العدد(35) الاحد 2019/ 08/12 (انتفاضة تشرين 2019)       دولة الطرف الثالث، والرصاص المجهول...!       الأمم المتحدة تدين عنف "العصابات" وتتهمها بالولاء للخارج       "ثأراً لضحايا السنك"..الديوانية تعلن الإضراب العام وتطلق حملة تبرع بالدم لجرحى بغداد       بعد مجزرة الخلاني والسنك..عشائر الناصرية والبصرة تتولى حماية المتظاهرين       أحداث ليلة القتل في السنك والخلاني.."كيف دخل المسلحون"؟.. اتهامات للجهات الأمنية بالصمت على المجزرة       " غضب دولي “واسع” من استهدف متظاهري التحرير: أوقفوا العنف فوراً"       عمليات طعن في التحرير.. وطبيب يروي التفاصيل       أحد أنشطة مخيم حديقة الأمة..ملعب كرة طائرة على الشاطئ الفاصل ما بين جسري السنك والجمهورية       إيَّاكُم وعُنف العراقيين .. نصيحَةٌ إلى السلطَة : سِلميَّتَهُم تَحميكُم !!!    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :64
من الضيوف : 64
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 29090572
عدد الزيارات اليوم : 17902
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


إحسان عبد القدوس..أزمة البطل الأخلاقي في القصة الاجتماعية

علي حسن الفواز
يضعنا ادب  احسان عبد القدوس امام فضاءات القصة الاجتماعية بكل محمولاتها السياسية  والنفسية، فضلا عن ان ادب عبد القدوس يحمل نكهة الكتابة ذات المضامين  الحسية التي تلامس الكثير من التفاصيل التي تضج بها البيئات الاجتماعية  المصرية بكل مستوياتها الطبقية-خاصة الطبقة البرجوازية التي تخلو  اشتغالاتها من التعقيد والبناءات المركبة،


تلك التي ارتبطت بها اتجاهات التجريب في الكتابة القصصية في مرحلة مابعد الستينيات، واحسب ان كتابة عبد القدوس في هذا السياق كانت هي الاقرب الى استخدام وظائفية البناء القصصي الذي تتعدد مستوياته البنائية على وفق ما تنمو به الاحداث والصراعات التي يعتمدها الكاتب، خاصة بناء الشخصيات، وبناء علائقها ضمن مركّبات الزمن والمكان، اذ ان البنية القصصية عند عبد القدوس تعتمد اساسا التتابع الارسطي في بناء القصة/الحكاية التي تعتمد الوصول الى الذروة/المعالجة، مع عناية خاصة بالوحدات الداخلية لهذه القصة، أي مايتعلق بازمة الشخصية القصصية وصراعاتها بشكل خاص، حتى يبدو وكأنه اقرب الى(المشخصاتي)الذي يضع الشخصية الدرامية بوصفها صانعة المنظور تحت التشريح، والوقوف عند اشكالاتها النفسية والاجتماعية/العائلية التي عادة ماتصنع الثيمة الدرامية الصراعية لهذه الشخصية، وهذا التوصيف يسبغ على اغلب شخصيات احسان عبد القدوس نزعة المواجهة مع الواقع النفسي والاجتماعي، والنزوع الى التمرد عليه، لكن هذا التمرد ليس ثوريا، بقدر ماهو قرين بازمة داخلية كثيرا ماتخضع الى معطياتها الشخصية القدوسية التي تعاني من الاحباط والقلق ومن مهيمنات تشوهات داخلية واضطرابات حسية عميقة.
 القصة التي يكتبها عبد القدوس تميل الى الاختزال والى اعتماد نموذج الشخصية المحورية/المركزية التي يدور حولها الحدث، وان نزوعه احيانا الى احداث تشظيات داخل هذا الحدث، هو انعكاس لتأثره بصناعة المشهد الدرامي المسرحي الذي رافقه منذ الطفولة مع والدته فاطمة اليوسف والبيئة التي عاشها، وتأثره ايضا بالقصة الصحفية التي تقوم على الاثارة واعتماد الجانب التحقيقي في التعاطي مع المشكلة والشخصية والواقع. لكن صناعة هذه المشاهد القصصية لاتبدو بعيدة عن وعي الكاتب لاشتراطاتها الفنية والبنائية والنفسية، اذ تأتي داخل الاطار الثيمي الذي ينمو فيه الحدث الواحد عبر الطبيعة المركبة للشخصيات، واحيانا تضخمها في السياق الدرامي، اذ يسعى من خلال هذا التشظي الكشف عن المزيد من المستويات السياسية والنفسية والاجتماعية المضمرة للحدث عبر المرجعيات الصراعية لتلك الشخصيات..فالكثير من قصص وروايات احسان عبد القدوس تحمل هذا الهاجس النفسي وما يستدعيه من بنية درامية ذات مستويات صراعية معينة، يكون محورها الحرية والجسد والواقع المأزوم، اذ يبدو الكاتب اكثر ميلا لاستقراء دوافع الشخصيات داخل المستوى الصراعي، والتعاطي مع نزعاتها الداخلية الشعورية المضطربة، وكأنها ازمات تعكس التحولات الاجتماعية التي عاشتها بعض البيئات المصرية، ومنها بيئات الطبقات الوسطى، خاصة في روايات عدّها البعض علامة مهمة في السينما اكثر من حضورها في تاريخ الرواية المصرية مثل(بئر الحرمان، النظارة السوداء، العذراء والشعر الابيض، انف وثلاث عيون، اين عقلي، وغيرها..
الشخصية المأزومة حسيا ونفسيا كانت الاكثر حضورا في كتابات عبد القدوس، خاصة شخصية المرأة، اذ وضعت هذه الكتابات قدوس في مكانة المدافع عن المرأة التي تعاني من ضغوط اجتماعية ونفسية وتاريخ عصابي لعقد الاب او الام، حتى بدت اشتغالات الكاتب في هذا المجال وكأنها متأثرة بالاتجاهات النفسية التي أخذت تؤثر على بعض اتجاهات الكتابة الادبية، خاصة بعد انتشار ترجمات كتب سيجموند فرويد وكتاباته بشكل خاص عن دستوفسكي ودافنشي ومرجعيات العصاب الجنسي والشخصية المقموعة، وكذلك التشريح النفسي السريري لكتابات يونغ وادلر، وعلائق هذه الكتابات ببعض الاتجاهات الفلسفية والاتجاهات السسيوثقافية، خاصة الجماعة الثقافية التي اسسها ماركوزه ودوركهايم والتي حاولت ان  تضع البناء الثقافي مقابلا للبناء النفسي والاجتماعي، أي صناعة نموذج المثقف المنشق عن النسق الاجتماعي التقليدي، والذي يبدو اكثر انحيازا لحريته وارادته ولمواقفه الانسانية بعيدا عن الموجهات الايديولوجية والسياسية المباشرة ومهيمناتها القمعية، اذ لانجد في اغلب روايات وقصص احسان عبد القدوس ابطالا مؤدلجين او ثوريين عقائديين، وحتى رواية (في بيتنا رجل)لم تتمثل لصناعة نموذج هذا البطل الثوري الايديولوجي، اذ كانت سمة البطل(ابراهيم حمدي)طالب الحقوق الذي كان يشارك في التظاهرات والاعتصامات هي خليط بين الرومانسي المتمرد والاحتجاجي غير المؤدلج، والذي وجد في عشقه للفتاة المراهقة(نوال)انشغالا واسعا عن الموضوع الاساسي الذي من اجله أقدم على اغتيال رئيس الوزراء. هذه الثيمة هي عنوان سطحي وعابر ومضخّم للكشف عن ازمة شخصيته الشعورية، فهو مثال للحديث عن ازمة الشخصية البرجوازية المصرية القلقة التي تعيش ازمة هويتها الوطنية، لكنها تعيش ايضا اضطراباتها وازماتها وعقدها الداخلية، عبر استحضار ازمات مجاورة(ازمة الجسد، ازمة الوجود، الازمة مع عدو افتراضي، الازمة مع الاب، الازمة مع المقدس وغيرها) وكذلك في رواية(الرصاصة لاتزال في جيبي)تتمثل الى هاجس البناء الشخصياتي الذي يضع الشخصية امام ازمة داخلية، وليس امام ازمة خارجية يعيشها البطل في حربه مع العدو الذي يصطنع له الكاتب موتا تقليديا وساذجا.
اهتمام احسان عبد القدوس بصناعة الشخصية اليومية الواقعية بكل نزعاتها الوطنية والحسية هو الذي جعله الاكثر حضورا في المشهد الروائي العربي خلال مرحلة هيمنة الروايات الرومانسية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات في مصر، اذ رغم بروز الاتجاهات التجريبية في الكتابات السردية، وتأثر الكثير من الكتّاب بادب تيار الوعي والقصص الغرائبية والتمثل للانشغال بالبطل الوجودي واللامنتمي وغيرها، الاّ ان هذا لم يؤثر على حضور عبد القدوس في اليوميات السردية المصرية، خاصة بعد ان وجدت كتاباته حظوظها الواسعة في السينما والدراما التلفزيونية، اذ  وجد المخرجون ان واقعية عبد القدوس، وخصوصيته في صناعة بيئة صراعية، ونموذج للشخصية الدرامية التي تعيش ازمات الواقع، واضطراباته الشعورية، سهولة في استثمار هذه القصص للسينما والتلفزيون، بعيدا عن الانشغالات الاخرى التي تحتاج الى امكانيات فنية ومادية تتجاوز قدرة السينما الحكومية في الستيات، وربما تثير حولها الكثير من الاسئلة خاصة في ما يتعلق بطبيعة ماتثيره من اسئلة حول المحمولات الرمزية للبناء الفكري للاحداث والشخصيات، واحسب ان سهولة بناء الاحداث والشخصيات في قصص احسان عبد القدوس، واقترابها من الواقع النفسي والحسي والجنسي، وابتعادها على ملامسة التابو السياسي، هو الذي جعل كتابات احسان عبد القدوس ويوسف السباعي ومحمد عبد الحليم عبد الله مثلا اكثر قربا من اشتغالات الصناعة السينمائية. وحتى روايات نجيب محفوظ التي تعدّ الاكثر توظيفا في السينما ظلت في سياق مختلف عن ما ينظر به الى روايات احسان عبد القدوس، فمحفوظ مثلا كان بالاساس كاتب سيناريو، وهو الامر الذي يسهل للمخرجين العمل معه، كما ان الرسالة الاجتماعية لروايات نجيب محفوظ-خاصة الواقعية منها-كانت الاقرب الى الرسالة الاجتماعية للثورة، والى مقاربة عوالم البيئات الشعبية وطبيعة صراعاتها، ولعل رواية مثيرة للجدل نأت بنفسها عن الواقعية مثل(اولاد حارتنا)نحت الى مايمكن تسميته بالمرحلة الرمزية في  كتابات محفوظ، والتي اثارت حولها قراءات شتى، دينية وسياسية، جعلت من هذه الرواية بعيدة عن فضاءات السينما وحساباتها الانتاجية، وموقف الرقيب منها، مثلما عرضتها اصلا للمصادرة من قبل الجهات الرقابية المصرية في مراحل لاحقة..

احسان عبد القدوس وكتابة القصة السينمائية
عمل احسان عبد القدوس المبكر في الصحافة-عام1944 في مجلة روز اليوسف- اتاح له المجال لان يكتب قصصا قصيرة للمجلة، وان يكتب نصوصا للسينما التي يعشقها. هذه العلاقة المبكرة لعبد القدوس مع الصحافة الفنية، والسياسية فيما بعد جعله يتميز عن اقرانه بانه(تغذى منذ نعومه اظفاره علي قاعدة البيانات الضخمة التي تتيحها الصحافة لاختراق طبقات المجتمع المختلفة وكانت الصحافة‏,‏ وصالون روزاليوسف والعلاقات المباشرة بكبار الادباء والفنانين والسياسيين ونجوم المجتمع هي المنبع الذي اتاح لاحسان عبد القدوس ان يصور الجوانب الخفية في الحياة المصرية ويتخطى بذلك كثيرا من الحواجز التي حالت بين زملائه وبين معرفة هذه البيانات‏، اما الميزة الثانية لادب احسان فهي انه كان عميق الايمان بقضيه الحرية,‏ بمختلف مستوياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية)كما تقول عنه احدى الدراسات.
هذه الخصوصية اعطت لاحسان عبد القدوس القدرة على تجاوز البدايات القلقة، والولوج الى البيئة الفنية والاعلامية دون معوقات، خاصة وان عمله في روز اليوسف وفي جريدة الاخبار وجريدة الاهرام قد أكسبه خبرة في معرفة واستطلاع ماألذي يريده الجمهور اولا؟ وكذلك في التعبير عن وعيه الاشكالي ازاء قضايا اخلاقية وسياسية واجتماعية يؤمن انها اساسية في صناعة الرأي العام ثانيا، وفي تنمية الوعي الانساني بالحرية كمعطى اخلاقي وقيمي ثالثا.  ورغم ان طبيعة القصص التي كتبها للسينما تبدو بسيطة وتقليدية، لكنها استبطنت الكثير من الهموم التي كان يعيشها الشباب المصري، ولعل القصص والروايات المبكرة التي كتبها عبد القدوس(اين عمري، الوسادة الخالية، عقلي وقلبي، لاتطفىء الشمس، البنات والصيف، شفتاه وغيرها)تمثل هذا النزوع للتعاطي مع ازمة الحرية والجسد، وازمة العلاقات العاطفية وعوالمها النفسية، اذ يضع عبد القدوس هذا النزوع بوصفه استشرافا لمعطى التحولات التي بات يعشها الشباب المصري بعد ثورة يوليو 1952، رغم انه في رواية(شيء في صدري)يضع رؤيته باتجاه مواجهة رمز السلطة، والانحياز الى القيم الاخلاقية التي يمثلها الاب الاخلاقي في الرواية، والحبيب النقابي بكل مايحمله هذا الانحياز من موقف نقدي من رموز السلطة الذين بدأوا يشكلون ظاهرة اغترابية عن مرجعيات الثورة الاخلاقية، كما انه اعاد انتاج مثل هذا الموقف في قصته(الراقصة والسياسي)التي سلط الضوء فيها على ازمة نموذج السلطة الذي يعيش شخصيته الازدواجية، وخرابه النفسي والاخلاقي العميق.
لقد  وضع عبد القدوس في سياق رسالته الاخلاقية صورة للمثال الرمزي الذي يستقرأ حضوره عبر صناعة نموذج للشخصية الرسولية في قصصه، فهو العاشق المثالي تارة، وهو الاب تارة اخرى-رغم انهيار هذا الاب في قصة ابي فوق الشجرة-، هذا  السياق العميق هو استبطان للبنيات الثاوية في وعيه الاخلاقي، اذ كان يعتقد عبد القدوس ان هذه الرسالة  قدرية اكثر مما هي تاريخية، لان قدر المثقف ان يكون صانعا لهذه الرسالة، وان يصطنع لها كل الوسائل للوصول الى الجمهور الذي يلامس عوالمه السرية، خاصة وانه لم يكن معنيا بجمهور محدد، بقدر ما كانت عنايته بالمشكلة ذاتها بوصفها جوهر الأزمة والحدث، فهو يعتقد ان ازمة الشخصية مثلا، هي جزء من ازمة التحول داخل المجتمع، مثلما يعتقد ان ازمة الحرية هي ازمة وعي قبل ان تكون ازمة وجود، فضلا عن ان اعتقاده بازمة الجسد هي ازمة ترتبط بأزمة مركب النقص عند الشخصية، واحسب ان رواية مثل(لن اعيش في جلباب ابي)هي مثال لأزمة الاجيال، وطبائع التحولات الثقافية التي  تعيشها هذه الاجيال وحريتها في الاختيار، كما ان رواية(بئر الحرمان)مثلا ترتبط بالمرجعيات النفسية المضطربة للشخصية التي تعيش نكوصا عميقا تحت ايهام ماتحمله من صور لخيانة الام، وان تقديم نموذج الشخصية المرضية الازدواجية هو تعبيرا عن رؤية الكاتب لهذا الصراع النفسي العميق الذي ينتهي كما هو في السياق الارسطي بعد الذروة بالكشف العيادي الذي يعني السلطة الاجتماعية والثقافية التي تعيد الجسد الى سياقه الاجتماعي والأخلاقي، فضلا عن رواية(انا حرة)هي مثال للوعي الشقي الذي تعيشه البطلة في علاقاتها الاجتماعية والعاطفية القلقة والتي تصطدم بنموذج الرجل المتعالي الذي يعيدها الى السياق والى الخضوع الى السلطة الاجتماعية والعاطفية التي يمثلها الرجل، وكذلك روايات(لا أنام)و(انف وثلاث عيون)و(لا ليس جسدك) وغيرها تضع ازمة علاقات المرأة الانسانية والعاطفية بشكل خاص امام تجاذبات صراعية، لايقترح لها عبد القدوس معالجات نهائية الاّ بالرجوع الى السياق البطولي والاخلاقي الذي يمثله الرجل المتعالي المثالي في رجولته وبطولته الاخلاقية وامتناعه عن ارتكاب الرذيلة الاجتماعية والجنسية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية