزية أو أي لغة اخرى غير العربية، لحبكم واعتزازكم بالعربية لا لتخوفكم من اللغة الانكليزية ، واضاف قائلاً ((عيب على الشباب أَنَّ ينهزم وخاصة إذا كان ذلك التحدي في ميدان العلم.. انه ليؤلمني أَنَّ اراكم بموقف لا تحسدون عليه ولا يدعوني إلى الفخر بكم إلاَّ دخولكم الصفوف الان، نعم الان وليس بعد هذه الدقائق)).
وبدلاً من الاجابة على استفساره انصرف الطلاب معلنين الاستسلام وعلى وجوههم علامات الخضوع والامتثال دون تعقيب، ليدخلوا الصف إذ كان بانتظارهم مدرس الكيمياء تحسين ابراهيم.
مع ذلك لم يتحقق النجاح لتلك التجربة حيث منيت تجربة تدريس الكيمياء باللغة الانكليزية بالفشل الكبير وذلك يعود إلى سببين : أولهما إن فهم الطلاب للغة، سيكون على حساب مادة الكيمياء ذاتها، وثانيهما موقف الصحافة والرأي العام السلبي من قرار الوزارة.

عن رسالة (الإعدادية المركزية للبنين  1919-1939–
دراسة تأريخية-)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية