العدد(4512) الاثنين 23/09/2019 (عدد خاص عن مجلس الإعمار في العهد الملكي)       شيء عن مجلس الاعمار.. عندما اصبح العراق ورشة عمل كبيرة       تذكروا "مجلس الإعمار" في العهد الملكي       صراع بريطاني ـــ امريكي في مجلس الاعمار في الخمسينيات       متى تأسس مجلس الإعمار وما هي مشاريعه؟       مجلس الاعمار وتطور العراق في الخمسينيات       مجلس الاعمار ودوره الريادي في عملية التنمية في العراق       أسابيع مجلس الاعمار الثلاثة.. صفحة عراقية لامعة       العدد (4510) الخميس 19/09/2019 (كتب وكتبيين)       ذكريات الكتب والمكتبات.. اول دخولي لسوق الكتبيين    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :40
من الضيوف : 40
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 27402821
عدد الزيارات اليوم : 11522
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » عراقيون


من ذكريات احمد حامد الصراف

شيماء الصراف
الحشد من   المواقف في ذاكرتي سببها أبي؛ الجزء الأكبر في حياته قسمان : عمل لدى   الدولة في السلك القضائي، ثم تقاعد ومارس المحاماة هذا النشاط المهني   الحبيب إلى قلبه.  هناك نشاط ذاتي شخصي لديه : الأدب ، إنه الأديب الكاتب   .الذكريات الإنسانيّة الثريّة هذه أدين له بها، رجل قانون وأدب، حر  الضمير،  ذو مروءة  لا يعرف في تعامله غير الإنسان، لا عرق ولا لون ولا دين  ولا  مذهب وهذا يفسّر كل علاقاته وتعامله مع الناس بمطلق الكلمة.


 أدين له بمفاهيم ومنطلقات نظرتي إلى الغير ومن ثمّ تعاملي معه.. سأتحدّث عن أمور عشتها معه وعايشتها بقربه.

مع مير بصري
المودّة، لغويّاَ، أعلى مراتب الحب، حتى قيل ” المودّة نسب” ، هذه الكلمة مفتاح علاقة الصرّاف  بمير بصري، إنه عالم الإقتصاد، الأديب الشاعر رئيس الطائفة اليهوديّة في العراق . إنه دائم التعبير عن مودّته لأبي فهو الذي كتب قصيدة شعرية احتفاءً بمولد شَمول أختي وهو الذي رثى جدّتي لأُمّي بأجمل الرثاء بعد موتها ، باعتبارها آخر الأحفاد المباشرين لأبي الثناء الألوسي صاحب  تفسير ” روح المعاني”.
حين غادر مير بصري وعائلته العراق بعد السماح له بالسفر ( عام 1974) لم يخبر أحداً عن قراره بعدم الرجوع، ذهب إلى مكتبة المثنّى حيث يجتمع بعضاَ من أُدباء بغداد نهاية كل صباح ليرى أصدقائه فقد لا يراهم قط بعد هذا. احتضن أبي بشدّة ، قال له : ماذا ترغب ان أجلب لك عند رجوعي؟ طال الحال، وكأنه يحتضن العراق المفارق له ويشمّ رائحته .رجع أبي يومها ظهراً سمعته يقص على أمّي باستغراب، عدويّة (اسم أمّي) شنو قصته مير بصري ، هوّ فقط رايح مكان قريب وراجع بعد  أيام، لِمَ دمعت عيناه وهو يحتضنني بهذه القوّة وحتى يرفض أن يخلّي عني.
لم يلتقيا بعدها قط ، استقرّ مير بصري في لندن وهناك عاش منصرفاً إلى التأليف ، وحين كتب عن أدباء العراق كتب أجمل الكلام في ترجمة صديقه الصراف، مات متجاوزاً التسعين من العمر. كنت اتصل به من باريس(حيث أقيم) بين الحين والحين وخصوصاً في الأعياد، ترد زوجته، أقول :خالة آني شيماء، ثم أسألها عن أحوالها وصحّتها وبعدها أقول أحجي ويّه عمّي، أسمعها: مِيرغ (مير) قوم احكي مع شيماء، يأتي، اللهفة والسؤال عن الأحوال ، التمنيّات والأمنيات.
لا أعرف من مات في وطنه العراق أو من مات في الغربة، الذي أعرفه هو سبب هجرة مير بصري . إنه رجل هادئ صبور يفلسف الأمور ، ولكن لكل أمر حد ودرجة احتمال فقد كفّت السلطة عن معاملته كمواطن ؛ زارنا مرّة مع عائلته زوجته وابنته، كنا جالسين في صالون بيتنا جرى الحديث عن المدرسة قال مير بصري ان ابنته  اكملت الثانويّة بمعدّل فوق السبعين، دار حديث آخر، ثم التفت أبي قائلاً للبنت : عمّو بأي كليّة ستدخلين؟ كانت فترة التقديم للجامعة، لم تردّ إلاّ بهمهمة، قال أبوها إنه ممنوعة من ذلك، لم يفهم أبي قال ان معدّلها ممتاز، حينها شرح مير بصري الأمر، لحظتها وجم أبي ولم تصدر عنه كلمة، بينما ابتسم أبوها ابتسامة خالية من أي تعبير ورفع وجهه وعيناه ينظر إلى الأعلى . وكأنه يريد التأكيد على عدم استغرابه لما يصدر عنهم (السلطة) التفت إلى أبي، قال : إنهم يعلمون جيداً أن لا نشاط لديّ سوى النشاط العلمي، مع ذلك السائق الخاص لسيّارتهم هو من جهاز المخابرات ينقل أخباره ، قال:  هكذا يحس الإنسان بالغربة في وطنه .

مع شيخ الصابئة
لم يكن لأبي مكتب محاماة؛ كان يستقبل الناس الراغبين في توكيله في دعوى، في البيت . كنت أرى أعيان الصابئة من كبار السن يأتون منزلنا، كان لباسهم عربيّاً تقليديّاً، في العادة لا أعرف من في الصالة، فقط أعرف أنّ من واجبي أن أُنبّه على عمل قهوة لهم، بابا إنسوي كهوة؟ لا بابا الناس صُبّة (صابئة)، ولا يشرح، فأنا لديّ علم أنهم لا يأكلون ولا يشربون في بيت ناس لا يحملون نفس ديانتهم. كان شيخ الطائفة عبد الله بن الشيخ سام يأتي أحياناً لوحده لرؤية أبي، رجل مربوع القامة نحيفها يميل إلى القِصَر، لباسه عربي زبون وعكال، طلق الوجه لطيفه، ذو لحية صغيرة .إنه والد عالمنا الجليل الدكتور عبد الجبار عبد الله عالم الفيزياء الكبير. في يوم صيف شديد الحر جاء لوحده وكالعادة لم يشرب شيئاً، كنت بالقرب منهم، وهو يتهيّأ للخروج قلت لأبي بصوت خافت ألا نطلب له تاكسي ، ردّ : لا لن يقبل، سيرجع مشياً لن يركب باص ولا تاكسي، لا تقلقي، إنه هكذا وبنيته القويّة تحتمل، سكت أنا، معنى ذلك انه سيذهب من الأعظميّة حيث نسكن إلى بيته الذي يطل على النهر في الصالحيّة مشياً على قدميه.
في يوم جاء حوالي العشرة منهم وكان من بينهم شباب بلباس أفنديّة وبدون لحى، سألت أبي عن تقديم القهوة، قال ربّما، وفعلاً الشباب أخذوا أقداح الماء والقهوة وامتنع الشيوخ .وفي كل الأحوال من غير المستطاع تفرقتهم عن المسلمين؛ فعلاوة على اللَّباس، لحى أو بدونها فإن ملامحهم عربية وأسمائهم عربيّة إسلاميّة صرفة .
كان لأبي أجمل وأقوى العلاقات بهم، أُناس طيبون مسالمون، دمائهم معجونة بتربة وطنهم العراق منذ قرون سحيقة فهم نتاجه .الصياغة حرفة برعوا بها، والفضّة على الأخص وتزيينها بالميناء بنقش صور وآثار العراق : أسد بابل، الثور المجنّح، النخيل…في كل سوق صاغة هناك الصورة التقليديّة المعتادة: الصابئي الصائغ جالس على قطعة حصيرة أو بساط على الأرض، زبون وعكال ولحية وأدواته بيده وحوله يعمل صامتاً مطرقاً يرفع رأسه عند الحاجة، صورة عراقي منذ عهود بعيدة. أبناؤهم جيل السبعينات اختلطت بهم في الجامعة وفي العمل لاحقاً بمجالات متعددة، ومهما كانت اختصاصاتهم فقد ظلّت علاقاتهم بفن الصياغة قويّة، ففي العطلة الصيفيّة يرافقون آباءهم إلى محل الصيّاغة لمساعدته والعمل بإشرافه، وهكذا كان حال هشام طبيب الأسنان العراقي الصابئي،وهو مثال لا غير، كنا معاً في المدينة الجامعيّة في باريس كلٌّ من أجل اختصاصه، فهشام لم ينس على مر السنين مهاراته البسيطة ـ مقارنة ًبأبيه ـ في الصياغة والتي اكتسبها منه خلال عطل المدارس الصيفيّة .
اشتهر المحل الجديد لأبي نادية الصائغ ( نسيت اسمه، وهو معروف بإسم ابنته) ، إنه افندي المظهر، لا يعمل  وإنما يبيع فقط، ومحلّه منظّم بطريقة حديثة ويقع في وسط بغداد . كان يهرع لرؤية أبي حال وقوع مشكلة له، أبي لم يكن يأخذ أتعاباً في المقابل، فالأمر لا يخرج عن إطار تمرين مسلّي له . جاءه مرّة ،قال إنّ إمرأة من بين عملائه رغبت في قلادة ذهبيّة قالت ستلبسها أيّاماً ثم إنْ اقتنعت ستشتريها وذلك بسبب سعرها العالي، اتّصل بها أبو نادية بعد أيام فأنكرت أخذها لها، أنّبه أبي لعدم أخذ وصل باستلامها، قال لم يستطع فهي تشتري منه منذ سنين كثيرة وهناك ثقة. طلب أبي وصف دقيق جداً للقلادة، في المحكمة أمام القاضي يوم المرافعة واصلت المرأة انكارها، لم تأخذ قلادة اطلاقاً بل ولم تر شيئاً كهذا في محل الصائغ. في لحظة ما استدار أبي وقال لها ان الضرر الحاصل كبير فالقلادة غالية جداً بسبب كمية الذهب فالقلوب المتدلّية منها كبيرة الحجم تفصلها عن بعضها قلوب صغيرة، ثم استرسل في الوصف، كان حماساً مفتعلاً ولكن المرأة صدّقته فقاطعته محتجّة بغضب: ليست قلوب وإنما كرات متوسطة الحجم، سكت أبي ونظر إلى القاضي الذي ابتسم وانتهت القضيّة.

من كتاب أحمد حامد الصراف (رجل وعصر)



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية