العدد(126) الثلاثاء 17/03/2020 (انتفاضة تشرين 2019)       الناصرية تنتفض.. إحراق مقار حكومية وإغلاق عدد من الطرق       متظاهرون يروون حكاياتهم: هكذا تحدّينا القمع والموت       حكاية شهيد..ريمون ريان سالم، صغير العمر كبير الفكر والروح والمسؤولية الوطنية!       متحف الدمع       هتافات رفض مرشحي الأحزاب تعود لساحات التظاهر       هل يساهم "كورونا " بشق صفوف الاحتجاجات وإيقاف المظاهرات والاعتصامات       بالمكشوف: "جرابيع" أمريكا       رياض أسعد.. الرصاصة تختار من لا يعرف الانحناء       الغارديان: الجماعات المسلحة تستخدم القتل والاختطاف لإنهاء الاحتجاجات    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :61
من الضيوف : 61
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 31856850
عدد الزيارات اليوم : 16686
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


مع احمد حامد الصراف

مير بصري
لو كان للصداقة  مساوئ –والصداقة كلها فضائل ومحاسن– لكان من مساوئها أنها تمنع الصديق من  إيفاء حق صديقه والإشادة بذكر محامده وشمائله ومزاياه. وماذا عساي أقول في  الصديق الكريم الألمعي والمحدث الساحر والراوية اللبق ذي الذوق الأنيق  والطبع الرقيق الأستاذ احمد حامد الصراف وكيف اصف عذوبة حديثه وإشراق  ديباجته وصفاء جهيرته وسريرته؟


احمد حامد الصراف شخصية ذات جوانب متعددة: فهو حقوقي بارع، شغل وظائف إدارية وقضائية كثيرة وجاب ألوية العراق رسولا للعدالة، وهو أديب يصول قلمه ويجول ضليعا بآداب العربية والفارسية والتركية وله حافظة قوية تختزن بدائع المنظوم وروائع المنثور وهو باحث محقق أولع بأخبار المتصوفة والدراويش وأرباب الطرق واستقصى سيرهم وآثارهم وهو بعد كل ذلك رجل أنساني ذو عاطفة ملتهبة تتوقد وتتمرد وتثور وله قلب شديد الخفقان يفيض باللوعة والحنان ودمع سريع الهميان يرثى لحال الإنس والجان.
الظاهرة الأولى التي تجذبك إلى الصراف أناقة ملبسه فهو يعتني بهندامه اشد العناية ويشد رباط رقبته شدا خاصا ويهيم بالمسابح والفصوص والعطور. عرّف الظرف في العهد العباسي المتأخر فقيل (من تختّم بالعقيق وقرأ لأبي عمرو وحفظ قصيدة ابن زريق (لا تعذليه فان العذل يولعه) فقد استكمل الظرف. لا ريب أن الصراف يعتبر ظريفا في عرف هذا القياس. وقد خلّد لنا التاريخ أديبين كانا يتأنقان بملبسهما وإنشائهما على السواء أولهما بوفون الفرنسي قائل الكلمة المأثورة (الأسلوب هو الرجل) والآخر الكاتب المصري مصطفى لطفي المنفلوطي (صاحب النظرات والعبرات). ولا يقل الصراف عنهما أناقة في ملبسه وكتابته.
وصديقنا الصراف كما قلنا رجل عاطفي أن تذكر له حادثة مشجية أو أمر مؤسي لتستثير كوامن لواعجه وتمس من قلبه وترا حساسا. وقد بلي قبل ربع قرن بوفاة أمه التي يكن لها اسمى معاني الحب والحرمة وبلي قبل سنوات بوفاة خالته وأخيه محمود فسكب عليهم الدمع الغزير ولا يزال كلما ذكرهم يردد الحسرات والزفرات.
أما أبوه الحاج موسى فقد فجع به وهو غلام يافع فظل في ذهنه مثالا للرجولة والمروءة وسمو النفس.
أن توقد عاطفة الصراف وإرهاف حسه قد دفعه –على ما اعتقد– إلى حبّ التصوف وأصحابه فدرس الخيام والحلاج وإضرابهما وتتبع أخبار الدراويش والغلاة وشدّ الرحال إلى إيران بحثا عن شؤونهم و آثارهم. وكتب إلي ذات مرة من كركوك –وهو آنذاك حاكم بداءتها– يقول انه عثر على ديوان مولانا خالد النقشبندي (شيخ الطريقة المبجل في شمالي العراق المتوفى في دمشق سنة 1827) فهو منصرف إليه مكبّ عليه منشغل به عن كل ما عداه.
فكتبت إليه من أبيات:
وجـــد الأستاذ شعــر النقشبنـــدي
فتناسى حافظا جامي وسعدي
وارتضــــاه دون أهل الــــود خلاّ
واصطفــاه إلف إغراق ووجد
والصراف يحب شخصيات تاريخية كثيرة في مقدمتها الإمام علي والسيد المسيح. فهو يحب في علي البطل الصنديد والرجل العادل النبيل فيفيض في ذكر محامده ويتمثل بالأبيات الشهيرة:
 
حب علي بن أبي طالـــــب    
أحلى من الشهـــد إلى الشــارب
لو فتشـــوا قلبي لألفوا به
حرفين قد خطّا بلا كــــاتب
العــــدل والإيمان في جانب
وحب آل البيت في جـــانب
 
ويحب في يسوع اللطف والطيبة والوداعة ويرى في خطبة الجبل أسمى تعبير عن المحبة والانسانية والاخوة البشرية. إن الصراف يدين بدين الحب فهو يكاد ينطق بلسان محيي الدين ابن عربي هاتفاً :
لقد كنت قبل اليوم صاحبـــــــي
لذا لم يكن إلى دينــــــه داني
وقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمسرح أظباء ومرعى لغزلان
وبيت لأوثان وكعبة طائــــــف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحبّ أنىّ توجهت
ركائبه فالحب ديني وإيماني
والصراف ذكي إلى حدّ الإفراط وهو يعلم ذلك ولا يصطنع التواضع في الإشارة إلى ذكائه. وقد قال ذات يوم: سبحان الله فاطر السماوات والارضين ، خلق اخوين لأب وام فخصّ احدهما بالذكاء الفارط وجعل الثاني في الحضيض الاوهد من البلادة والغباء .. وقيل ان عمر بن الخطاب كان إذا رأى الرجل يتجلجل في كلامه قال: خالق هذا وخالق عمرو بن العاص واحد!
ويمكن القول ان ذكاء الصراف قد جنى عليه فدعا إلى فصله من الوظيفة مرتين : ففي المرة الاولى عيّن أديبنا سكرتيرا لإحدى القنصليات العراقية  في ايران وبدلا من ان يشخص الى بلد الفردوسي و سعدي، طلب اجازة وسافر الى ربوع الشام . وفي ذلك الصيف نفسه مضى الى الاصطياف القنصل نفسه الذي عيّن الصراف سكرتيرا له فالتقى هناك الرئيس و المرؤوس.
وكان القنصل رجلا عظاميا كبير المقام قليل الكلام، وكان السكرتير الأديب ينتقل في سورية ولبنان من ناد إلى ناد ومن مجلس إلى مجلس فيلقي المحاضرات ويأسر الألباب بأحاديثه ولطائفه و محفوظاته و لا ينسى في أثناء ذلك ان يقدم رئيسه الصامت بعبارات التفخيم والتبجيل ، حتى اذا ما انتهى موسم الصيف وعاد القنصل وسكرتيره إلى العراق ذهب الأول إلى مقرّ منصبه في إيران وآب صاحبنا بالفصل والحرمان.
وفي المرة الثانية – وبعد زهاء عشر سنين – جمع بالصراف حصان اللسان فقال في نشوة الحديث (ثلاثة في العراق لا يعرفون كتابة سطرين متصلين، وصرّح بالأسماء فاذا ثالث الثلاثة الوزير الذي يعمل صاحبنا في وزارته . وسرعان ما نمي الخبر الى الوزير الخطير فلم يغمض له جفن حتى أطلق المتكلم من قيد الوظيفة .
واحمد حامد الصراف محدث لبق تسعفه ذاكرته بمئات الشواهد والقصص والروايات والأشعار. وله منطق عذب وخيال خصب يوسع لحديثه الآفاق ويسبغ عليه صفات الإمتاع والإشراق. ولعله من النفر القليل الذي يحفظ النثر فيروي المقدمات والفصول بطريقة فذة. أما روايته للشعر فتختلف باختلاف مزاجه: فإذا رغب في مدح الشاعر ورفع شأنه روى شعره بأسلوب ساحر خلاب يصفي عليه معاني اللطف والرواء ، واذا شاء غير ذلك روى الشعر باسلوب هازل لاذع يحط من قيمته وينزل به الى دركات الابتذال والإسفاف.
والصراف يلمع في المجالس والدواوين فيأخذ بمجامع الحديث ويستهوي النفوس والالباب. وقد حدث مرة ان اجتمع نادي القلم إبّان عزه لسماع محاضرة للصراف في الدراويش . وكان الاجتماع حافلا برجال الفضل والقلم، وقد حضره بدعوة خاصة سرب من المعلمات اللبنانيات . لم يكد الصراف يمضي في  إلقاء محاضرته حتى نسي انه في مجلس علم وأدب وخال نفسه متصدرا ناديا من اندية مدام ريكامييه الجميلة او مدام دي ستال الذكية الفطنة فترك النصّ المكتوب جانبا . واخذ يفيض في حديث الدراويش ويروي نوادرهم واخبارهم وينشد أشعارهم واذكارهم والعيون متطلعة اليه والاسماع مصغية والاعناق مشرئبة.. واذا بصوت يشق السكون الشامل ، ذلك صوت الصديق الأستاذ عباس العزاوي يقول: (يا ابا شهاب، ليست هذه محاضرة بل هي «تكويكات» فما كان من أبي شهاب إلا أن مد يده إلى جيبه واخرج ورقة نقدية قدمها إلى أبي فاضل وقال (هاك دينارا و «كوّك مثلها» وضج المجلس بالضحك.
كان الصراف في صدر شبابه يحضر مجالس الأدب والفضل في بغداد ويصيخ بسمعه إلى أحاديث الشيوخ وأرباب الكمال. وقدم بغداد الشيخ عبد العزيز الثعالبي فأصبحت داره ندوة يقصدها الناس كبيرهم وصغيرهم يحفون بالزعيم الوطني التونسي ويلتقطون نفثات علمه الزاخر وقريحته الوقادة.
قال الصراف: كان الشيخ رحمه الله يعلم جميع العلوم حديثيها وقديمها ويتصرف في فنون القول، غمر البديهية حلو البيان مطواع اللسان ثابت الجنان لا يردّ سائلا ولا يعفي من التعقيب قائلا.
قال الصراف: فجبنا لأمره كيف لا تعجزه مسالة ولا يعييه موضوع وقلنا: لنمتحنه امتحانا عسيرا. وأزمعنا أمرنا أنا وبعض رفاقي من أدباء الشباب فمضينا إلى منتداه الحافل وجلسنا نصغي بأدب و وقار حتى إذا ما سنحت الفرصة تنحنحت وقلت: يا أستاذ، سمعنا بكتاب نفيس مخطوط اسمه (قلائد النحور في بدائع وشيء المنظوم والمنثور) لابن بيكال النباري (أو ما جرى ذلك من الأسماء التي اتفقنا على تلفيقها) فهل وقفتم عليه في سياحاتكم وتحقيقاتكم؟ ولم تطرف للشيخ عين بل أجاب على البداهة: اجل. أن هذا مخطوط جليل القدر وقد وجدت نسخة منه في مكتبة الاسكوريال في مدريد وأخرى في مكتبة الفاتيكان ومؤلفه أندلسي فاضل من ابناء القرن السابع الهجري...) وافاض في ذكر سيرة المؤلف وفحوى المؤلف حتى حسبنا انه يقرأ في كتاب مفتوح. وقمنا وقد أيقنا أن للشيخ على جلالة قدرة وجزالة فضله قريحة تسعفه حيث يعجز العلم وقلنا لعله خلط مخطوطنا باخر مما وقف عليه ونظر فيه من وفير المصنفّات، والله اعلم.
وقد لازم الصراف جميل صدقي الزهاوي أعواما طويلة وروى أخباره وأشعاره وكتب عنه صفحات ممتعة. ورافقه سنة 1934 إلى طهران لحضور مهرجان الفردوسي. لقد أقامت الحكومة الإيرانية احتفالا عظيما بالذكرى الألفية للشاعر الفردوسي. وفي الحفلة الكبرى التي شهدها رضا شاه يهلوي وأركان دولته والعلماء القادمون من مختلف بقاع المعمورة ألقى شاعر العراق قصيدة باللغة الفارسية أشاد فيها بذكر شاعر الأمة الإيرانية ورفع منزلة الملك البهلوي الذي عرف قدر الفردوسي أكثر من معاصره الملك محمود الغزني.
 وكان لهذه القصيدة وقع عظيم حتى ان رئيس الوزراء ايران لم يتمالك نفسه   عندما فرغ الزهاوي المشهود هنأه الشاه واحتفى به الناس. فلما عدنا إلى الفندق دعاني الشاعر الشيخ وقال ( ياولدي احمد ، هل رأيت رئيس الوزراء  يقبل يدي؟ قلت ( نعم يا استاذ ، وقد رأى ذلك كل من حضر الاحتفال. فقال الزهاوي (أحفظ ذلك جيدا يا ولدي احمد لترويه في بغداد، فأنت شاهدي الوحيد هناك فلتؤد الأمانة ولتوف بالعهد).
واتصلت أسباب المودة بين الصراف والشاعر التركي الفيلسوف الدكتور رضا توفيق. فما جاء الدكتور رضا إلى بغداد في أوائل سنة 1940 بدعوة من صديقه الأستاذ الجليل محمود صبحي الدفتري وزير العدلية آنذاك وحلّ ضيفا على الحكومة العراقية حفل مجلسه في فندق زيا بالوزارة من مختلف المشارب والطبقات. كان الدكتور رضا توفيق يتحدث بلغات متعددة شرقية وغربية ويخوض في مواضيع شتى من الفلسفة والطب والتاريخ إلى الموسيقى والشعر والأدب والتصوف. وكان يحب أن يستأثر بالحديث دون جلاّسه – ولعله لم ينفرد بهذه الصفة بل شاركه فيها احمد حامد الصراف نفسه – فإذا جرى بحث موضوع من المواضيع ، تسلمه الدكتور رضا فتكلم عنه ووفاه حقه باللغة التركية مثلا ثم أعاد الحديث نفسه باللغة الانكليزية او الفرنسية او العربية الفصحى لفائدة من يعرف إحدى هذه اللغات من الحاضرين. وكنا نحضر مجلس الدكتور رضا توفيق وسمح له بالعودة إلى تركيا التي زايلها عشرين سنة أو أكثر وأدركته منيته فيها فكتب الصراف صفحات مشرقة عن الأديب التركي الكبير نشرتها صحيفة الزمان البغدادية في شهر آذار 1957 وكان قد كتب عنه فصولا حية نحو ربع قرن في ملحق البلاد الأسبوعي.
وارتبط الصراف بوشائج المودة وصلات الأدب بشعراء البلاد العربية وأدبائها وفي طليعتهم بشارة عبد الله الخوري المعروف بالاخطل الصغير الذي حيّاه قائلا :
بـــــــدأ الكـــأس وثنَّـــى
وسقى الشعــــــــــر فغنّـــــى
طـــــــائر من دجلــــــــة
الخلــــــد إلى لبنــــان حنـــّــا
كـم لسحـــر الشرق في عينيه
مـــن معـــــــنى و معــــــــنى
كلـــــما انشـــــد قلنــــــــــــا
عمـــــر الخيّـــــــــام معنــــا
ينثـــر الإنس على المجلس
من هّنــــــــــــا وهنـــــــــــا
يـــــا رسول الأدب العــالي
ســلام الشعــــــر عنّـــــــــا
قل لبغــــــــــــداد ، متـــى
عــــــدت إلى بغــــداد ، إنــا..
إن الصراف شجاع مقدام وقد روى عن نفسه انه استدرج احد أصدقائه من الأدباء إلى بعض البساتين النائية وأوسعه لكما وضربا لتناوله بالنقد اللاذع المرّ كتاب (عمر الخيام) عند صدور طبعته الأولى. ومن ذكريات الصبا التي حدثنا عنها انه اتفق مع نفر من رفاقه التلاميذ على التغرير بأصحاب الحمير الذين كانوا يقومون في بغداد القديمة بدور أرباب سيارات الأجرة.
كانت بغداد في ذلك العهد البعيد تنتهي عند باب المعظم . فإذا أراد امرؤ أن يذهب إلى الأعظمية وقف عند الطاق في آخر محلة الميدان واستكرى حمارا يركبه ليقطع به الطريق الضيقة الممتدة بين البساتين إلى جامع الإمام الأعظم. وجاء الفتى احمد وأصدقاؤه لا تنحرف يمينا ولا شمالا بل تنتهي حيث يكون رفاقهم الذين يتسلمون الحمير من الراكبين في ساحة الاعظيمة ويؤجرونها ثانية إلى المسافرين إلى بغداد لكن فتياننا المكارين الأبرياء أوقفوا الحمير في منتصف الطريق وسحبوها سحبا في داخل البساتين إلى ساحل دجلة وعبروا في قفة إلى الجانب الغربي حيث تركوها ترعى في الحقول حرة طليقة.. وظلّ الحمارون أياما طويلة يبحثون عن دوابهم التي لم تصل الأعظمية ويتساءلون أين ضلّت سبيلها.
لكن الصراف يخشى ركوب الطيارة ولم يستطع أصدقاؤه أن يحملوه على السفر جوا واستنفدوا في ذلك وسائل الإغراء والإقناع فكأنه يقول بلسان احمد شوقي:
أركب الليث ولا اركبها
وارى ليث الشّرى أوفى ذماما
وقد استطاع الدكتور مصطفى جواد مرة أن يزين له السفر بالطيارة مسافة قصيرة من بيروت إلى دمشق. فلما ارتفعت بهما سفينة الفضاء اخذ الصراف يبسمل ويحوقل ويتعوذ ويخاطب نفسه قائلا : ( يا ابا شهاب، ما حملك على ركوب هذا المركب وترك الأرض الثابتة في المطار بسلام جسّ الأرض الثابتة تحت قدميه وحمد اله مقسما ألا يعود إلى التصعيد في الفضاء. وكذلك حرم رواد الفضاء الكوني من أمثال غاغارين وشبرد سلفا زميلا لهم لن يغريه مغر بالانطلاق في الصورايخ وارتياد مجاهل الكواكب والأقمار.
ولقد حدثنا الجاحظ عن إعرابي شيخ اركب فيلا، فلما علاه صاح: الأرض، الأرض... وانزل فقال منشدا:
ومــا كــان تحتي يوم ذلك بغلــــة
ولكن ّ تحتــي من رفيع السّحـــائب
  ودعي الصراف قبل سنين عديدة إلى دورة ضباط الاحتياط وهو آنذاك مفتش عدلي فكتب إلي من مقره في وزارة العدلية في 16 ايلول 1939 يقول:  (انا يا اخي في كرب عظيم ومحنة ما بعدها محنة . ان الكاشحين الحاقدين غمزوا قضية اعفائي من دورة الاحتياط فتجدد الخطب ومازلت اعانيه ولست ادري ماذا ألاقي في هذه الايام التي شوّه جمالها هتلر الف لعنة عليه ..
( سازوركم يوم الخميس إما مودعا اياكم وذاهبا الى دورة الاحتياط واما ناجيا من هذه المحنة . لئيم ونذل من يقصّر في خدمة بلاده . لكن اين انا من القراع والصراع والكفاح وحمل السلاح ؟ لقد اصابني الارق منذ ليال وفي استطاعتي الان ان ارسم خريطة السماء ... )
ولم يكن من الامر بدّ فمضى احمد الصراف الى الدورة وكان معه في التدريب الدكتور مصطفى جواد وفريق اخر من الادباء والمحامين . واوكل بهم عريف شديد صارم فكان يوقظهم قبيل الفجر ويتولى تعليمهم الرياضة والهرولة والجري والرمي ، ذلك العريف الذي ابتلى به معهما مصطفى علي فقال :
  ودّعـــت عقلي وآرائي وتفكيري
وسرت طوع عريف الجيش عاشور
و ضاق اصحابنا بالامر ذرعا فلم تمض ايام قليلة حتى اعفي الصراف لتصحيح سنّه واعفي مصطفى جواد لاصابته بالتهاب في العصب فانصرف فانصرف الأديبان الى البحث والدرس والتحقيق والتنميق.

عن كتاب ( اعلام الادب في العراق الحديث )



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية