تذكروا "مجلس الإعمار" في العهد الملكي       صراع بريطاني ـــ امريكي في مجلس الاعمار في الخمسينيات       متى تأسس مجلس الإعمار وما هي مشاريعه؟       مجلس الاعمار وتطور العراق في الخمسينيات       مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق       أسابيع مجلس الاعمار الثلاثة.. صفحة عراقية لامعة       العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين       من تاريخ شارع المتنبي.. ذكريات الكتبي الاول       مكتبات شارع السعدون ..ذكريات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :53
من الضيوف : 52
من الاعضاء : 1
عدد الزيارات : 27402545
عدد الزيارات اليوم : 11246
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


هكذا اختير اول سفير للعراق في موسكو

محمد عبود الخياط
في الشهور  الاخيرة من الحرب العالمية الثانية اظهرت حكومة حمدي الباجه جي عام  1944-1946 رغبتها بتأسيس علاقات دبلوماسية مع الاتحاد السوفيتي نظراً  لتزايد مكانة السوفيت في الشؤون الدولية.وفي الجلسة الثامنة والاربعين  المنعقدة بتاريخ 23 آب 1944, وافق مجلس الوزراء على ذلك . وبناءً على ذلك,  بعث وزير الخارجية برقية في 25 آب1944,إلى مولوتوف   وزير الشؤون الخارجية  للاتحاد السوفيتي مبيناً فيها,


 رغبة بلادهِ بتأسيس العلاقات الدبلوماسية بينهما وترشيح ممثليهما في أقرب وقت. وأعرب نظيره السوفيتي عن رغبة بلاده بذلك أيضاً وعلى هذا الأساس اعلنت رئاسة مجلس الوزراء في 26 آب 1944, عـــن بــدء العــــلاقــــات الـــــدبــلــــومــاسية بين العراق والاتحاد السوفيتي وبشكل رسمي.
 على اية حال, سبق الاتحاد السوفيتي العراق بارسالهِ الوزير المفوض المسيو زايتزايف غريغوري ميتوفيتش في 8 شباط 1945, في حين ان الحكومة العراقية تأخرت قرابة سبعة أشهـر حتى أرسلت وزيرها المفوض في الاتحاد السوفيتي وتُعزي بعض المصادر سبب ذلك التأخير هو لرغبة الحكومة العراقية بانتهاء الحرب ومعرفة ما ستسفر عنها من   نتائج, الا ان عباس مهدي وضح عكس ذلك تماماً حينما وضح ان الحكومة العراقية لم تجد شخصاً يرغب بالذهاب الى موسكو بعد ان رفض الكثيرون ذلك. واشارت صحيفة " العالم العربي " ان سبب التاخير في ارسال العراق بعثتهِ لموسكو هو كون الحكومة لم تجد الشخص المناسب لهذا المنصب نظراً لحساسيته وخطورته إذ ينبغي لمن يشغله ان يكون شخصاً قديراً تتناسب مقدرته مع خطورة منصبه وليس أقل من ذلك .
 مهما يكن من أمر, أعربت وزارة الخارجية العراقية في آذار 1945, انها بصدد اجراء تعديلات هامة بين الممثلين الدبلوماسيين وعلى اثر هذه التبدلات اختير عباس مهدي ليكون أول وزير مفوض في الاتحاد السوفيتي وهكذا , صدرت الارادة الملكية في 18 تشرين الاول 1945  بتعيين عباس مهدي وزيراً مفوضاً للعراق في الاتحاد السوفيتي في الدرجة الاولى من الصنف الاول الممتاز من اصناف السلك الخارجي, وغادر عباس مهدي إلى موسكو في 8 تشرين الثاني1945. ووصل اليها في 4 كانـون الاول 1945, فاسـتـقـــبـل فيها بحفاوة كبيرة من قبل الحكومة السوفيتية.
التقى عباس مهدي بوزير الخارجية المسيو مولوتوف وعبر الطرفان عن سرورهما ببدء العلاقات بين البلدين كما التقى بعدها برئيس اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية جوزيف ستالين وذلك في 13 كانون الاول 1945, وكان المفروض ان تجرى مراسيم لهذا الغرض الا ان طبيعة السوفيت لا يقيمون مراسيم واستعراضاً في مثل هذه الامور بل تجرى المراسيم بشكل بسيط, ولذلك لم يلقِ عباس مهدي خطبته المقررة أمام الرئيس فارتجل كلاماً من صميم قلبه جاء فيه : " لي عظيم الشرف, ان اقدم لفخامتكم كتاب الاعتماد الذي عينني بموجبه حضرة صاحب السمو الملكي الوصي وولي العهد المعظم نيابة عن مولاي المعظم حضرة صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني, كمندوب فوق العادة ووزير مفوض للعراق لدى اتحاد الجمهوريات السوفيتية الاشتراكية. لاعمل على توطيد الصداقة بين الدولتين" .

 لاحظ عباس مهدي ان الحكومة السوفيتية ترى ان العراق اصبح بعيداً عن سياستها وبدأت تطلق التصريحات ضد الحكومة العراقية على انها, حكومة رجعية ولا تعترف بالمنظمات الديمقراطية من خلال اغلاق الصحف واعتقال العمال ومنع التظاهرات, ويضيف عباس مهدي ان الحكومة السوفيتية ترى, ان كل ما يقوم به المعارضين من احزاب وصحف يتم اتهامهم بالشيوعية كما فعلت الشرطة عام 1946 حينما اطلقت النار على عمال النفط في كركوك( كاوور باغي) لمطالبتهم بزيــادة اجورهم وتم اتهامهم بالشيوعية .
 أدت هذه الاجراءات وتحديداً مسألة العمال إلى, انتقاد السوفيت للسياسة العراقية وذلك حينما اعرب وزير الخارجية السوفيتي إلى عباس مهدي متسائلاً, هل ترغب الحكومة العراقية بتحسين العلاقات بين بلدينا فاجابه عباس مهدي ما نصه: " ان وجودي في بلادكم دليل كاف على رغبة الحكومة العراقية بتحسين العلاقات معكم ومع سائر الدول ", ثم تسأل وزير الخارجية عن قيام الحكومة العراقية باصدار احكاماً على مجموعة من العراقيين مدعيةً ان لهم صلة بسفيرنا في طهران وهذا امر يثير الاستغراب الشديد, فوضح عباس مهدي هذا الأمر مبيناً, ان المتهمين حكم عليهم بجريمة محاولتهم قلب نظام الحكم في العراق وان القوانين العراقية تعاقب على ذلك بصرف النظر عن مذاهبهم السياسية التي يتبعونها واضاف عباس مهدي ان هذه الاحكام ليست قطعية وقابلة للتمييز, واضاف ان ما ذكرته الصحف والاذاعات حول هذه الاحكام بسبب اعتناقهم المذهب الشيوعي ليس صحيحاً بل يتعلق الامر بقلب نظام الحكم في العراق وترويج الفوضى والعصيان والتمرد. فاستنتج عباس مهدي مما تقدم ان الحكومة والرأي العام السوفيتي استندا إلى هذه الاحكام من خلال ما نشرته الصحف والاذاعات البريطانية وهو امر تحاول من خلاله الاخيرة تشويه سياسة الاتحاد السوفيتي امام العرب. ولذلك طلب عباس مهدي من الحكومة العراقية توضيح ذلك للعالم في حين اكدت الحكومة العراقية ذلك حينما وجهت الاتهامات إلى حزب الاستقلال اثناء انتقادهِ لقتل عـمال الـنفـط, بانه يتحيز إلى جانب الشيوعية والشيوعين.
 يلاحظ مما تقدم ان عباس مهدي كان غير واقعياً في توضيحاته امام وزير الخارجية السوفيتي, إذ ان الحكومة العراقية كما تؤكد ذلك المصادر قامت باعتقال هؤلاء المتظاهرين واتهمتهم بالشيوعية في حين انهم لا يمتون للشيوعية بصلة, بتعبير اخر, ان الشيوعية كانت تهمه ضد كل من يعارض سياسة الحكومة آنذاك.
 حرص عباس مهدي, على توسيع علاقات العراق ببلدان الدول الاسكندنافية وهي السويد والنرويج والدنمارك, ووضح في 17 كانون الاول 1946, ان هذه الدول لها اهمية كبيرة وهي تعد من ارقى دول اوربا بالرغم من صغر حجمها الا انها كبيرة في علاقاتها ولا يخشى من سياستها, وبناءً على ذلك طلب عباس مهدي من الحكومة العراقية ضرورة الاستفادة من الاخصائيين الموجودين في هذه البلدان في المشاريع العمرانية الجديدة التي تحتاج الى خبرات اجنبية, مضيفاً ان هذه الدول اصبحت من الامم التي يود الاتصال بها كثير من دول العالم حتى الكبرى منها ولذلك اقترح تعيين وزير مفوض واحد لها يجعل مركزه الدائمي في السويد ويشرف على المؤسستين الاخريتين في النرويج والدنمارك وهو أمر اعرب عنه عباس مهدي بانه متبع في كثير من الدول, كما انه غير مُكلف مقابل الحصول على منافع اقتصادية وسياسية .  وطبقاً لما ورد من خطب السياسيين وما نشرته الصحف السوفيتية الرسمية في كانون الثاني 1947, بينعباس مهدي ان الحكومة السوفيتية ترى في نوري السعيد انه شخصية بريطانية بامتياز وهو يريد جعل البرلمان العراقي على غرار البرلمان البريطاني مستندين في ذلك إلى استقالة الوزراء الذين ينتمون إلى أحزاب معارضة عام 1946, كما اعرب السوفيت ان السعيد يريد زج العراق إلى كتلة دولية لا مصلحة للعراق بها, بعد ان صرح السعيد ان الحياد مضر ولا قيمة له الان بل انه نصح الدول العربية إلى ضرورة التحالف مع احدى الكتل الدولية التي يرون معها مصالحهم. في حين اعرب عباس مهدي ان العالم العربي لا يؤيد نوري السعيد في سياسته هذه.

 مهما يكن من أمر, لم تستمر العلاقات بين البلدين طويلاً إذ سرعان ما بدأت العلاقات بالتوتر منذ البداية, وذلك حينما طلب الاتحاد السوفيتي, مجموعة من الخرائط عن العراق, فرفضت الحكومة العراقية ذلك كما رفضت إقامة معرض للصور عن الحياة في الاتحاد السوفيتي في القنصلية السوفيتية في بغداد, متذرعةً ان ذلك يكون ذلك دعاية للاشتراكية او الشيوعية, ولهذا خضعت تحركات الدبلوماسيين السوفيت منذ البداية لمراقبة دقيقة من قبل اجهزة الامن في داخل بغداد وخارجها.
 ومما زاد الموقف تردياً في علاقة البلدين هو موقف السوفيت من القضية الفلسطينية ومساندتها لقرار التقسيم عام 1948, ووصفها الحرب العربية ضد (اسرائيل) في نفس العام بالعمل العدواني, مما اثر بشكل سلبي على العلاقات بين البلدين فاستغلت الحكومة العراقية هذا الموقف لقطع علاقاتها مع الاتحاد السوفيتي.
عن كتاب ( عباس مهدي )



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية