مجلس الاعمار وتطور العراق في الخمسينيات       مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق       أسابيع مجلس الاعمار الثلاثة.. صفحة عراقية لامعة       العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين       من تاريخ شارع المتنبي.. ذكريات الكتبي الاول       مكتبات شارع السعدون ..ذكريات       كيف تأسست مكتبة الخلاني العامة؟       من مذكرات كتبي .. هكذا عرفت سوق الكتب       من تاريخ معارض الكتب ببغداد    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :47
من الضيوف : 46
من الاعضاء : 1
عدد الزيارات : 27402456
عدد الزيارات اليوم : 11157
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من قتل كامل..؟؟

جمال العتّابي
«لم تكن رجلاً
كنت إنسانية
لم تمتشق قلماً، لم تمتشق بندقية
لم تمتشق إلا دمك
كان دمك مكشوفاً من قبل أن يسفك


ومن رآك رأى دمك
هو الوحيد الواضح، الوحيد الحقيقي»

محمود درويش / في رثاء غسان كنفاني


من قتل كامل ...؟؟! السؤال الذي لم أجد له جواباً في سجلات الشرطة العراقية، ولم يشهد القضاء جلسة محاكمة واحدة لمتهم، ولم يكشف عن مصير التحقيق في الجريمة، بل جرى عمداً إغلاق ملفها، وأسدل الستار عليه، ومرتكبو الجريمة أحرار طلقاء بعلم السياسيين والحكام وأجهزة السلطة، وسبق لمسؤولين أن أعلنوا جهاراً وعبر وسائل الإعلام، معرفتهم بالجناة، والجهات السياسية التي تحميهم وتقف وراءهم، وسخرتهم لهذا الفعل الدنيء، معروفة أيضاً لديهم.
الأعوام العشرة الماضية التي مضت بالتمام والكمال حافلة بالأحداث، وأنا لا أكف عن طرح الأسئلة، مثلما لا أكف عن محاولة التوصل إلى الأجوبة، فالقاتل عندي مكشوف الوجه، غير مقنع أو ملثم مثلما يراه شركاؤه، القاتل هو أبو جهل، لا أعني بالطبع ذلك الرجل المسمّى عمر بن هشام بن المغيرة المخزومي، المعروف بشدة عدائه للإسلام ونبيه، لذا كُني بهذا الاسم لقتله امرأة عجوزاً طعناً بالحرباء بسبب جهرها بالإسلام، فالرمز هنا إشارة وإيماء وتلميح لا للحدث التاريخي، إنما للجهل ذاته بما يتضمن من طاقة إيحائية تعبر عن التخلف عبر التاريخ، فقطعاً إن قرار تصفية كامل جرى في دهاليزه، وفي أقبية الظلام.
في دهاليز القتل التي تصنع الموت للفكر النير ودعاته، خمس سنوات من العمل المشترك في وزارة الثقافة العراقية كانت بالنسبة لي شخصياً، درساً في العفة والنزاهة والشعور العالي بالمسؤولية والانفتاح على العطاء الثقافي من مختلف موارده وتلويناته.
ظل السؤال يلح علي دائماً، من سيحمي كامل؟ الرصين، المتواضع، المؤدب، ثم صار السؤال من قتل كامل؟ غير أولئك الذين يغذون الاحتراب الطائفي والديني، لتعزيز امتيازاتهم، أولئك الذين يريدون عراقاً بلا نخب، بلا علماء ومفكرين من خميرة الإبداع.
في الذكرى العاشرة لاستشهاده، ونحن نقف زمن حداد على الثقافة، لم يعد الأسى كافياً في الكشف عن القتلة وتقديمهم للقصاص، فما يجري اليوم في العراق سيأخذنا إلى الدمار، فهل نحن مدركون لحجم الأخطار في ظل التردد والخوف والصمت، هل نحن مدركون سوء المصير؟ وملوك الطوائف ما زالوا يعبثون في البلاد.
فتاوى الجهل والتطرف والعصبية والطائفية هي التي اغتالت كامل، لأنها غير قادرة على الحوار معه، وترى في حرية العقل نهايتها، فلم يكن كامل من قادة الطوائف، ولا من أمراء السلاح، ولا يمتلك سيارة مظللة رباعية الدفع، ولا قصراً منيفاً أو رصيداً في بنك دولي! كامل كان يمتلك عقلاً فقط، وابتسامة تعلو وجهه الأسمر، يمتلك حضوراً لافتاً في الوسط الثقافي، متوحداً مع واقعه وشخوصه، يعيش تفاصيله ودقائقه، مكتنزاً بالحكايات، والقراءات والعلاقات الشفيفة الطافحة بالمثل والقيم النبيلة، كان كامل رجلاً يتقن تحريك الأجواء، بوعيه الفردي غير النقيض لوعيه الملتزم، محاوراً للجميع، ناقداً متسامحاً، مستكشفاً أفق المعارف صارماً في الحق حتى مع نفسه.
كامل... كل ماله وحلاله، إنه جزء من تاريخ بعيد، ينتمي فيه إلى تلك الحقبة التي بدأ خلالها ينهل من مصادر المعرفة، ورحابة الفكر في الفن والأدب والفلسفة والاجتماع، وإدراك حقيقة الصراع أنه صراع مستديم بين العقل والجهل، بين القبح والجمال. فأعتق نفسه من سلطة عالقة بالفساد والوهم والأكاذيب، ما أنتجه كامل لا يختزل مشروعه الفكري، ولا يعبر عن مجمل الآليات التي أنتجته، إذ تفرض علينا الدقة التمييز بينهما، مثلما تظهر الحاجة لإعادة قراءة كامل مرات عديدة، لأنه ساحر بكلماته، له أدواته الفكرية، وأسلوبه الممتع في الكتابة، برغم شحته في الكتابة، إلا أن هذا الشحيح كان مرثية كتبها كامل بنفسه في جدارية حوار مع الموت. كانت تمرينات أولى على الغياب.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية