مجلس الاعمار وتطور العراق في الخمسينيات       مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق       أسابيع مجلس الاعمار الثلاثة.. صفحة عراقية لامعة       العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين       من تاريخ شارع المتنبي.. ذكريات الكتبي الاول       مكتبات شارع السعدون ..ذكريات       كيف تأسست مكتبة الخلاني العامة؟       من مذكرات كتبي .. هكذا عرفت سوق الكتب       من تاريخ معارض الكتب ببغداد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :43
من الضيوف : 42
من الاعضاء : 1
عدد الزيارات : 27402444
عدد الزيارات اليوم : 11145
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


توماس مان: الموت سبب عظيم للحياة

لطفية الدليمي
  رواية هيرمان  هيسّه (الكريات الزجاجية) ورواية توماس مان (الموت في البندقية) كانتا  تحتلان مكانة أثيرة في مكتبتي، وهما الكتابان اللذان  بخلت بإعارتهما  إلى  الأصدقاء وكنت أخفيهما في درج  مع الكتب الأثيرة ; ، لكن عتمة الدرج- التي  أبعدت عنهما أيدي خاطفي الكتب من زوار مكتبتي -لم تنقذ الكتابين من نهم  كائنات أخرى لم أعهد فيها شغفا بالقراءة وعشقا لنوع محدد من الكتب، ولم  يخيل إلي في يوم  ما أن تختار الفئران ; عملين من روائع الأدب الألماني،


 ويبدو أن الفئران الذواقة توصلت بطريقة ما إلى اختيار بالغ الذكاء فأقامت وليمة ; لهضم (الكريات الزجاجية) التي عُدّت لدى الكثير من القراء من أصعب الأعمال الروائية هضما، ووجدت فيها هي ورواية (الموت في البندقية) متعة ميزتها عن الكتب الأخرى وقرضت أطراف الكتابين في وليمة ليل عندما ; خلا لها الجو حين مغادرتي البيت ; أثناء قصف بغداد في 1998وتسللت من الحديقة إلى المكتبة ،& تساءلت حينها: هل شاءت الفئران نقض  مفهوم توماس مان عن الجمال الذي عدّه الهدف الأسمى للعيش؟ أم تراها انتقدت وحشية الحضارات التي تقتل البشر لتداري انهيارها ؟ لا أحد يعلم كيف تفكر فئران المكتبات ولا نعلم كيف تختار مذاقات الكتب- تحت جحيم القصف - ; بهذه الدقة التي  ; تشكك ; في عشوائية اختيارها..وبقيت حادثة قضم الفئران لهذين الكتابين مثار تندر من قبل ; الأصدقاء وهم يرون الكتابين المنهوشين وقد ضاعت ملامح كثير من شخصيات الروايتين وتحولت الروايتان إلى عملين مختلفين يمكن أن يكونا مشروعين مغايرين لاعلاقة لهما بالروايتين الاصليتين ، حدث ذلك ; بمحض مصادفة عشوائية حكمتها ذائقة الفئران الغريبة التي ; أثبتت لنا أنها ; تحسن أختيار الأعمال الشهية .. 2 صدّر هيرمان هيسّه روايته  الكبيرة ; بقصيدة  حملت عنوان  (الكريات الزجاجية): (وتبدأ في وجداني لعبةُ أفكار، اهتممت بها منذ سنين، اسمُها "لعبة الكريات الزجاجية " هيكلها الموسيقى، وأساسها التأمل.) بنى هيرمان هيسه روايته العظيمة بناء سيمفونياً في قلعة كاستاليا قل نظيره في الأدب المعاصر، ويمكن أن نعدّها كتابا في الفلسفة وتاريخ الثقافة والتاريخ والحكمة، و أولاً وقبل كل شيء هي كتاب عن عظمة الموسيقى والعصر الكلاسيكي برمته ، تناول فيه الكاتب ثقافة العصر بالنقد الدقيق والتقييم، ; و شرع في كتابتها قبل صعود النازية 1931 وأنهاها 1942، ولم تنشر في المانيا إلا سنة 1946 ;يقول على لسان إحدى شخصياته في رواية الكريات الزجاجية: (لو أخذنا الاستعداد المطمئن للموت، كما في أعمال باخ، فإننا نجد فيها دائمًا العناد والشجاعة أمام الموت، ونجد فيها الفروسية، ونغمة مِن ضحك فوق مستوى البشر، وإشراقًا خالدًا لا يموت. هذا ما ينبغي أن ينبض في لعبنا بالكريات، وينبض في حياتنا كلِّها، وينبض في ما نفعل وفي ما نعاني). 3 تنعى رواية (الموت في البندقية ; لتوماس مان ; عصراً كاملاً موشكاً على الغروب وتقدم لعهد أوروبي جديد هو عصر الآلة الذي طبع الحياة المعاصرة بلمسته المعدنية الباردة سواء في الفن والأدب والفكر والاقتصاد والسياسة،  وناقش توماس مان  مفهوم الفن والجمال  وعبادة بعض المثقفين البطِرين لهما ، بطله (آشنباخ) الذي يعاني من عقم إبداعي شل قدرته على التأليف الموسيقي ، يبدو ; اختياره للعيش في مدينة ( البندقية )التي ضربها الطاعون، تجسيداً حياً لطبقة أوروبية كاملة  متهاوية كانت تعتبر الجمال قيمة مقدسة لا يمكن المساومة عليها،  وسط عالم يتداعى بأفكاره ومفاهيمه ، وعندئذ يتحول الموت ; إلى حل  وحيد  حين تتغلب  الآيروسية على نزعات الروح ; وانحسارها  بالجمال الفاني  الذي يكابد البشر من أجل تخليده وبقائه ..يقول توماس مان  على لسان بطلته روزالي وهي تخاطب ابنتها في رواية( المخدوعة)   في تمجيده الفلسفي  للموت: (لا تنعت ِ الطبيعة بالخداع والقسوة. سأذهب الآن رغماً عني بعيداً عنكم وعن الحياة وربيعها. ولكن كيف سيكون الربيع بلا الموت؟ إن الموت سبب عظيم للحياة.!.). لقد بعثت لنا الفئران  برسالة ساخرة من حيرتنا أمام الموت  ومحاولة فلسفته وتفسيره  واختصرت لنا الفكرة :أن نتقبل الحياة والموت ونتمتع بالجمال والوجود دون هوس لتحليل ; معضلة الموت& ; أو البحث عن مضاداته في فكرة الخلود والشباب الخالد  التي استعصت على بطل الرواية عندما جف نبع الإبداع لديه بهيمنة عصر الصناعة والآلة ; وشيوع  النزعات العدمية بعد الحرب العالمية الأولى.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية