القتل على الهوية.. " الوطنية "..!       الثلاثاء 2019/ 22/11 (انتفاضة تشرين 2019)       مفوضية حقوق الإنسان توثق انتهاكات جديدة ضد المتظاهرين: استمرار القتل والاختطاف!       ساحة التحرير.. عراق مصغر       تقرير أممي       مشاهدات من ساحة التحرير..يكتبها سعدون محسن ضمد       شذرات احتجاجية       قنابل دخان ورصاص حي..عملية اقتحام "فاشلة" على جسري السنك والأحرار لفض الاحتجاجات       محامون "متطوعون" للدفاع عن المتظاهرين المعتقلين       الـ"تك تك": الملاك الحارس لشباب الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :43
من الضيوف : 43
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 28694586
عدد الزيارات اليوم : 492
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ذاكرة عراقية


ثورة العشرين... تفاصيل جديدة يرويها شاهد عيان

 عبد الستار البيضاني
انقسم  العراقيون في توصيف ثورة العشرين كما هو شأنهم في الانقسام على كل شيء،  سواء كان ماضيا انتهى أوراهنا يعيشونه!، فمنهم من وصفها ب(التمرد  العشائري)، ومنهم من آمن بانها ثورة حقيقية مستوفية لشروطها . وكالعادة ثمة  تهم وتبريرات جاهزة لكل طرف تمنعه عن البحث الميداني؛ فالمتحمسون لوصف  الثورة هم (عاطفيون) بنظر الذين يعتقدونها (تمرد عشائري)، وهؤلاء ايضا  تعددت اوصافهم و تهمهم بنظر المتحمسين للثورة!.


 بالتأكيد نحن هنا ليس بمعرض المقارنة او المناظرة بين الفريقين، لكن وددنا الاشارة الى تعددالدوافع خلف وصف (التمرد العشائري) لكنها تكاد تتفق في اعتقادها انه رد فعل آني غير مخطط له تجاه ظروف حياتية عاشتها القرى العراقية بشكل خاص والمدن بشكل اقل حدة. وقد يكون هذا (الاعتقاد)  محض وجهة نظر شخصية وفهم فردي لتحليل وتوصيف ماحدث في حزيران 1920، وفي الوقت نفسه قد يكون نتاج موقف مسبق  يأتي ضمن سياق ايديولوجي او ديني أو طبقي او سياسي، واحيانا هو تعبير عن موقف طبقي استعلائي لايؤمن بوعي سياسي لطبقة الفلاحين والملاك والاقطاعيين ورجال الدين الذين خططوا وقادوا الثورة وفاوضوا على نتائجها. وهذه اشكالية تحتاج الى بحث معمق يدرس كل موقف ويحلله بشكل منفرد، معتمدا على الوقائع الميدانية من بيئتها الحقيقية، وليس اعادة انتاج  للأراءوالتدوينات التي كتبت من قبل شخصيات من خارج بيئة الحدث حتى وان كانت عاصرت الوقائع زمنيا أو اقتربت من بيئتها، حيث صارت هذه الكتابات المصادر المعتمدة او الوحيدة للحدث  في عقود لاحقة من زمن الثورة  سواء ان كانت عراقية او اجنبية.
هذه الملاحظة اثارت لدينا اسئلة جوهرية عن غياب وثائق الثورة ، واهمال توثيق شهود الميدان، وهذا بدوره يدعونا الى دراسة وتقييم موقف الحكومات العراقية المتعاقبة الملكية والجمهورية من الثورة!.حتى التاريخ الشفاهي للثورة وما نتج عنه من شعر ومرويات عانى بسبب عدم التدوين المبكر من الخلط بين احداث ووقائع مجاورة لزمن الثورة ومنها معارك مقاومة الاحتلال البريطاني مثل معركة الشعيبة وانتفاضات عشائر الفرات الاوسط والجنوب في الثلاثينيات.
هذه التباينات في النظر الى الثورة امتدت الى عراق مابعد 2003 وحفزت شهية البعض للمقارنة بين الاحتلالين البريطاني والامريكي وتقييم نتائج مقاومة الاول (ثورة العشرين) وعكسها على مقاومة الثاني بجميع عناوينها، فمنهم  من عد ثورة العشرين بداية الوعي السياسي في العراق الحديث وبناء الدولة، ومنهم من عدها انتكاسة للمشروع الحداثوي الذي جاء به الاحتلال البريطاني على انقاض الامبراطورية العثمانية، والبعض يذهب بعيدا فيرى في ما يعانيه العراق الآن هو بعض من نتائج تلك (الانتكاسة) التي ادت الى تأسيس دولة قبل توفر ونضوج عوامل ومقومات تأسيسها !.
