القتل على الهوية.. " الوطنية "..!       الثلاثاء 2019/ 22/11 (انتفاضة تشرين 2019)       مفوضية حقوق الإنسان توثق انتهاكات جديدة ضد المتظاهرين: استمرار القتل والاختطاف!       ساحة التحرير.. عراق مصغر       تقرير أممي       مشاهدات من ساحة التحرير..يكتبها سعدون محسن ضمد       شذرات احتجاجية       قنابل دخان ورصاص حي..عملية اقتحام "فاشلة" على جسري السنك والأحرار لفض الاحتجاجات       محامون "متطوعون" للدفاع عن المتظاهرين المعتقلين       الـ"تك تك": الملاك الحارس لشباب الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :54
من الضيوف : 54
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28693919
عدد الزيارات اليوم : 17410
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


قاسم عبد الأمير عجام.. نشاط إبداعي مع فجر كل يوم

طه محمد حسن عجام      
حين  سقط صنم الديكتاتور بعد هستيريا الحرب التي كادت تعصف بالعراق، وحيــن غطت  سماء مدينته الصغيرة سحب الدخان الاسود منذرة بالخوف والرعب مما تخبئـــــه  الأيام القادمات من نذر الشر المخبأ في نفوس أيتام الديكتاتور، ولكي لا  تسقط المدينة فـي أحضان الفتنة العمياء،


ومن أجل أن تنهض بأحلامها في الأمن والسلام وحقول خضـراء فسيحة متجددة العطاء ، هرع الناس ، كل الناس في تلك المدينة صوب بيته ، يطلبونـــــه مديرا لمدينتهم ، وحارسا أمينا لآمالهم وطموحاتهم في حياة آمنة ، وضعوا بين يديـه محبتهم الشديدة له وثقتهم المطلقة به وأملهم الكبير في تمثيلهم في موقع إدارة المدينـة لأنهم عرفوه وخبروه وهو بينهم ما يقرب من ثلاثين سنة إنسانا حقيقيا يمتليء بالطيبة والنبل والكرم والشهامة والصدق والعدل والمحبة الخالصة والاستعداد الدائم لخدمــة الجميع ..  نعم خبروه كالنهر يعطي الحياة والنماء دون مقابل ..

  لم يختلف عليه أحد.. بكل انتماءاتهم المذهبية والعشائرية وانحداراتهم الطبقية جاءوا اليه في إجماع لم يتكرر كثيرا رمزا نقيا لمدينتهم ومثقفا وعالما، وهو إجماع صــــــادق تحرك فيه الحس الإنساني وهو يتمسك بالرمز الأنقى إذ يجد فيه الخلاص والمنقذ مـــــن المحنة حين يحتدم أوارها.
وفي الإجماع الشعبي الذي قاده إلى موقع إدارة المدينة انتصاراً للفكر والثقافة والعلــم يتمثل في الأستاذ قاسم عبد الأمير بعطاءاته الثرية التي أسهمت في إغناء الحركة الأدبيـة والثقافية والعلمية على مدى أكثر من ثلاثة عقود.
بهذه المقدمة أردت ان أبدأ شهادتي لما تمثله من مدلولات مهمة في التطابق بيــــــــن الموقف الفكري والسلوك الاجتماعي الذي يتألق في أبهى صورة في قاسم عبد الأميـــــر انسانا تحتشد في داخله أنبل القيم الإنسانية التي أنضجت عطاءه الثقافي ملتزما بهـا وداعيا ومحرضا لها ومستبسلا في الدفاع عنها منذ بداياته الاولى مع الكلمة في ستينيات القرن الماضي، فالقيم عنده موقف ومسؤولية وأمانة وجدت لها تجسيدا في سلوكـــــــــــه اليومي مع الناس، في البيت والشارع وموقع العمل والمنتديات الادبية والثقافية وفـــــــي دراساته وبحوثه العلمية.

منحاز للصدق والعدل والحق
وهكذا عرفته وكنت أجده أبدا مستقيما مثل سارية العلم في كل مواقفه وسلوكـه وأخلاقياته، لم يقبل المهادنة حين يتوجب الحسم والوضوح في الموقف، ولم يداهن أحــدا من أجل مصلحة شخصية ، فهو منحاز للصدق والعدل والحق بكل ما يجلب له ذلـك الانحياز من متاعب وآلام وكان للبيت الذي تربّى فيه بكل عراقته الاجتماعية وتمسكه بالقيم الدينية أثره في بدايات الوعي الذي تشكلت أولى ملامحه في الإصغاء لحكايات الأم عن سيرة النبي محمد (ص) وأئمة أهل البيت وحكمهم ومآثرهم، فكان الامام علي بن أبي طالب(ع) قد أصبح له رمزا لكل معاني وقيم الايمان والحق والعدل والشجاعة والنبل والإنسانية، وسيزداد تجليا في فكره وروحه حين يقرأ له «نهج البلاغة» ليخلص إلى حقيقة غربة هذا الرمز في كل العصور حين يقرأ على عتباته «الســلام عليك ايها الغريب في كل العصور».
وتبدأ رحلة البحث عن الحقيقة في زمن مبكر حيث اقتحم بجرأة كبيرة ابوابا كانــــت موصدة بوجه الكثيرين من أقرانه وهم في سن الصبا، وكانت بذور الوعي الثقافي التــي أمدّته به صحف ومجلات وكتب ظل يحرص على قراءتها، قد منحته نضجا متقدما فـــي الوعي الفكري والسياسي.
وفي سنوات الصراع السياسي والفكري المحتدم في بدايات الستينات من القــرن الماضي تعرف على الادبيات الماركسية التي كان يحرص على قراءتها ومتابعتها التــي قادته الى السجن مبكرا وهو طالب في المرحلة الثانوية، وهناك بدأت رحلة الانتماء الحقيقي حيث امتحن ذلك الصبي المتوقد ذكاء وتطلعا للمعرفة بمواقف كبر معها فـي الفكر والسلوك. ولم تنل منه المعتقلات التي ستفتح أبوابها له في سنوات دراستـه الجامعية وهو يزداد صلابة في الموقف الفكري وتتجلى له الحقائق التي آمن بهــا أكثر وضوحا في قراءة الواقع السياسي، فلقد كانت الماركسية والشيوعية الرحــم الاول الذي خرج منه الى الحياة. فاختار الانتماء الى نضال الشعب ضد أنظمة القمع والديكتاتورية ومن أجل الحرية والديمقراطية مستقبلا لوطنه.
وتجسد ذلك الوعي السياسي والفكري في نشاطاته الثقافية والعلمية من خلال مقالاتـه في الصحف والمجلات العراقية والعربية فيما بعد.. ورغم محطات السجن التي توقـــف عندها في دراسته الجامعية فقد أكمل دراسته الاولية في كلية الزراعة - قسم التربة بتفوق ليبدأ مسيرة العمل في دوائر البحث العلمي في اختصاصات دقيقة لتكون زوادته وهــــــو يبدأ بعد سنوات طويلة من الخدمة الوظيفية استعداداته لدراسة الماجستير التي سيحصــل عليها بدرجة امتياز.
وكان نموذجا رائعا في ميادين العمل، فنال محبة زملائه الخالصة الذين كانـوا يجدون فيه معلما قديرا يفتح لهم نوافذ المعرفة بمحبة حقيقية، وكان حرصه وأمانتـه ودقته ومثابرته في إنجاز عمله نموذجا مشرفا في سجله الوظيفي والاجتماعي.
 لقد ظل التلاقح بين الالتزام الفكري والثقافي والسلوك اليومي والعملي ما يميــز الاستاذ قاسم عبد الأمير عجام عن الكثيرين من المثقفين والادباء في سنوات حكــم الطاغية الذين سقطوا في فخاخ المغريات التي نصبها لهم بدراية واتقان شديدين جـلادو الثقافة الوطنية في زمن تكميم الافواه، وغسيل الادمغة، وترسيخ ثقافة الحزب الفاشـي فلم تدنس روحه وضميره «مكارم راعي الابداع والثقافة «! التي بيعت على اعتابها ذمم وضمائر جوقة المداحين والمهرجين من ادعياء الشعر ونقّاد رؤساء تحرير الصحف ومجلات النظام المقبور.
وسط كل هذا التلوث الثقافي ظل الاستاذ قاسم عبد الأمير عجام مثلما عهـــده كل اللذين عرفوه وأحبوه مستقيما متألقا ومحصنا بأسوار قيمه ومبادئه المنيعة، متدفقـــــا بعطاءاته الثقافية الرصينة التي ترفعت عن مهرجانات بيع ماء الوجه في حضـرة الطاغية و ازلامه، فكان يقوم بعمل مضن في ميادين اختصاصه العلمي يتطلب منه سفرا يوميا مـن ناحية المشروع إلى مدينة الحلة وزمنا مهدورا في كراجات النقل ليغادر بيته في أول الصباح ويعود إليه مع هبوط الظلام، ذلك العمل الذي اقتطع مساحات كبيرة من عملـــــه الثقافي والأدبي لصالح بقائه وعائلته متماسكا قويا يواجه عواصف محن الحصار! ووسط دوامات هموم العمل والسفر اليومي كان الاستاذ قاسم عبد الأمير متألقا فـــــــــي أماسي اتحاد الأدباء والحلقات الدراسية في جامعة بابل ومؤتمرات ثقافية في جامعـة الكوفة وقراءات وكتابات مبدعة، وبحوث في البيئة.
وكنا نتساءل من أين له كل هــذا الوقت ليثمر نشاطا ابداعيا متدفقا؟ وكنت أجد الاجابة حين حدثني مرة بانه يبدأ نشاطــه الابداعي مع فجر كل يوم إذ لم يحصل مرة أن طلعت شمس عليه وهو نائم!
 وظل الاستاذ قاسم عبد الأمير أمينا لكل انتماءاته الفكرية والسياسية والاخلاقيــــــــة فكانت مقالاته ودراساته التي اتسعت لها صفحات «طريق الشعب» و»الفكر الجديــد» و «الثقافة الجديدة» و»الثقافة» و»الأقلام» و»الآداب» تعكس تلك الانتماءات وهي تتصدى لموضوعات في النقد الادبي والهموم الثقافية والنقد التلفزيوني والمقالة الادبيــة.
كنت أجد عنده شفافية متميزة في الحوارات الثقافية وفي التصدي لهموم الوضع السياسي، وكان يضفي سحرا خاصا على الأماسي الادبية والحلقات الدراسية التي يسهم فيها برشاقته المتميزة في الحديث ولغته المتماسكة والقوية وقدرته على الاقناع من خلال اعتماده الحجة والأمثلة والوقائع والربط المحكم فيما بينها وصولا الى الاستنتاجات التـي يخلص اليها في بحوثه ودراساته بما يدفع بالحضور الى منحه إصغاءً عميقا ومتفاعــلا لإلقائه المتميز.
 ظل ينأى بنفسه عن «الشللية» في الوسط الثقافي والأدبي والاضواء التي لجأ اليهـــا الكثير من أدعياء الثقافة والادب في سنوات الخراب الكبير، وكانت اسهاماته الادبية بمــا فيها من عمق فكري ورؤى ناضجة تشير اليه وتحفز الكثيرين من الادباء والمثقفيـن الكبار للوصول اليه واللقاء معه. كان العمل الادبي بما يحمله من مضامين إبداعيـة وفكرية وما يشده اليه في الكتابة ولم يكتب مرة تحت تأثير بريق اسم صاحب العمـل حتى ولو كان من «العيار الثقيل».
 أرسى الاستاذ قاسم عبد الأمير عجام دعائم النقد التلفزيوني في الصحافة العراقيــــة في بداية السبعينات من القرن الماضي، وكان له السبق في ذلك حيث استقطبت مقالاتـــه النقدية للأعمال التلفزيونية ودعوته لإشاعة مفاهيم وقيم متقدمة في حياة المجتمع اهتمــام الاوساط الاجتماعية التي منحها رؤية نقدية واعية لما يقدمه التلفزيون، فما يكاد يذكــــر النقد التلفزيوني إلا ويذكر معه أستاذنا الجليل قاسم عبد الأمير عجام رائدا وفارسا فـــــي هذا الميدان من النقد.
وقدمت دراسته الطويلة والعميقة في جدلية العلاقة بين السينما والايديولوجيا التــي نشرت ضمن سلسلة الموسوعة الصغيرة بعنوان «الضوء الكاذب في السينمـا الامريكية» إجابات عميقة في المضامين الفكرية الاستعمارية التي اعتمدتها أشهـر وأضخم الافلام في تأكيد تلك المضامين التي ترسخ أسطورة التفوق الاميركي.
ولقد أغنت دراسته العلمية الطويلة والتي نشرت أيضا ضمن سلسلة الموسوعـة الصغيرة والموسومة ب «التعايش بين البقوليات وبكتريا العقد الجذرية – اسســه وتطبيقاته « مكتبتنا العلمية على ضوء النتائج التي خلصت اليها في ميدان تأكيد وفاعليــة اللقاح البكتيري في البقوليات.
ولأنه إنسان حقيقي فقد أضاف لسموه الفكري والثقافي والعلمي سموا أخلاقيا فــــــي العلاقة مع أهله واحبته، فلقد كان سخيا وكريما مع الجميع. لم يتأخر على أحد منهم فـــي الفرح والحزن، يعطي للفقراء من رحمه مما لم يكن فائضا عنده، وكان يملأ البيوت التـي يدخلها احساسا بالفرح والمتعة والفائدة في حديثه الذي يدخل قلوب الجميع بألفة حقيقيــة.
تحية المحبة والتقدير والاحترام الكبير لمعلمي الاول الذي لم أقل فيه كل ما يستحــق وسأظل أتطلّع إليه أبدا مستقيما مثل سارية العلم.  



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية