العدد (4505) الخميس 12/09/2019 (مصطفى جواد 50 عاماً على الرحيل)       اللغوي الخالد مصطفى جواد..شرّع قوانين اللغة والنحو وصحح اللسان من أخطاء شائعة       قراءة في بعض تراث الدكتور مصطفى جواد       مصطفى جواد .. شهادات       مصطفى جواد وتسييس اللغة       مصطفى جواد البعيد عن السياسة .. القريب من العلم والعلماء       من وحي الذكريات.. في بيت الدكتور مصطفى جواد       طرائف من حياته..مصطفى جواد بين الملك فيصل الثاني وعبد الكريم قاسم       العدد(4504) الاثنين 09/09/2019       تسمية كربلاء واصلها    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :50
من الضيوف : 50
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27283489
عدد الزيارات اليوم : 11223
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » الحريات اولا


ضحايا النزاع الدائمون

كاظم الواسطي
توقفت كثيرا عند مشاهد فيلم "بيروت الغربية" للمخرج اللبناني زياد دويري  التي حفّزت نوعا من التداعيات المريرة عن طبيعة واقع الحياة السياسية في  منطقتنا العربية، وانعكاساتها الأكثر مرارة على الواقع الاجتماعي والنفسي،  والتصدع الذي تحدثه القوى الطارئة


في المنظومة القيّمية التي توازن حياة الأفراد والجماعات في المجتمع. فبالرغم من أحداث الفيلم التي تأخذ جانبا من الحرب الأهلية اللبنانية في أواسط سبعينيات القرن الماضي، إلاّ أن طعمها المر ظل طاغياً على ملامح السياسة في المنطقة، كحال صورها المشّوهة لقيم التعامل بين الناس، التي ظلت تُعيد إنتاج نفسها بأشكال متعددة، يجمع بينها طابع العداء والكراهية لكل ما حَكمَ عليه طرف من الأطراف بالمغايرة والاختلاف. فعندما تنهار السلطة التي تؤسس لقيّم فئوية خارج أطر المواطنة والوطن،  لن يكون للدولة بناءً وطنياً يحكم سلوكيات الأفراد بقوانين ناظمة وفاعلة تمارس حقها في العمل على أسس عادلة ونافعة. بل يُطلق العنان لقوى ما قبل الدولة أو التي تقف ضد الدولة العاجزة التي يساهم ضعفها في إنتاج هذه القوى، ويسمح بتقوية نفوذها على حساب غالبية المجتمع، بل تصبح متحكّمة بإرادة هذه الغالبية. فعائلة الشاب « طارق» المتعلمة والمتعلقة بحياتها في بيروت الغربية تُفاجأ بدوّي المتفجرات، وبعجلات المليشيات التي تُطلق النار في كل الاتجاهات، وهي تحتفل بكرنفال موت قادم لا يهم من يكون ضحاياه ما دامت أشرطة الرصاص ملقاة على الأكتاف، وفوق الصدور، وصيحات العنف مثل نبتات سامة تنشر روائحها الكريهة في فضاء المدينة، وفي نفوس قاطنيها. وفي مشهد مؤثر، لا يهتم رجل المليشيا المدجج بالسلاح لطوابير الشراء المزدحمة أمام أحد المخابز من أجل الحصول على بضعة أرغفة أو مجرًد رغيف واحد، حيث يتقدم نحو الخبّاز، متجاوزا طابور "الشرّايين" بصلف غير المعني بمن حوله، معتمداً تفويض نوازعه الأنانية، وسلطة من خولّه استخدام القوة، ليأمره بلغةٍ زاجرة بتجهيزه بمائة رغيف، وحين يرفض الخبّاز الطيب المهتم بتوفير كل ما أمكنه لمساعدة طوابير الجائعين، ينقّض عليه المليشياوي وينهال على جسده المضني من التعب بالضرب المبرّح، ويرميه أرضا، ثم يقوم بتمزيق أكياس الدقيق بطريقة فظة ومستهجنة. لكن الخبّاز الذي نذر وقته لتوفير ما ينتجه لمن يحتاجه فعلا من ضحايا النزاع الدائمين، لم يُهزم أمام تعسف المليشياوي، بل راح يجري وراءه غاضبا ومهددا. فأي نوعٍ من الابتزاز واللصوصية يجسّده مثل هذا السلوك، وأيّ مستوى من العدوانية ينحدر إليه البعض في ظل دولةٍ مفككة، وجماعات توهم نفسها بحقٍ لها توّجبه على الآخرين بدون وجه حق ؟  تبقى المشكلة أن هذا البعض يحجز إرادة فئة أو طائفة من المجتمع بذريعة الدفاع عن مصالحها، وحفظ أمنها، ويبقى الأخطر أن هنالك من يصّدق ذلك باندفاعٍ أعمى.
وفي الجانب الآخر من الفيلم، كان هناك شابان يافعان وصبيَة غضة العود يعانون من صدمة الواقع الجديد الذي تمثّل بوضع الحاجز بين بيروت الغربية والشرقية على أساس التفريق الديني، وهم يحاولون بكل الطرق للوصول إلى منطقة وسطى بينهما، حيث يوجد ماخور كان يرتاده الناس من كل الطرفين، وبحسَهم الشبابي العادل يطلبون من صاحبة الماخور أن تنظم مجيء الأشخاص من كلا الجانبين، فقد يسّهل هذا في توحيدهما خارج أطر السياسة التي صارت لا تكترث بمشاعر الناس. ووجود الفتاة المسيحية بينهم وهم يحاولون كسر الحواجز في أجواءٍ مشحونة بالعنف والقتل، له دلالات عميقة عن طبيعة تفكير الشباب، ورفضهم للمحاولات التي يراد بها تشظية القيّم التي تجمع أبناء الوطن، وتحوله إلى كانتونات متصارعة. إن إصرار والد طارق – أحد الشابين -  المهتم بالكتاب والثقافة على عدم الهجرة خارج المدينة – الوطن تحت ضغط العنف، وجنون بعض المتسلطين، أقنع زوجته بترك هاجس الهجرة التي ستعرضهم للازدراء هناك، فما كان منها إلا أن جلبت له آلة العود ليعزف لحناً للحياة في مواجهة دوّي المفجّرات، وزخات الرصاص. وفي زاوية الغرفة وقف طارق حزينا وهو يذرف الدموع على ما آلت إليه الأمور، حيث أغلقت المدرسة أبوابها، وتبعثر الأصدقاء بين أمكنةٍ مختلفة.. لقد تحولّت دموع طارق، مثل غيرها من دموع أبناء هذه المنطقة المنكوبة بالعنف والاستبداد،  إلى غضبٍ في عيون أبنائه اليوم وهم يحتجون على زمن المأساة الذي طال، وعليهم أن لا يسمحوا بظهور قوىً تستلب إرادتهم باسم أيّ حقٍ كان، سوى حقهم في الحرية، وتحقيق دولتهم المدنية الديمقراطية، الطاردة لعنف الجماعات التي لا تؤمن بحقٍ لآخر، ولا حرية لغير تعصبها الأعمى. وبغير ذلك ستبقى هنالك الكثير من الدموع، والأكثر من دوّامات العنف والكراهية.   



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية