العدد (4492) الخميس 22/08/2019 (كامل شياع)       كامل شياع: هاجس الهوية ومصباح ديوجين       حقيقة مكتومة بأختام حمر       رصاص ممنهج بلا عقاب       البناؤون .. (الى كامل شياع)       احــلام كــامــل شـــياع       خواطر حرب على حرب       إرادة الذاكرة: اليوتوبيا معياراً ثقافياً       من قتل كامل..؟؟       كما رآهما كامل شياع    

 

 

     محرك البحث





بحث متقدم
 

     المتواجدون حالياً

المتواجدون حالياً :35
من الضيوف : 35
من الاعضاء : 0
عدد الزيارات : 26905399
عدد الزيارات اليوم : 6141
أكثر عدد زيارات كان : 65472
في تاريخ : 14 /09 /2018
 

 


ملاحق جريدة المدى اليومية » الأخبار » الملاحق » ملحق منارات


آسيا جبار أول عربية تدخل مؤسسة الخالدين الفرنسية

جابر بكر
      أي النساء هي؟  هل كانت المرأة المتكئة؟ أم تلك التي تجلس أمام “الشيشة”؟ أم هي تلك  الخادمة التي ترفع الستائر الثقيلة؟ أم هي ضميرهن المستتر؟ هل دخلت لوحة  "نساء الجزائر في مخدعهن" للفنان الأوروبي “أوجين ديلاكروا” أم أدخلت لوحته  عالم النساء الجزائريات؟ لماذا هاجرت من بلادها وهي التي دافعت عنها  بقلمها؟ لماذا طلبت دفن جسدها في بلادها وهي التي تركتها؟


 لماذا لم تغب بين الجموع وتغير انتماءها كما تغير اسمها؟ وتغير ثقافتها كما أجبرت على تغير لغة كتاباتها؟ لماذا لم تترك وراءها كل ذلك الألم وترحل في شوارع باريس؟ متخلصة من عباءة القهر والظلم اللذين أحاطا بالمرأة العربية ولا يزالان إلى اليوم، لماذا لم ترم حزنها بعيدا وتستسلم للفرح؟

فاطمة الزهراء
هي الكاتبة الجزائرية الفرنسية آسيا جبار، أو كما كان اسمها يوم ميلادها فاطمة الزهراء املحاين، سنرحل معها بحثا عن إجابات لتلك الأسئلة الكثيرة، نتعثر قليلا، فلم تترجم الراحلة جيدا بعد إلى العربية، رغم أن كتاباتها ترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، ورغم بعدها أو إبعادها عن اللغة العربية لم تنكر جبار عربيتها فعبرت عنها بفرنسية دفعتها إلى أن تكون في مؤسسة الخالدين الفرنكفونية أي “أكاديمية اللغة الفرنسية” التي دخلتها عام 2005، لتكون أول عربية تدخل هذه المؤسسة وخامسة امرأة تكسر ذكوريتها، رغم أنها تَرجمت دماء شعبها باللغة الفرنسية في روايات وقصص عن تضحياتهم ومعاناتهم من الاستعمار الفرنسي، فدخلت تلك المؤسسة كجزائرية مضمخة بدم شهداء حرب التحرير، الذين تعتبر نفسها “وارثة” لهم، ولم تكن جبار الأولى في هذه فقط، بل كانت أول امرأة جزائرية تنتسب إلى دار المعلمين في باريس عام 1955، وأول أستاذة جامعية في الجزائر في قسم التاريخ والآداب ما بعد الاستقلال.هنا ندرك أي النساء هي، هي المرأة التي لم تلد طفلا، إلا أنها ولدت بلادا بلون الشمس في عاصمة الأنوار، هي المرأة الجزائرية التي حملت ذخيرة الحرية من بلاد الشهداء ودافعت عنها في أرض خصومها، ومن ثم حملت ذخيرة حربها النسوية ضد الظلام لتبقى أعواما طوالا تنكر التمييز وتدعو إلى حرية المرأة، إذا هي ليست تلك المرأة المتكئة أمام الشيشة بل هي المرأة الحاملة لقلمها سلاحا في وجه الظلم، قلم حمل اسمها إلى لائحة المرشحين لجائزة نوبل عام 2009، وجعلها أول كاتبة عربية تفوز بجائزة السلام عام 2002، الجائزة التي تمنحها جمعية الناشرين وأصحاب المكتبات الألمانية، كما حظيت بالتكريم في محافل دولية عديدة، ولكنها لم تعرف عربيا إلا قليلا.

موت الفرنسية
لم تتردد في نقد كل شيء، حتى اللغة التي يكتب بها، حيث أطلقت على إحدى رواياتها عنوان “اختفاء اللغة الفرنسية”، رواية لا تتوانى عن رثاء لغة الاستعمار اللغة التي درست من خلالها وكتبت من خلالها، اللغة التي كانت سمة مثقفي الجزائر طوال سنوات وربما سمة بعضهم إلى اليوم، لغة حملتها جبار الغربة والحزن المشرقي والشعور بالاغتراب والبعد والشوق والفرح الذي ينطق الدمع بشكله ولونه، نعم هو فرح المشرقيين المبعدين عن بلادهم، كما حال الكثير من مثقفي العالم العربي اليوم وبالذات بلاد الثورات التي أحالها الظُلّام سجونا ومقاصل لا حدود لها ولا دماء تروي نهمهم، بلاد باتت بوابات موت معلنة تفتح لتضم الأجساد كما ضمت أرض الجزائر مؤخرا جسد جبار، ليُكتب على لوحة القبر، هنا ترقد فاطمة الزهراء ابنة الجزائر التي عاشت معظم حياتها خارجها وداخلها في آن، كما كان الحزن والفرح في لوحة النساء الجزائريات في مخدعهن، فهو خارج اللوحة وداخلها في آن.ربما عاد جسدها إلى بلادها وبقيت هي خارجها، فمنذ أن هجرتها إلى فرنسا عام 1980، لم تدخلها إلى قليلا وبالذات في العشرية السوداء كما تعرف في الجزائر، أي فترة الحرب الأهلية المزلزلة التي ضربت البلاد فقتلت عددا كبيرا من أبنائها واغتيل عدد من مثقفيها، بلاد لم تشف من الدماء بعد، تلك البلاد الجريحة هي ذاتها التي بقيت حاضرة في روايات جبار، ولكنها لم تكن يوما في موقع المواجهة السياسية، وهذا ما عرف عنها على أقل تقدير، لكنها في أوج الحرب الأهلية تلك كتبت “الجزائر البيضاء” و”وهران… لغة ميتة”، كتبت عن الموت كما الكثير من الروائيين العرب عموما والسوريين على وجه الخصوص يكتبون اليوم عن الموت والدماء التي تتناثر كحبوب الطلع لتلقح الخسائر بخسائر أعظم.
من المفارقة أني أكتب عن جبار من مدينة كتبت عنها رواية عن الحب “ليالي ستراسبورغ”، خيال العشاق يعمر هذه الرواية ولكنها لم تكن إلا قصة تهرب فيها من أوجاع الموت الجماعي والمجازر والكوارث التي عاشتها الجزائر ولم تكن إلا هربا من غربتها وخوفها من القادم، وربما محاولة للعلاج بالكلمات وفرصة لتفريغ المخاوف والحزن حبرا على أوراق فيذهب معها إلى الآخرين الذين يشاركوننا تلك المفارقات فتصبح تلك الأوجاع أقل ألما وتعبر كغيرها، لأن الإنسان لا يقبل بالنهايات المستعجلة، ولذا دوما يبحث كما بحثت جبار عن طريقة للعلاج من الجنون بالجنون.
تلك الرواية عن الحب المتخيل في بلاد عامرة بالحب اليوم، هي جواب لسؤال لماذا لم تترك جبار هويتها وترحل في ثقافة الشوارع الباريسية؟ كيف لها أن ترحل فيها وهي كل يوم ترى أهل جلدتها وهم يعانون الغربة مثلها لأجل حياة بالكاد تقيهم شر الموت جوعا، كيف لها أن ترحل وهي التي ورثت الحزن كما معظم المشرقيين وصلها عبر الحبل السري ورضعته في حليب أمها التي ما تزال على قيد الحياة جسدا دون إدراك وخاصة بعد موت ابنتها، ربما من حسنات جبار أنها لم تنجب، فلذا كان هذا ما جنته عليها أمها وهي لم تجن على أحد، حالها اليوم كحال المعري، ولكن هل ستذكر في كتب العرب أم في كتب الفرنسيين؟ هل سيقال عنها الكاتبة الجزائرية أم الفرنسية؟ أين هي هويتها بعد كل ما سبق؟ هويتها هناك حيث ولدت في 30 يونيو عام 1936 في مدينة شرشال الجزائرية الساحلية، من أب يعمل مدرسا، هناك هويتها حيث دفنت، ولكن للتاريخ كلمته، فكيف ستكون هناك وهي التي لم تترجم إلى العربية بعد؟

آسيا جبار والعطش
تلك العطشى إلى بلادها عادت إليها في جسد على أمل أن تعود إليها لغة ونصوصا، هي التي كتبت رواية “العطش” قبل أن تبلغ العشرين، يوم كانت لا تزال طالبة في باريس، لتعالج أزمة الهوية التي استشعرتها باكرا فتروي قصة نادية، المولودة من زواج مختلط بين أم فرنسية وأب جزائري، نادية التي بقيت تبحث عن “توازنها” وعن السعادة ليس مع زوجها ولكن مع زوج صديقتها، ذاك البحث ربما لم يصل إلى مبتغاه بعد، فنادية ليست إلا آسيا الباحثة عن الراحة في بيت أهلها ولم تجدها إلا في بيت المستعمر، فما أقرب الشبه بين زوج نادية والجزائر وما أقرب الشبه بين زوج صديقتها وفرنسا، بلاد تتقن الحرية إلى حد كبير وتحترم المرأة بطريقة مختلفة عن الشرق، فكيف لا تكون صديقة مريحة وجميلة، ولكنها لم تكن يوما هوية.لأجل ذلك كله عاشت جبار متنقلة بين الجزائر وفرنسا والولايات المتحدة حيث كانت أستاذة الأدب الفرنسي في جامعة نيويورك، ربما هذه المناصب والأعمال كانت نتيجة دراستها باللغة الفرنسية وحرمانها من الدراسة باللغة العربية في الجزائر فترة الاستعمار الفرنسي الذي ما إن انتهى ونالت الجزائر استقلالها حتى عادت جبار إلى بلادها لتدرس مادة التاريخ في جامعة الجزائر، وتوقفت عن الكتابة حتى العام 1980 عندما هاجرت نهائيا إلى فرنسا.
وفي فرنسا أصدرت أشهر أعمالها بدءا بالمجموعة القصصية “نساء الجزائر في شقتهن” عام 1980، ثم روايات “الحب..الفانتازيا” عام 1985، و”الظل السلطان” عام 1987، التي تدعو من خلالها إلى الديمقراطية وحوار الثقافات وتدافع عن حقوق المرأة التي لم تغب عن كتابات جبار ولا عن هاجسها العام.كما عملت جبار في مجال السينما، فأخرجت فيلما طويلا للتلفزيون الجزائري عام 1977 بعنوان “نوبة نساء جبل شنوة” وهي منطقة قريبة من مسقط رأسها شرشال، نال الفيلم جائزة النقد الدولية في مهرجان البندقية السينمائي، ثم أخرجت فيلما بعنوان “الزردة أو أغاني النسيان” عام 1982.
وآخر ما كتبته جبار رواية “لا مكان في بيت أبي” والتي صدرت عام 2007، رحلت جبار فيها إلى سيرتها الذاتية، وذكرياتها المرتبطة بذاكرة شعبها. قضت جسدا في أحد مستشفيات باريس يوم السبت 7 فبراير 2015 ودفنت في مسقط رأسها شرشال غرب العاصمة الجزائر تنفيذا لوصيتها، وهنا يأتي جواب سؤالنا لماذا لم ترم حزنها بعيدا وتستسلم للفرح؟ بأنها لم تكن يوما إلا فرحة بكل ما تقدمه لبلادها وأهلها وشعبها، فكيف لها أن تترك ذاك الحزن الذي ترسمه دموع الفرح.

عن العربي الجديد



المشاركة السابقة : المشاركة التالية


     القائمة البريدية