لانستبعد ان يكون هذا التناقض في الحكمين على الثورة هو نتاج موقف موارب من الحكومات العراقية في العهدين الملكي والجمهوري وكذلك عهد مابعد الاحتلال الامريكي، فثمة موقف معلن من الثورة يعدها مناسبة وطنية وآخر مضمر وخفي يسعى الى تحجيمها و طمس هويتها، أو النظر اليها من زاوية ضيقة تلائم نظرة الحاكم، واذكًر هنا بفيلم (المسألة الكبرى) وما انطوى عليه من تفاصيل خفية لم يتم كشفها حتى الآن، واشيربالتحديد الى شخصية شاعر الثورة محمد مهدي البصير التي مثلها الراحل يوسف العاني التي ضيقت مساحتها الى حد انها لاتتكلم طوال الفيلم، وبدا دوره لايختلف عن دور الكومبارس، وهو دور لايناسب حجم ومكانة يوسف العاني الفنية ، وحسب ماقال يوسف العاني ان مساحة الشخصية في السيناريو الاصلي اكبر مما ظهرت عليه، وتعرضت للتقليص والحذف حتى المراحل الاخيرة من المونتاج بتدخل شخصي من الرئيس صدام حسين لعدم ارتياحه من شخصية البصير،  وهذه قضية اتمنى على المعنيين بالسينما بحثها مادام بعض الشهود ما زال على قيد الحياة ومنهم مخرج الفيلم محمد شكري جميل.
وقبل ذلك موقف مزاحم الباججي الذي شكك بعروبة وعراقية العشائر الثائرة تزلفا للبريطانيين، وتبع ذلك التعتيم بمختلف الحجج على نشر مذكرات قادة الثورة، ونشير هنا الى لغز اختفاء كتاب (المباديء والرجال) الذي ألفه السيد محسن ابو طبيخ احد قادة الثورة وأصدره في العام 1938 في لبنان، وقد منعت الحكومة العراقية تداوله وقتها، وهو الكتاب الذي وصفه المؤرخ عبد الرزاق الحسني في مقدمته لمذكرات ابو طبيخ بانه (الان اندر من الكبريت الاحمر)، وفي العام 2011 زرت السيد احمد ابو طبيخ حفيد السيد محسن ابو طبيخ ومدون مذكراته في الديوانية وطلبت منه اعادة اصدار الكتاب بعد ان زالت الموانع، ووعدني بانه سيفعل ذلك، لكنه لايمتلك نسخة منه وهناك نسخة عند احد احفادهم المتواجد في تركيا، (أعيد طبع الكتاب من قبل المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2003، لكن لانعرف من الذي تبنى نشره). ويشير الحسني الى ان هذا الكتاب فضح نظام الحكم – حكم مابعد ثورة العشرين- والمرتشين وحوى  معلومات لايمكن الحصول عليها في مكان آخر. والشيء المفاجيء ان الاهتمام بالثورة والاحتفاء بذكراها كان اكثر بروزا قبل 2003 منه بعد هذا التاريخ، خاصة ان الثورة تنسب في اهم مفاصلها الى المرجعية الدينية الشيعية وتعد من تراثها السياسي وهذه المرجعية تلعب الآن دورا سياسيا ملموسا والكثير من احزاب السلطة تدعي تمثيلها للمرجعية في النجف !.
ومن منطلق  تجربة شخصية مع هذا الموضوع،ولأن  اغلب ماكتب عن الثورة اعتمد على الوثائق البريطانية وما دون في فترة العراق الملكي، والأخذ بنظر الاعتبار ان البريطانيين وان يرى البعض ان وثائقهم دقيقة، لكنها في النهاية هي شهادة خصم لايمكن الركون اليها بشكل مطلق، وكذلك الحكم الملكي فانه وإن كان نتاج الثورة فأن موقف رجاله من الثورة غير ودي ، و أن رجال الثورة يرون فيه  حقهم المسلوب.ولأننا وجدنا في بعض ماحصلنا عليه من معلومات خلال عملنا الصحفي لايستقيم مع ما متوفر منها في مدونات الثورة، وددنا ان نطرح هنا تجربة شخصية ربما تعزز دعوتنا لإعادة تقييم وقائع الثورة بموضوعية.
  ففي العام 1994 زرت ناحية (المشخاب) في محافظة النجف الاشرف، ضمن عملي في كتابة تحقيقات صحفية عن المدن العراقية لمجلة (ألف باء)، واثناء تجوالي علمت بوجود شخص معمر من المشاركين في ثورة العشرين، ومن فوري ذهبت الى بيت الحاج منعم عبدالزهرة الشيخ محسن آخر الثوار الأحياء(مواليد 1900 حسب ما مدون في بطاقة الاحوال المدنية) . وحال حديثه عن ثورة العشرين و شخصياتها ، ادركت انني امام كنز من المعلومات، فقررت الرجوع الى بغداد والعودة ثانية للمشخاب بعد جلب جهاز تسجيل صوتي  ومعي الصديق المرحوم سيف الدين كاطع الذي كان يرتبط بعلاقة صداقة مع احد احفاده.
كنت سعيدا بماحصلت عليه من معلومات لم اسمع بها من قبل، تضمنها تسجيل نحو ثلاث ساعات استمرت الى وقت متأخر من الليل اضطرتنا الى المبيت في بيت الحاج منعم . كنت على يقين بأنني لن استطيع نشر كل ما ورد في المقابلة، لادراكي انه غير مسموح به ، لذلك اكتفيت بتقديم جزء من المقابلة  اعتقدت انه لن يسبب لي مشاكل عند نشره!.
قدمت المادة الى رئيس التحرير المرحوم امير الحلو، فأجابني ساخرا (أنت ليش تدخل نفسك بمشاكل عن موضوع الكثير من تفاصيله مزوره واكاذيب عملت من بعض الخونة ابطال وسمى بعضهم بالاسم...). ورفض نشر اي شيء عن الموضوع، ما اضطرني ومن باب دفع الاحراج من عائلة الحاج منعم  نشرت جزء قصير من المقابلة في جريدة (العراق) مع صورة للحاج منعم.
وكنت قد حدثت الزميل شامل عبدالقادر عن استغرابي من غياب  مذكرات قادة الثورة وابطالها!، وبعد ان سردت له تفاصيل مثيرة عن عبدالواحدالحاج سكر ابرز قادة الثورة، اتفقناعلى ان نطور التفاصيل والوقائع التي اوردتها عن عبدالواحد سكر ونشترك في تأليف كتاب عن حياته. ومن باب جس النبض قررنا ان ننشره على شكل حلقات في مجلة (ألف باء). وفعلا بدأنا بجمع المعلومات ولقاء شخصيات من عائلة عبدالواحد سكر ومنهم المحامي عاد تكليف آل فرعون، الذي التقيناه في بيته قرب نفق الشرطة في جلسة طويلة دونا فيها الكثير من المعلومات، وكتبنا الحلقة الاولى بشكل مشترك وقدمناها للنشر. رئيس التحرير امير الحلو، رفع المادة الى وزير الثقافة  حامد يوسف حمادي، وبعد ايام رجعت وعليها هامش الوزير حمادي ( ماهو موقفه– يقصد عبدالواحد سكر- وموقف عائلته من قادسية صدام المجيدة وام المعارك الخالدة؟)، وكتب له الحلو اجابة ( عبد الواحد سكر توفي في العام 1954، وان ابنه راهي اعدم في مؤامرة عبدالغني الراوي ومن ثم أُعتبر شهيدا واعيدت الى عائلته حقوقه...)، ومع ذلك أُعيدت لنا المادة وعليها رفض الوزير لنشرها، بقيت المسودات لدى شامل واتفقنا على مواصلة المشروع لكننا تخلينا عنه لاحقا.
 احتفظت بالأشرطةحتى العام 2006، وبقيت في بيتي في منطقة (حي العامل) عندما غادرته الى مصر ومن ثم السليمانية، ولما عدت اليه بعد اكثر عام وجدت ان (حشرة الارضة) قد فتكت بأثاث البيت ومنها مكتبتي، مما اضطرنا الى رش البيت بالنفط ، فتسبب في تلف كل شيء ومنها الاشرطة، ولكنني ولشدة شغفي بما سجلته احفظ  الكثير منه عن ظهر قلب وما سأورده هنا جزء منه اضافة الى ما احتفظت به من مسودات.
ما الذي جعلني اثق بذاكرة الحاج منعم عبدالزهرة؟
 لم يكن الحاج منعم عبدالزهرة قائدا من قادة الثورة، لكنه كان في موضع يسمح له بمعرفة الكثير من الخفايا، فقد (كانت العشائر تتناوب في اعداد الطعام للثوار، وكان هو مكلف في مناوبة عشيرته ان يخدم في ضيافة  عبدالواحد سكر، يجلس في مضيفه ويلبي طلباته وطلبات ضيوفه). يتمتع الحاج منعم بذاكرة متقدة تتيح له سردماسمعه وشاهده بمهارة كاتب سيناريو محترف، غير أنه لايعرف تاريخ الاحداث، اي الايام والاشهر.
دقة وصف الشخصيات وحفظ الحوارات والقصائد واحيانا تقليد انفعالات الشخصيات عند نقل حديثها، هو ما أشعرني بصدق ما يقوله، فهو يروي الاحداث من زاويته، وقد تبدو هذه الزاوية ضيقة قياسا لاحداثثورة شملت مناطق واسعة من ارض العراق، لكنها احداث وتفاصيل لم يتطرق لها احد قبله ، ومصدرها مركز القراريمكن الاستفادة منها في تصحيح بعض ما متداول عن الثورة وبناء صور اخرى عنها.
• عن التخطيط للثورة يروي الحاج منعم؛ بعد فشل ثورة النجف ، دعت سلطات الاحتلال البريطاني جميع رؤساء العشائر لحضور تنفيذ حكم الاعدام بقائد الثورة نجم البقال ورفاقه في الكوفة، وعند عودة رؤساء المشخاب لاحظنا الغضب والاستياء على وجوههم، وفورا اجتمعوا في احد المضايف، وسمعت عبدالواحد سكر يحذر الجميع بصوت غاضب (ديروا بالكم ترى ذوله– ويقصد البريطانيين- دعونا لحضور تنفيذ الاعدام حتى يخوفونا ومحد يحجي ويعارضهم..)، وعلمت انهم قبل ان يعودوا الى المشخاب ذهبوا الى شيخ الشريعة المرجع آية الله العظمى كاظم يزدي ، كما جرى الحديث عن مضايقة الانكليز للفلاحين بفرض الضرائب. وبعدها تشكل وفد من عبدالواحد سكر وسيد نور الياسري وسيد علوان الياسري وسيد محسن ابو طبيخ لمقابلة شيخ الشريعة، وعرضوا عليه الامر فأمرهم بعدم دفع الضرائب، وعندما عادوا من شيخ الشريعة شاهدت عبد الواحد يقول لمن صادفهم( يا آل فتله خزنوا طعام وشلب ترى السنة الدنيا ممحلة، ويجوز ارض فتله تجذبوماكو زرع...)، ويقصد سنة جفاف، كما بدأ هو بشراء الطعام والاسلحة وتخزينها قبل نحو عام من الثورة
واضح ان تصرف وكلام عبدالواحد هو تحضير للثورة من دون ان يشير اليها صراحة،  وهذا يؤكد ان الثورة لم تكن رد فعل آني كما يدعي المشككون بها، وانما مخطط لها مسبقا.
• وعن أول يوم للثورة يروي الحاج منعم؛ بعد اسبوع من مقابلة شيوخ العشائر لشيخ الشريعة جاء الحاكم البريطاني في (ابو صخير) ومعه (المس بيل) بماطور (زورق بخاري) ونزلوا بمضيف آل فرعون، ومد الحاكم البريطاني رجله وسط المضيف امام الناس، فقال له سيد علوان الياسري (انتم الانكليز غير مؤدبين)، فقال الحاكم باستغراب (لماذا؟)، فرد عليه سيد علوان (كيف تمد رجلك امام العشائر؟)، فأجابه الحاكم (أنتم رعية)، فرد عليه سيد علوان (هاي رجلك لازم تنكطع)، وفعلا قطعت رجله في معركة (الرارنجية). بعدها حدث جدل ولغط غادر الحاكم ومن معه المضيف فرمتهم الناس بالحجارة والشتائم. وبعدها أمرنا عبدالواحد سكر برفع البيارق، ورفع البيارق يعني إعلان الحرب.
تجمعت كل عشيرة تحت بيرقها وزحفنا الى مقر الحاكم البريطاني في حامية (ابو صخير)، وحاصرناه ، فطلب بخت (أمان) شيخ الشريعة، وفعلا اعطوهم الأمان واخذوهم الى الكوفة ودخلناها هازجين:
(فكينا أبوابك يعراكي)
اي فتحنا ابوابك ياعراقنا (يعراكي)، في اشارة الى تحريره من الاحتلال البريطاني، وفي الوقت نفسه دخلت الحامية عشيرة أخرى اجابتنا باهزوجة :
                (والنوبه نعود لغرناطه)
اي بعد ان نفتح ابواب العراق سنتجه لنفتح ابواب غرناطة في الأندلس. وتحولت الاهزوجتان الى أهزوجة واحدة  ( فكينا ابوابك يعراكي..ونوبه نعود لغرناطه)، التهبت المنطقة والتحقت جميع العشائر والفلاحين بالثوار، وكانت احدى العشائر قد قلعت سكة الحديد، وجاوبتنا بأهزوجة ثالثة:
                 ( والداخل يتنومس بينا)
اي ان عبد الرحمن الداخل ( مؤسس الدولة الاموية في الاندلس) سيفتخر بنا.
نعتقد ان هذه الاهازيج ذات البعد القومي وحدها هي ابلغ رد على تشكيك مزاحم الباجه جي بعراقية وعروبة العشائر التي قامت بالثورة، في خطابه الذي ودع فيه الكولونيل ولسن وكيل المندوب السامي البريطاني بعد اخماده الثورة عسكريا .. والغريب ان البعض من المشككين بعراقية الثورة - ومنهم من ادعياء القومية، يعتمدون على خطاب الباجه جي ولا يلتفتون الى هذه الوقائع الميدانية التي تؤكد الشعور الوطني والقومي للثوار قبل ظهور ايديولوجيات وأسماء مثل ميشيل عفلق او جمال عبدالناصر.، كما تنفي وجود اصابع ايرانية  حركت الثورة !.مثلما تنفي ايضا أدعاءات البعض الغريب ان (البلاشفة) في موسكو كانوا يحركون الثورة من خلال علاقتهم بابن آية الله الشيرازي!.واثناء ذلك – كما يذكر منعم – ارسل عبدالواحد (200) ليره الى شعلان ابو الجون وابن عمه غثيث مع الشيخ رحوم آل شيخ جواد الظالمي الذي كان يسكن المشخاب وأوصاه باخبارهم بضرورة قلع سكة الحديد.
• ويكشف الحاج منعم عن لقاء لم يشر اليه أحد من قبل بين الحاج عبدالواحد سكر والشيخ ضاري المحمود، حيث يقول : كنا (مجودرين) في منطقة (الوند) بين كربلاء والحلة، وكان ذاك اليوم الطبخ على عشيرتنا،، وكان  واجبي كالمعتاد في خيمة عبدالواحد سكر، وفي عصر احد الايام وكان يجلس مع عبدالواحد  شقيقه كاظم سكر الذي يُعد القائد العسكري للثورة والسيد محسن الحكيم وكان مازال شابا، وفي هذا الوقت جاء ثلاثة خيالة، واثناء قيامي على ضيافتهم سمعت عبدالواحد سكر يعرف الخيالة الثلاثة للحاضرين وهو يشير اليهم بيده (هذا محمد جعفر ابو التمن، وهذا يوسف السويدي، وهذا ضاري المحمود شيخ زوبع)، وسمعت ضمن ما سمعت الشيخ ضاري  يشكي لعبد الواحد من الضابط الانكليزي الموجود في منطقتهم ( هذا الضابط مأذينا هواي ومضوجنه..)، فسأله عبد الواحد (شكد عندك تفاكه؟)،  اي كم عدد حملة البنادق لديك؟ ، أجابه الشيخ ضاري (450 تفاك)، فقال عبدالواحدلضاري بشيء من العتب (تشوف هاي طويريج والمهناوية والشامية والرميثة ... كلها تقاتل بريطانيا العظمى بسلاحها البسيط ، وانت عندك 450 تفاك وتشتكي من ضابط ..)، رد ضاري بالسؤال (شسويله)، اجابه عبدالواحد (طكه جيلة وخلص منه...). خرج الثلاثة قبل الغروب بقليل، وخرج عبدالواحد وكاظم وسيد محسن لتوديعهم، وكنت واقف اراقبهم، وشاهدت عبدالواحد وكاظم ينفردان معهم بكلام طويل قبل ان يغادروا.
• يقول الحاج منعم بعد ان اشتعلت المعارك في (الرميثة) زحفنا باتجاه (الكفل)، وقد علمنا ان الجيش البريطاني تقدم باتجاهنا من (الحلة)، فتقدمنا اليه في (الرارنجية) ووقعت معركة الرارنجية الشهيرة، فقد ثارت بنادقنا عليهم مع الغروب، وهجمنا عليهم بفزعة واحدة، وهنا عرفنا ان الانكليز جبناء فقد هرب كل عشرة منهم باتجاه، وعندما حاولوا الانسحاب باتجاه الحلة ذهب عبدالواحد على فرسه الى اهالي المهناوية (الشامية) وآل عبادة الذين كانوا يعسكرون معنا وطلب منهم قطع الطريق على الانكليز وفعلا التقوا في الكفل ونحن في أثرهم وحدثت معركة استعملت فيها جميع الاسلحة؛ البنادق والمدافع والسيوف و(المكاوير)  والعصي و(السنكي) اي السلاح الابيض وفي الساعة العاشرة ليلا انسحق الجيش البريطاني واراد عبدالواحد ان يتبعهم الى الحلة عبر اراضي عشيرة (بني حسن)، إلا ان شيخ بني حسن رفض وقال (نحن نتحمل مسؤولية اراضينا..)، فرد عليه عبدالواحد هذا وقت ثورة وليس وقت عشائر.
انتصار الثوار في معركة الرارنجيةجعل عبدالواحد يقرر الزحف الى بغداد، فدعا  الى شراء وتخزين المزيد من الاسلحةوخاصة (الدان) قبل توجههم الى الحلة في طريقهم الى بغداد وكان يشتري الدانه الواحدة ب(ليره)، وفي احدى الليالي كان يتحدث بحزن شديد مع خاصته عن احدى العشائر(ذكر لي اسمها) التي كانت تبيع ماغنمته من اسلحة في وقت تدعي التهيوء للقتال!.
وبعد اسبوع من ذلك تجمعنا في الهندية مع عشائر أخرى وحاصرنا الانكليز في الحلة ، وكانوا في وضع دفاعي فقد بنوا القلاع المسورة بالحديد والاسلاك الشائكة ، وبعد نحو (20) يوما تقدمنا على طريق النبي ايوب ووصلنا الى اطراف الحلة ونحن نسلك الطريق الكائن بين شط الحلة وشارع النبي ايوب ، وفجأة وصلتنا نيران كثيفة من مراكب الانكليز في الشط ومدرعاتهم على الشارع، حينها علمنا بانهيار جبهة (عفك) بسبب الخيانات ، كما ان عشائر الهندية انسحبت، عندها انسحبنا وعسكرنا بين (المسيب) و(كربلاء) في منطقة تلول تدعى (الوند)،حيث كان المخطط ان ندخل الحلة لنكون على مشارف بغداد، وكانت الحلة هي المفتاح ، وقد شهدت منطقة (الوند) اعنف المعارك وكان قصف الطائرات مستمر، لكن الثوار صمدوا وكانوا متفائلين، لولا التخاذل والخيانات، فقد حدث ان  شخص اسمه (......)، وهو من الوجوه والتجار المعروفين كان وسيط بين الثوار والقوات البريطانية، وكان خلال مفاوضاته وحديثه مع قادة الثورة يدعو الثوار الى التريث في دخول الحلة، لأن القوات البريطانية سوف تنسحب منها بدون قتال، وسعى الى اقناع الثوار الى بأهمية الانتظار تجنبا للخسائر، لكن في النهاية اتضحت حقيقة هذا الشخص بان مهمته هي تعطيل تقدم الثوار الى بغداد لحين وصول قوات بريطانية اضافية للحلة تعزز موقفهم، خاصة وانه كان هناك تنسيق للثوار مع عشائر الجنابات والمحياويين لمسك الطريق بين الحلة وبغداد (المحمودية واليوسفية)، وان العقدة الوحيدة الباقية للوصول الى بغداد هي الحلة، ويبدو ان مهمة هذا الوسيط العراقي تتركز على ابقاء قوات الثوار في منطقة (الوند) لكي تكون هدفا سهلا لطائرات الانكليز، وفعلا كثف البريطانيون هجماتهم بالمدفعية والطائرات بعد تعزيز قوتهم بلوائين اضافيين، وكانت المنطقة مشتعلة طول الوقت وتم التضييق على قوات الثورة، ولولا خطة الخيانة التي نفذها (....) وخدع بها الثوار لأندفعنا بسهولة الى بغداد بعد السيطرة على الحلة. هكذا كنت اسمع قادة الثورة يتحدثون في خيمة عبدالواحد، وبعضهم كان يعتقد ان ماحدث في الوند هو السبب الميداني لفشل الثورة.

المشهد الأخير للثورة
على طريقة كتاب السيناريوهات  يصور لنا الحاج منعم عبد الزهرة  المشهد الاخير للثورة، وهو مشهد تسليم ابرز قادة الثورة عبدالواحد الحاج سكر نفسه لقوات الاحتلال البريطاني وهو مشهد لم نجد له ذكر في أي من مدونات الثورة، وننقله على ذمته.
يقول الحاج منعم بعد ماتعرضت له قوات الثوار في الوند من خسائر وتقدم قوات بريطانية كبيرة انسحب الثوار كل الى جهة معينة لكي لايقع في اسر الانكليز ونحن ايضا انسحبنا الى قرانا وبيوتنا، وبقينا نتابع بيانات البريطانيين التي تدعو الى تسليم واعتقال قادة الثورة ومنهم عبدالواحد سكر الذي ركز عليه الانكليز كثيرا، وكان هو يتنقل في البيوت والقرى المحيطة بالمشخاب، وكانت الطائرات البريطانية تقصف المضايف التي تعتقد بوجود عبدالواحد فيها، وتعرضت الكثير من البيوت والمضايف القصف الوحشي، وذات ليلة رأيت مع ناس آخرين عبدالواحد في احد البيوت يتحدث بعصبية عن نيته تسليم نفسه للبريطانيين، وكان الجميع يتوسلون به ان لايسلم نفسه وانهم يفدونه بكل شيء، ورد عليهم بالقول ( الانكليز يريدون راسي..شنو ذنب الناس تتفلش مضايفها ويروح حلالها..شلون تقبلون تتكتل العوائل والنسوان والاطفال علمود انا أعيش.. الانكليز يريدوني..انتم شنو ذنبكم؟..).
وقد ابلغ الجميع في المكان الذي سيسلم في نفسه وهو مبنى قريب من الكوفه ( سماه لي ولا اتذكره)، وفي صباح ذلك اليوم ذهب الناس من مختلف الاعمار رجال ونساء واطفال وعوائل كاملة الى ذلك المبنى ليشاهدو كيف سيسلم عبدالواحد نفسه  للانكليز.. وكنت معهم – يقول الحاج منعم – وقد تشكلت الجموع على شكل مربع امام المبنى مع وجود مسافة كبيرة لأن الجيش البريطاني لم يسمح للناس الاقتراب من المبنى، وكان اغلب الحضور  يخشون من اعدام عبدالواحد في هذا المكان..وكانت هناك طائرة صغيرة ذات جناحين مزدوجين جاثمة امام المبنى بالقرب من مدخله.. وعند الظهر او بعده بقليل جاء عبدالواحد اخترق ضلع المربع المقابل للمبنى وكانت بينه وبين باب المبنى مسافة طويله، وصمت الجميع وكأنهم اختنقوا بانفاسهم..كان عبدالواحد يمشي بهدوء داخل الفراغ الذي شكله مربع صفوف الناس.. كنا قلقين ننتظر بقسوة ما الذي سيفعله عبد الواحد ، او ما الذي سيفعله به الانكليز.. لم يقترب منه احد من البريطانيين او العراقيين.... وعندما اقترب  من باب المبنى وكانت الطائرة جاثمة على يمينه، فجأة تخلى عبدالواحد عن هدوئه وركض باتجاه الطائرة وصل عندها ورفع يشماغه وعقاله من على رأسه ووضعهما على جناح الطائرة وصاح بصوت مدوي مخاطبا الطائرة (أني مسلم ألج موللأنكليز) ..في اشارة الى انه لو لا الطائرات لما تمكن الانكليز من افشال الثورة.
وكانت تلك آخر المشاهد للثورة التي رآها آخر شهودها المرحوم عبدالمنعم عبدالزهرة.



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية