القتل على الهوية.. " الوطنية "..!       الثلاثاء 2019/ 22/11 (انتفاضة تشرين 2019)       مفوضية حقوق الإنسان توثق انتهاكات جديدة ضد المتظاهرين: استمرار القتل والاختطاف!       ساحة التحرير.. عراق مصغر       تقرير أممي       مشاهدات من ساحة التحرير..يكتبها سعدون محسن ضمد       شذرات احتجاجية       قنابل دخان ورصاص حي..عملية اقتحام "فاشلة" على جسري السنك والأحرار لفض الاحتجاجات       محامون "متطوعون" للدفاع عن المتظاهرين المعتقلين       الـ"تك تك": الملاك الحارس لشباب الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :44
من الضيوف : 44
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28694178
عدد الزيارات اليوم : 84
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


في رثاء الجمال ...في مديح الأمل

علي عبد الأمير عجام
في العام  1961 كنت في سنتي الدراسية الاولى حين جاءت الشرطة و» داست» بيتنا في  المسيب الغافية على الفرات، واقتاد رجال بمسدسات الى سيارة الشرطة الخضراء  اخي الذي كان يقضي عصر ذلك اليوم الصيفي قرب مكتبته. لم يكن الحدث سهلا  عليّ لجهة ما اشقاني منظر امي وهي تشهق بالدعاء لحرية قاسم


 عند كل صلاة ثم تجهش ببكاء مرّ فامضي اليها سريعا واجلس على طرف سجادتها مستنشقا رائحة « ماء الورد» في أزارها الذي كنت اقارنه بين ما تعلمته في «القراءة الخلدونية» حيث « أزار أمي أزرق «، ولكن أزار خديجة محمد حسن كان ابيضا، وكنت اتمنى لو تطابق اللون بين ما تعلمته في الدرس الأول ومشهد أمي وهي تصلي.
الحدث علمني مبكرا ايضا، معنى الجدية ومعنى المعرفة ومعنى التحدي، فأثيرت حال طوارئ في البيت لا من اجل اطلاق قاسم من سجنه، بل من اجل ايصال كتب السنة النهائية ( البكالوريا) اليه في السجن، فالامتحانات على الابواب، وقاسم قرر تحدي سجنه في الاستعداد للامتحان المصيري الذي يرسم المستقبل (الدراسة الجامعية)، وامي تسلمت الرسالة ووقفت الى جانب قاسم بقوة في خياره، وجابت من اجل ايصال الكتب الى داخل السجن، جابت طرقا مغلقة تارة وسهلة تارة اخرى ما بين المدرسة ودائرة التربية، والقاضي الذي كان يسكن في واحد من بيوت حكومية عدة مطلة على شاطىء الفرات.
ولأن النفوس لم تكن مغمورة تماما بالفساد والنذالة في تلك الايام، فقد وافق القاضي على حق قاسم بأداء الامتحان النهائي وأصدر حكما الزم الشرطة بتنفيذه، وعلى ضوء ذلك حملت الكتب مع امي وذهبنا الى السجن فقابلنا قاسم بفرح لم أجد مثله وقد شع في عينيه، وفي باحة السجن احتضن امي ثم رفعني وانا ابكي مع الكتب التي كنت اضغط عليها كي لا تسقط وكأنني كنت احمل سر خروجه الى الحرية.
بدأ قاسم يؤدي امتحاناته، وفي ضحى يوم صيفي كنت ألهو في باحة بيتنا مع صقر صغير حمله الفلاحون من زبائن كانوا يفضلون شراء البضاعة من محل بقالة والدي حملوه هدية لي لكنني تركت الطائر ما إن دفع شرطي الباب وهو يصطحب قاسم المقيد اليدين الى داخل البيت. كان الشرطي رافق قاسم الى المدرسة لإداء امتحانه، ويبدو انه رقّ لحال الشاب فاستجاب الى طلبه بزيارة قصيرة الى البيت، ولكن فرحتي بعودة اخي انتهت اذ سرعان ما اخذه الشرطي ثانية الى السجن، مثلما انتهت فرحتي بالصقر الصغير فنسيت الخيط الواصل بين اصابعي وقدمه، فطار الصقر وعاد قاسم الى السجن فمضيت الى حضن امي ابكي الإثنين.
في السجن نجح قاسم في البكالوريا،  صحيح انه لم يحقق نتيجة كاملة وهو الذي اعتاد ذلك في الايام الطبيعية،  لكنه لم يكره « معدله المتوسط» الذي اوصله الى كلية الزراعة  ، وفي جدية لافتة اعتبر وجوده في ذلك المحيط العلمي تحديا جديدا فاكمله بتفوق رغم مشوار سجن جديد رافقه في دراسته، وجاء بعد انقلاب البعث الدموي في 1963، وحينها عشت قصة اخرى مع سجن قاسم، حين جبت متعلقا بأذيال عباءة أمي طرقاً وممرات بين امن بغداد ومديرية الأمن العامة وسجن الحلة  وصولا الى بيت «الحاكم العسكري العام» رشيد مصلح التكريتي، الذي انتظرت والدتي خروجه من البيت لترمي نفسها امامه متوسلة له اصدار امر اطلاق قاسم بكفالة حتى موعد مثوله اما المحكمة متهما بنشاطه كشيوعي.
وفي حين مثل هذا الأمر والذي وافق عليه التكريتي، ما يشبه المعجزة، كنت انا من افسد على امي فرحتها برؤية قاسم حرا وعائدا الى دراسته الجامعية،  فقد وضعت موافقة الحاكم العسكري بين يدي كي احفظها جيدا ونحن في السيارة ما بين بغداد والحلة، لكنني ولسوء حظي  سهوت قليلا،  فضاعت ورقة الموافقة على اطلاق قاسم من سجنه،  ضاعت  في مكان ما بين الأمكنة الكثيرة التي تنقلنا بينها،  ولتبدأ والدتي من جديد بالرحلة الطويلة ذاتها بلا كلل او ملل،  باحثة عن الامل وان كان ضيقا وبين اقبية سجون «البعث» وسلطة « الحرس القومي» الدموية.
   
هنا أرثي الجمال في سيرة إنسان أنيس وحالم وعادل وموضوعي،  تعلمت منه رقة الموسيقى دون ان يتحول الى ملقن، وكانت تجربتي الاولى في اكتشاف السينما بوصفها معرفة وجمالا وتفتحا فكريا وحتى تسلية راقية، كانت على يديه، ففي يوم جمعة من العام 1969 اخذني الى عرض الواحدة بعد الظهر في «سينما الخيام» لمشاهدة فيلم «البؤساء» وهو معالجة سينمائية حديثة في وقتها لرواية فيكتور هيجو الشهي، ومعه ايضا تعرفت الى ما يعنيه الحب من فكرة تسمو بالروح والعقل الانسانيين حين اخذني الى «سينما غرناطة» لمشاهدة فيلم» غرباء عندما نلتقي» لكيرك دوغلاس وكيم نوفاك، وفي مشاهدتنا تلك نبهني الى كيف يمكن رؤية الفيلم بعيون «مختلفة»، فهو كشف لي كيف ان قصة الحب كانت تكبر بين المرأة والرجل في الفيلم مثلما كانت يكبر البيت الذي ابتدأ العمل به مع بداية علاقة الاثنين، ومعه تعرفت الى معان تربوية وانسانية عميقة من خلال فيلم» الى أستاذي. .مع التحية» لسدني بواتييه وفي عرضه على شاشة «سينما غرناطة» ايضا.
تعلمت منه جدوى الفكرة الإنسانية حين تتحول موقفا حياتيا، وتستحق حين تكون عادلة ان يجند لها الفرد كل ما فيه من دأب واخلاص. تعلمت منه التسامح في بيئة سياسية وثقافية واجتماعية عراقية قائمة على الكراهية والإقصاء، وعرفت منه شهد الصدق موقفا حيال سموم الزيف والتضليل والخداع، جبلت معه على حب الأدب الرفيع منذ ان اهداني « ثلاثية نجيب محفوظ» تقديرا لنجاحي بتفوق وانا انهي دراستي المتوسطة، مثلما عرفت معه كيف يتحول البيت الشخصي الى فسحة محبة مفتوحة على خطوات الناس، ثم كيف تتحول روح البلاد دمعا صادقا واملا حتى وان ضاق بين خنادق الموت في الحرب، أو مع المعاني السود للطغيان، وهنا للراحل الجميل اكثر من حكاية وموقف ، فهو الذي راوغ القسوة دون ان تتمكن ثقافة الانحطاط من جوهر فكرته، رغم ان عملي كاتبا وصحافيا «معارضا» للنظام العراقي السابق ولسنوات في خارج البلاد جعله تحت دائرة ضغوط السلطة الغاشمة. وفي سنوات منفاي كانت رسائله نصوصه متوهجة بالعذوبة وبالعذاب، تشع وجدانا مجبولا على الأمل، كان يمدني بإشارات لا تنتهي – وان كانت رموزا – من ان امضي في خياري الى آخر الشوط حتى وان كان مثار متاعب لا تنتهي بالنسبة اليه. كان يشدني الى فجيعة شخصية، حين يقول لي انه شعر باليتم الحقيقي حين اصبحت المسافات بيننا بعيدة، مثلما كان يلعب بمهارة على أشواقي حين يصف زياراته الى كربلاء او النجف كلما شعر بان خطرا جديا بدأ يحيط بي، وكيف كان يحيي ذكرى وفاة أمي وأبي بشموع وابتهالات مضاعفة سببها غيابي الذي كان بدأ ليس من خروجي الى المنفى، بل منذ ان اخذتني الحرب من بيته الرحيب الى مواسمها المرعبة، وكيف قطع مئات الكيلومترات مرعوبا يبحث عني بين الجثث والاشلاء الممزقة يوم انكسر ظهر البلاد في حرب الخليج الثانية 1991، وكيف ضمني اليه وانا حطام انسان، وكيف ضمني مودعا إياي قبل سفري الى خارج البلاد حاملا معه نصي « هذه الارض ليست لي» الذي أحزنه كثيرا بل أشقاه لما وجد فيه من نبوءة ما كان يريد أن يصدقها رغم إنه تحدث لي مطولا عن عميق رؤاها، وكيف ضمني باكيا كطفل حين عدت الى البلاد ليهدأ قليلا من مخاوفه علي ثم عاد اليها مع أول اطلالة لوحش العنف ، وهو يراني ناشطا في الاعلام حيث كنت مدير المركز الصحافي لحركة الوفاق الوطني ورئيس تحرير جريدة «بغداد»، ومراسل لصحيفة «الحياة» و»راديو سوا» وعضو اللجنة الاعلامية في المؤسسة السياسية لما بعد الديكتاتورية «مجلس الحكم» دون ان يدري ان القتلة سيكونون أبرع مما تصور ، فقتلوني يوم حفروا برصاصهم جبهته المضيئة.
لم يعلمني حب الأرض لكنني ادمنت ذلك فيه حين زاوج بمهارة بين حكمة التربة حيث تخصصه العلمي وحذاقة النقد الأدبي والفني، ولم يكن يشير الي بحاجة الأديب الى المعرفة العلمية التي تزيد اللغة والخيال خصبا لكنني عرفت ذلك من مشاريعه التي امتدت من « مايكروبايولوجيا التربة» الى دأبه العميق في تحليل النصوص الأدبية والنظر بمزيج نادر من الفكر الاجتماعي النقدي والدراية بجماليات فنية الى الاعمال السينمائية والدراما التلفزيونية.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية